برازافيل (رياليست عربي). يستعد الناخبون في جمهورية الكونغو للتوجه إلى صناديق الاقتراع هذا الأسبوع لانتخاب رئيس جديد للبلاد، إلا أن محللين يرون أن النتيجة من غير المرجح أن تهدد قبضة الرئيس المخضرم دينيس ساسو نغيسو على السلطة بعد أكثر من أربعة عقود من الهيمنة على الحياة السياسية في البلاد.
ومن المتوقع على نطاق واسع أن يفوز الرئيس البالغ من العمر 82 عامًا بولاية جديدة في الانتخابات المقررة يوم الأحد، رغم تصاعد الصعوبات الاقتصادية والانتقادات المتعلقة بالحريات السياسية في الدولة الواقعة في وسط أفريقيا.
وتعد جمهورية الكونغو، التي يبلغ عدد سكانها نحو ستة ملايين نسمة، من بين الدول الأكثر تقييدًا سياسيًا في العالم. ووفق تصنيف منظمة «فريدوم هاوس» لا تتجاوز درجة البلاد 17 من أصل 100 في مؤشر الحريات العالمية.
تنظيم الانتخابات وقواعدها
تبدأ عملية التصويت من الساعة السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً بالتوقيت المحلي، ويحق لأكثر من 2.6 مليون ناخب مسجل الإدلاء بأصواتهم. وأعلنت السلطات أنها ستغلق الحدود الوطنية مؤقتًا خلال فترة الاقتراع.
ويتم حسم الانتخابات الرئاسية بالأغلبية المطلقة، مع إمكانية إجراء جولة ثانية بين المرشحين الأكثر حصولًا على الأصوات إذا لم يتجاوز أي منهم نسبة 50%.
وتستمر الولاية الرئاسية خمس سنوات. وكانت القيود الدستورية التي تحدد عدد الولايات بولايتين فقط وتفرض سقفًا عمريًا يبلغ 70 عامًا قد أُلغيت في عام 2015 بعد استفتاء مثير للجدل سمح لساسو نغيسو بالبقاء في السلطة.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة عام 2021 نحو 68% بحسب المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية.
زعيم يحكم منذ عقود
وصل ساسو نغيسو إلى السلطة لأول مرة عام 1979 وحكم البلاد لمدة 12 عامًا في ظل نظام الحزب الواحد قبل أن يفقد نفوذه بعد إدخال التعددية السياسية في أوائل التسعينيات.
لكنه عاد إلى الحكم عام 1997 بعد حرب أهلية، ومنذ ذلك الحين ظل رئيسًا للبلاد، ما يجعله أحد أطول القادة بقاءً في السلطة في أفريقيا.
ويتهم منتقدون حكومته بالإشراف على عقود من الفساد وضعف التنمية رغم الموارد الطبيعية الكبيرة التي تمتلكها البلاد.
ويقول محللون إن هيمنة الحكومة تعززت أيضًا عبر السيطرة على مؤسسات رئيسية مثل القضاء والهيئة الوطنية المشرفة على الانتخابات.
كما ساعدت العلاقات الدولية مع دول مثل الصين وروسيا وفرنسا في الحفاظ على الاستثمارات الأجنبية والدعم الدبلوماسي للحكومة.
وفي الوقت نفسه أثارت تحقيقات دولية بشأن أصول عائلة الرئيس اهتمامًا واسعًا. ففي عام 2022 صادرت السلطات الفرنسية ممتلكات تعود لابنه دينيس كريستل ساسو نغيسو في إطار تحقيقات تتعلق بالفساد.
مرشحون ومعارضة ضعيفة
يتنافس في الانتخابات سبعة مرشحين، إلا أن المعارضة ما تزال منقسمة وضعيفة.
ومن أبرز المنافسين المهندس ميلين ديستون غافيت إيلينغو (35 عامًا)، زعيم الحركة الجمهورية. ويعد أصغر المرشحين سنًا، وقد ركزت حملته على وعود بالشفافية الحكومية واستقلال القضاء والإصلاح الاقتصادي.
ويرى بعض المحللين أنه قد يجذب نسبة ملحوظة من الأصوات ويمثل تحولًا جيلّيًا في السياسة الكونغولية.
ويشارك في السباق أيضًا السياسي المخضرم جوزيف كينغومبي كيا مبونغو والاقتصادي أوفريم داف مافولا، إضافة إلى المرشح المستقل فيفيان رومان مانانغو والمسؤول الجمركي السابق مابيو مافونغو زينغا والمرشح أنغويوس نغانغويا إنغامبي الذي يخوض الانتخابات للمرة الرابعة.
لكن عدة شخصيات بارزة في المعارضة غائبة عن السباق، إذ يقبع بعضها في السجن أو يعيش في المنفى.
فالقائد العسكري السابق جان ماري ميشيل موكوكو، الذي ترشح ضد ساسو نغيسو عام 2016، يقضي حاليًا عقوبة بالسجن لمدة 20 عامًا بتهم تتعلق بالأمن الوطني. كما حُكم على الوزير السابق أندريه أوكومبي ساليسا بالسجن 20 عامًا مع الأشغال الشاقة بعد معارضته للرئيس.
تحديات اقتصادية رغم الثروة النفطية
تعد جمهورية الكونغو ثالث أكبر مصدر للنفط في أفريقيا بإنتاج يتراوح بين 236 ألفًا و252 ألف برميل يوميًا. ويشكل النفط أكثر من 80% من عائدات الصادرات، ما يجعل الاقتصاد شديد الاعتماد على أسعار الطاقة العالمية.
ورغم امتلاك البلاد موارد طبيعية كبيرة تشمل النفط والنحاس والماس، فإنها تحتل المرتبة 171 من أصل 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة.
ويعيش نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يقدر معدل البطالة بنحو 40% خصوصًا بين الشباب.
ويواجه العديد من الخريجين صعوبة في العثور على وظائف ويضطرون غالبًا للعمل في الاقتصاد غير الرسمي.
كما تعاني البلاد من تحديات في البنية التحتية، بما في ذلك عدم استقرار إمدادات الكهرباء وضعف شبكات الطرق خارج المدن الكبرى مثل برازافيل وبوانت نوار.
البيئة والزراعة
إلى جانب النفط تضم البلاد مساحات واسعة من الغابات الاستوائية التي تشكل جزءًا من حوض الكونغو، ثاني أكبر نظام غابات مطيرة في العالم بعد الأمازون.
ويعد متنزه نوابالي-ندوكو الوطني في شمال البلاد، وهو موقع مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، موطنًا لأنواع مهددة بالانقراض مثل أفيال الغابات والغوريلا والشمبانزي.
لكن إزالة الغابات في المنطقة تسارعت خلال السنوات الأخيرة، إذ تضاعف فقدان الغابات في حوض الكونغو تقريبًا بين عامي 2010 و2020 مقارنة بالعقد السابق.
أما الزراعة، التي كانت ركيزة اقتصادية أساسية قبل طفرة النفط في سبعينيات القرن الماضي، فقد تراجعت بشكل كبير. ورغم امتلاك البلاد نحو 10 ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، فإن جزءًا صغيرًا فقط منها يُستغل فعليًا.
وقد تعهدت الحكومة بزيادة إنتاج المحاصيل الأساسية مثل الكسافا والذرة الرفيعة والذرة، إضافة إلى تطوير قطاعي الصيد وتربية الدواجن.
تساؤلات حول المستقبل السياسي
تظل الاحتجاجات السياسية نادرة في الكونغو بسبب القيود الحكومية الصارمة وخطر القمع العنيف للمظاهرات.
ومع توقع فوز ساسو نغيسو بولاية جديدة، يرى محللون أن الاهتمام بدأ يتحول تدريجيًا إلى مسألة الخلافة السياسية.
ومن بين الأسماء المطروحة لخلافته ابنه دينيس كريستل ساسو نغيسو، الذي يشغل حاليًا منصب وزير التعاون الدولي، إضافة إلى ابن شقيقه جان دومينيك أوكيمبا رئيس جهاز الأمن الوطني.
كما يبرز اسم جان جاك بويا، وزير التخطيط والأشغال العامة وأحد أقارب الرئيس.
ويرى محللون أن صراعًا هادئًا حول مستقبل قيادة البلاد قد يكون قد بدأ بالفعل خلف الكواليس بينما يسعى الرئيس المخضرم إلى تمديد حكمه مرة أخرى.






