موسكو (رياليست عربي). قال المحلل السياسي إيليا غراشينكوف إن الاستراتيجية الروسية المعروفة بـ«التحول نحو الشرق» ساعدت في معالجة التحديات الاقتصادية واللوجستية العاجلة، لكنها لا يمكن أن تشكل بديلاً كاملاً عن العلاقات مع أوروبا.
وفي مقابلة مع وكالة «رياليست»، أوضح غراشينكوف أن التوجه نحو آسيا — بما في ذلك تعميق العلاقات مع الصين والهند ودول الخليج — جاء في الأساس كاستجابة اضطرارية للضغوط الجيوسياسية والعقوبات.
وأضاف: «سمح ذلك بإعادة بناء طرق التجارة، وإنشاء سلاسل لوجستية جديدة، وتعويض جزء من قنوات التعاون التي فُقدت. كاستراتيجية أزمة، نجح هذا التحول».
حدود الشراكة مع الشرق
لكن المحلل شدد على أن الشركاء الشرقيين لا يمكنهم أن يكونوا بديلاً مكافئًا لأوروبا من حيث العمق التاريخي أو المستوى التكنولوجي أو البنية المؤسسية. وأشار إلى أن العلاقات مع الدول الآسيوية تقوم أساسًا على المصالح الاقتصادية البراغماتية، دون الامتداد التاريخي الذي يميز العلاقات الروسية الأوروبية.
وقال: «لا تزال أوروبا شريكًا طبيعيًا، وربما الشريك الرئيسي الوحيد لروسيا»، لافتًا إلى أن الاعتماد المتبادل بين الجانبين لم يختفِ رغم التوترات الحالية.
نشاط دبلوماسي متزايد
تأتي هذه التصريحات في ظل تكثيف موسكو تحركاتها الدبلوماسية مع بكين ونيودلهي، حيث ناقش مسؤولون روس وصينيون مؤخرًا توسيع مجالات التعاون، فيما عززت روسيا والهند علاقاتهما في قطاع الطاقة، بما يشمل زيادة إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال.
في الوقت نفسه، أبدى غراشينكوف شكوكًا بشأن إمكانية تحقق نظام عالمي متعدد الأقطاب في المدى القريب، خاصة في إطار تكتلات مثل «بريكس». وأشار إلى أن الحرب الجارية المرتبطة بإيران أظهرت حدود هذا التوجه، حيث لم تتمكن روسيا من تقديم دعم يتجاوز المستوى الدبلوماسي.
وأضاف: «هذا يوضح أن العالم متعدد الأقطاب، كما يُتصور، لا يزال مشروعًا للمستقبل أكثر منه واقعًا قائمًا».
نافذة محتملة للحوار مع أوروبا
وأشار المحلل إلى ما وصفه بـ«نافذة فرصة» محتملة لاستئناف الحوار بين روسيا وأوروبا، لكنه حذر من أن أي تقارب سيكون تدريجيًا وبراغماتيًا، وليس عودة إلى نماذج التعاون السابقة.
وتعكس تصريحات حديثة هذا التوجه المزدوج، حيث أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو لا تستبعد استعادة العلاقات مع أوروبا، فيما أبدى بعض القادة الأوروبيين اهتمامًا بإعادة النظر في العلاقات، خصوصًا في سياق أمن الطاقة.
تعكس هذه التطورات معادلة استراتيجية معقدة تواجهها روسيا، تقوم على تعميق الشراكات الآسيوية مع الإبقاء على خيار إعادة الانخراط مع أوروبا.
ويبقى السؤال الرئيسي ما إذا كانت موسكو قادرة على تحقيق تنمية اقتصادية وتكنولوجية طويلة الأمد دون إعادة الاندماج في المنظومة الأوروبية، أم أن التحولات الجيوسياسية ستفتح لاحقًا مسارًا جديدًا للتعاون بين الجانبين.






