بروكسل – (رياليست عربي). يحذّر باحثون وخبراء في الشفافية من أن تصوير الفساد في أوروبا باعتباره مشكلة تتركّز في دول الشرق فقط، مقابل اعتبار أوروبا الغربية شبه محصّنة، بات سردية مضلِّلة تشوّه النقاش السياسي وتؤثر سلباً على قرارات السياسات داخل الاتحاد الأوروبي.
وقال ميهالي فازيكا، مدير معهد الشفافية الحكومية وأستاذ في جامعة أوروبا الوسطى، إن هذا التصور لم يعد قائماً في الأوساط الأكاديمية منذ سنوات. وأضاف أن «الفساد يجب أن يُفهم كخطر بنيوي يصيب الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، وإن اختلفت أشكاله وحدّته».
ورغم ذلك، لا تزال ثنائية «الشرق الفاسد والغرب النظيف» حاضرة بقوة في الخطاب السياسي، بما في ذلك النقاشات المتعلقة باستمرار الدعم المالي والعسكري للاتحاد الأوروبي لأوكرانيا. ففي المجر، استشهد وزير الخارجية بيتر سيارتو مراراً بمخاوف تتعلق بالفساد لتبرير معارضته تقديم مزيد من التمويل لكييف، في مثال على استخدام الفساد كحجة سياسية موجهة إلى «الآخر».
ويشير خبراء إلى أن الفارق الأساسي لا يكمن في وجود الفساد من عدمه، بل في شكله. ففي بعض دول أوروبا الشرقية، لا يزال الفساد الصغير مثل الرشوة المباشرة أكثر وضوحاً للعيان، بينما يأخذ الفساد في أوروبا الغربية أشكالاً أكثر تعقيداً، تشمل إساءة تمويل الأحزاب، واللوبيات غير الشفافة، والتلاعب بالمناقصات العامة، و«الاستيلاء التنظيمي» من قبل مصالح اقتصادية نافذة.
ووفقاً لاستطلاع «يورو باروميتر» الذي أجرته المفوضية الأوروبية في عام 2024، يعتقد 68% من الأوروبيين أن الفساد منتشر في بلدانهم، بينما قال أكثر من ربع المستطلعين إنه يؤثر عليهم بشكل شخصي.
ويرى محللون أن السبب الرئيسي في استمرار هذه الفجوة التصورية يعود إلى سهولة رصد الفساد الصغير وإدانته علناً، مقابل صعوبة كشف شبكات النفوذ المعقّدة التي تعمل غالباً ضمن الأطر القانونية أو على هامشها. وتشير تقديرات «مرصد الشركات الأوروبية» إلى أن كبرى الشركات والاتحادات التجارية تنفق مئات ملايين اليوروهات سنوياً على الضغط والتأثير داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهو رقم ارتفع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.
كما ساهمت قضايا بارزة في تقويض صورة «الغرب النظيف»، إذ شهدت السنوات الأخيرة تحقيقات بحق مسؤولين أوروبيين كبار وإدانات لسياسيين بارزين في دول مثل فرنسا، غير أن هذه القضايا غالباً ما تُعرض بوصفها فضائح فردية لا مؤشرات على خلل هيكلي أعمق.
ويحذّر الخبراء من أن التعامل مع الفساد على أنه مشكلة «خارجية» أو محصورة جغرافياً قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه يقوّض فعالية مكافحته. وقال فازيكا إن «التحدي الحقيقي ليس في الخطاب حول محاربة الفساد، بل في مدى استعداد الحكومات لاتخاذ إجراءات فعلية، بغضّ النظر عن موقعها على الخريطة الأوروبية».






