الدوحة — (رياليست عربي). أعادت الحرب الأميركية — الإسرائيلية على إيران وما تبعها من توتر في الخليج فتح النقاش داخل دول مجلس التعاون الخليجي حول معنى الأمن الإقليمي وحدود الاعتماد على الحماية الأميركية، بعدما تعرضت المنطقة لتهديدات مباشرة رغم وجود قواعد وتحالفات عسكرية غربية واسعة.
وعلى مدى عقود، اعتمدت دول الخليج على ما وصفه مراقبون بـ«الاستثنائية الخليجية»، أي الاعتقاد بأن الاستقرار السياسي والثروة النفطية والتحالفات الغربية قادرة على إبقاء المنطقة بعيدة عن الحروب التي ضربت أجزاء أخرى من الشرق الأوسط.
لكن هذا التصور تعرض لهزة قوية منذ اندلاع عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة ضد إيران، قبل أن يتحول الخليج نفسه إلى ساحة تهديدات متبادلة وهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ومع تصاعد الأزمة، بدأت تظهر انتقادات داخلية في الخليج بشأن طبيعة العلاقة مع واشنطن. فقد عبرت شخصيات أكاديمية وإعلامية خليجية عن استياء متزايد مما اعتبروه غيابا أميركيا فعليا لحماية الحلفاء الخليجيين في اللحظة الأكثر حساسية.
وقال الأكاديمي القطري نايف بن نهار في منشور على منصة «إكس» إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب «ترك دول الخليج تواجه مصيرها وحدها» أمام الصواريخ الإيرانية، معتبرا أن المجتمعات الخليجية «لا تساوي في نظره برميل نفط واحد».
تعكس هذه التصريحات شعورا متزايدا بأن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة غير متكافئة، حيث تستفيد واشنطن من القواعد العسكرية والنفوذ الإقليمي، بينما تتحمل دول الخليج المخاطر الاقتصادية والأمنية المباشرة لأي مواجهة مع إيران.
كما أثار انسحاب جزئي لبعض الموظفين الأميركيين والدبلوماسيين خلال التصعيد تساؤلات إضافية حول مدى استعداد الولايات المتحدة لتحمل كلفة الدفاع عن حلفائها الخليجيين إذا توسعت الحرب.
في الوقت نفسه، يواجه الخطاب الخليجي تحديا آخر يتعلق بالصورة التي ينظر بها العالم إلى المنطقة. فالكثير من النقاشات الغربية حول الخليج تركز على النفط والثروة والموقع الاستراتيجي، بينما يجري تهميش البعد الاجتماعي والإنساني لمجتمعات الخليج نفسها.
ويرى مراقبون أن دول الخليج حاولت خلال السنوات الماضية تغيير هذه الصورة عبر الاستثمار في «القوة الناعمة»، من الرياضة والثقافة والتعليم والإعلام، بهدف تقديم نفسها كمجتمعات حديثة ومتنوعة، لا مجرد مصدر للطاقة أو ساحة نفوذ جيوسياسي.
لكن الحرب الأخيرة أظهرت حدود هذا المسار. فمع تعرض منشآت الطاقة وطرق الملاحة للتهديد، عاد الخليج في نظر كثير من القوى الدولية إلى موقع «الساحة الاستراتيجية» أكثر من كونه فضاء اجتماعيا يعيش فيه ملايين السكان.
وفي موازاة ذلك، برز انقسام في ردود الفعل الدولية تجاه دول الخليج. ففي حين رأى بعض الناشطين اليساريين في الغرب أن استهداف البنية النفطية الخليجية يمثل ضغطا سياسيا على الحكومات الخليجية بسبب الحرب في غزة، انتقدت أصوات يمينية ما وصفته بموقف خليجي «دفاعي» وغير كاف في دعم العمليات الأميركية ضد إيران.
هذه التطورات دفعت بعض النخب الخليجية إلى الحديث عن ضرورة إعادة تقييم مفهوم الأمن الإقليمي. فبدلا من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية، يطرح النقاش اليوم فكرة بناء توازنات أكثر استقلالية داخل المنطقة نفسها.
تحريريا، لا تعني هذه التحولات نهاية التحالف الخليجي — الأميركي، لكنها تكشف أن الثقة القديمة بفكرة «الحماية المضمونة» لم تعد كما كانت. الخليج ما زال يملك شراكات قوية مع واشنطن، لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن القواعد العسكرية والتحالفات لا تمنع بالضرورة انتقال النار إلى المنطقة نفسها. وبينما كانت دول الخليج تراهن لعقود على الاستقرار عبر القرب من القوة الأميركية، يبدو أن السؤال الجديد أصبح: ماذا يحدث عندما تتحول هذه القوة نفسها إلى مصدر للمخاطر؟






