باريس – (رياليست عربي). تتزايد المخاوف في العواصم الأوروبية من أن الشلل السياسي العميق في فرنسا قد يُضعف الاقتصاد الأوروبي ويُعقّد المفاوضات حول الميزانية طويلة الأمد للاتحاد الأوروبي، التي تبلغ قيمتها تريليوني يورو للفترة 2027–2034.
انهارت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بعد أقل من 24 ساعة على إعلانها، مما ترك الرئيس إيمانويل ماكرون بلا إدارة عاملة، فيما دخلت ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي في مرحلة حكومة تصريف أعمال.
أزمة مالية وسياسية متشابكة
تكمن جذور الأزمة في البرلمان المنقسم والعجز المتزايد حول كيفية خفض العجز المالي الفرنسي البالغ 5.4% من الناتج المحلي — وهو مستوى يتجاوز الحد المسموح به في قواعد الاتحاد الأوروبي (3%). وقد أثار الجمود السياسي اضطرابات في الأسواق المالية، حيث ارتفعت عوائد السندات الفرنسية وتراجعت الأسهم في بورصة باريس.
وجاءت الأزمة بعد أسابيع فقط من قيام وكالة فيتش للتصنيف الائتماني بخفض تصنيف فرنسا إلى A+ بسبب الشكوك في قدرتها على ضبط ماليتها العامة. وتستعد وكالتا موديز وستاندرد آند بورز لإصدار مراجعاتهما خلال الأسابيع المقبلة، وسط توقعات بمزيد من التخفيضات التي قد تؤدي إلى زيادة كلفة الاقتراض.
وقال فيليب لاوسبرغ، كبير محللي السياسات في المركز الأوروبي للسياسات، إن «عدم استقرار ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو له تداعيات لا مفرّ منها على الكتلة بأكملها»، مضيفاً أن اتساع الفوارق في عوائد السندات يضر بالنمو الاقتصادي أيضاً.
ورغم ذلك، يرى المحللون أن الوضع لم يصل بعد إلى مستوى أزمة نظامية، مشيرين إلى أن الاقتصاد الفرنسي ما زال متيناً وأن حلّاً سياسياً سريعاً قد يخفف من تداعيات الأزمة.
انعكاسات أوروبية أوسع
داخل الاتحاد الأوروبي، يُخشى أن يؤدي الفراغ السياسي في باريس إلى إضعاف دور فرنسا القيادي في صياغة إصلاحات الاتحاد الرامية لتعزيز القدرة التنافسية في مواجهة الولايات المتحدة والصين.
كما يُلقي الغموض السياسي بظلاله على المفاوضات بشأن الإطار المالي الأوروبي للفترة 2027–2034، الذي كشفت عنه المفوضية الأوروبية هذا الصيف، ويهدف إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو الدفاع والابتكار على حساب برامج الزراعة والتنمية التقليدية.
وحذّر لاوسبرغ من أن ضعف الحكومة الفرنسية قد يُبطئ المفاوضات، قائلاً: «في ظل هذا الوضع الداخلي، يصبح من الصعب اتخاذ قرارات حاسمة. التأخير في حد ذاته يثير قلق الأسواق».
ماكرون تحت ضغط متصاعد
كلّف ماكرون لوكورنو بإجراء مفاوضات طارئة لتشكيل “منصة عمل واستقرار” قبل مساء الأربعاء، إلا أن الدعوات لاستقالة الرئيس تتزايد، ليس فقط من اليمين واليسار المتطرف، بل أيضاً من الوسط السياسي، بمن فيهم رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب.
حتى الآن، لم يُقدّم ماكرون أي إشارة واضحة إلى خطوته التالية، مكتفياً بالقول إنه «سيتحمل المسؤولية» إذا فشلت جهود لوكورنو.
ويرى محللون أن أزمة فرنسا لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبحت اختباراً لقدرة القلب الاقتصادي لأوروبا على الصمود السياسي — اختباراً سيحدد ما إذا كانت الجمهورية الخامسة قادرة على البقاء متماسكة في وجه أخطر أزماتها منذ عقود.






