لندن – (رياليست عربي). تمتلك المملكة المتحدة حصة في ميناء بربرة ذي الموقع الاستراتيجي عبر British International Investment، التي تشارك في ملكية وتشغيل المرفق التجاري إلى جانب عملاق الخدمات اللوجستية الإماراتي DP World وحكومة أرض الصومال. وقد بات هذا الترتيب محل تدقيق متزايد مع تصاعد التوترات في المنطقة واستمرار الحرب في السودان.
وأُعيد تسليط الضوء دبلوماسيا على أرض الصومال — المحمية البريطانية السابقة التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 من دون اعتراف دولي — بعد أن أصبحت إسرائيل الشهر الماضي أول دولة تعترف رسميا باستقلالها، وهي خطوة قوبلت بإدانات واسعة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وذكر تقرير تقييم الأثر لاستثمار BII في بربرة، الذي كلّفت به وزارة الخارجية البريطانية ونُشر الشهر الماضي، أن الميناء يمثل «بوابة استراتيجية لأرض الصومال وممرا تجاريا بديلا محتملا لإثيوبيا»، التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الوصول إلى طرق الشحن في البحر الأحمر. وأشار التقرير إلى تنامي دور بربرة كمنافس إقليمي لجيبوتي التي تتولى حاليا معظم تجارة إثيوبيا.
غير أن الشراكة التجارية البريطانية مع «دي بي وورلد» أثارت مخاوف من تضارب محتمل بين المصالح الاقتصادية للندن ومواقفها الدبلوماسية من حرب السودان. فقد فرضت بريطانيا، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع السودانية على خلفية اتهامات بارتكاب فظائع في دارفور، بما في ذلك عمليات قتل جماعي وهجمات على مدنيين، وهي اتهامات تنفيها القوات.
وترفض الإمارات، موطن «دي بي وورلد»، مرارا الادعاءات بشأن دعمها لقوات الدعم السريع. إلا أن دبلوماسيين ومحققين ومنظمات إنسانية يشيرون إلى أدلة متزايدة — تشمل بيانات رحلات وسجلات شحن — تفيد بأن شبكات لوجستية مرتبطة بالإمارات في القرن الإفريقي استُخدمت لدعم هذه القوات.
وقال أمجد فريد الطيب، مدير مجموعة السياسات السودانية «فكرة»: «لا يمكن لبريطانيا أن تطالب بمساءلة وحماية المدنيين في السودان، وفي الوقت نفسه تشارك في ترتيبات إقليمية تُبقي الفاعلين المسلحين ممولين وقادرين على الحركة».
من جهتها، رفضت BII أي إيحاء بوجود ارتباط عسكري، مؤكدة أنها مستثمر أقلية في مرفق مدني بحت. وقال متحدث باسمها إن مشروع بربرة «منفصل تماما» عن أي بنى عسكرية إماراتية قريبة، ويهدف إلى دعم التنمية الإقليمية والتوظيف والتجارة، بما في ذلك توفير ممر بحري ثانٍ لإثيوبيا غير الساحلية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، ارتفعت الأهمية الجيوسياسية لبربرة بشكل ملحوظ. فقد استضاف الميناء زيارة غدعون ساعر الأولى عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وسط تقارير إعلامية عن مناقشات حول تعاون عسكري محتمل. وبعد أيام، رست في بربرة سفينة تقل زعيم الانفصاليين الجنوبيين في اليمن عيدروس الزبيدي المدعوم إماراتيا، ما أثار اتهامات سعودية بتحركات إماراتية غير معلنة.
وقد أقلقت هذه التطورات قوى إقليمية عدة. إذ أصدر وزراء خارجية السعودية وقطر وإيران وتركيا ودول أخرى بيانا مشتركا أدانوا فيه زيارة ساعر وأكدوا دعمهم لوحدة أراضي الصومال، محذرين من أن تشجيع أجندات انفصالية قد يزيد من زعزعة منطقة هشة أصلا.
ومنذ انضمامها إلى مشروع توسعة بربرة في 2022، استثمرت BII إلى جانب «دي بي وورلد» ضمن شراكة «بوابة إفريقيا»، مع التزام تمويلي قدره 320 مليون دولار وخطط لمزيد من التمويل. وشملت الأعمال تعميق الميناء وإنشاء أرصفة جديدة وتحديث معدات الشحن، ما أسهم في خلق آلاف الوظائف وإضافة عشرات الملايين من الدولارات للاقتصاد المحلي.
لكن منتقدين يرون أن بربرة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق الأوسع. فالميناء يقع على بعد نحو 250 كيلومترا من مضيق باب المندب الذي يمر عبره قرابة ثلث شحنات النفط العالمية، ويشكل جزءا من شبكة أوسع من الموانئ والقواعد المرتبطة بالإمارات عبر البحر الأحمر وخليج عدن. ويقول محللون إن هذه البنية التحتية باتت محورية ليس للتجارة فحسب، بل أيضا للوجستيات العسكرية وجمع المعلومات وإسقاط النفوذ.
وبالنسبة للندن، تعكس القضية صعوبة الموازنة بين تمويل التنمية والشراكات الاستراتيجية والالتزامات المعلنة بمنع النزاعات. وحذر الطيب قائلا: «أي دور بريطاني في بربرة لا يُشترط صراحة بمنع استخدامها في تغذية الحروب — ولا سيما حرب السودان — سيُقرأ ليس كحياد، بل كتواطؤ بالإهمال».






