بروكسل — (رياليست عربي). يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق تقدم ملموس في تقليص العجز التجاري القياسي مع الصين بحلول أكتوبر المقبل، إلا أن موجة الحر غير المسبوقة التي تضرب القارة الأوروبية أدت إلى زيادة كبيرة في الطلب على أجهزة التكييف المصنعة في الصين، في تطور يعكس التحديات التي تواجه بروكسل في إعادة التوازن للعلاقات التجارية مع بكين.

وأصدر الاتحاد الأوروبي والصين بياناً مشتركاً عقب محادثات عُقدت في بروكسل، أكدا فيه عزمهما العمل على معالجة اختلال الميزان التجاري وتحسين فرص الوصول إلى الأسواق، إلى جانب إنشاء مجموعة عمل ثنائية لمراقبة تدفقات التجارة بين الجانبين.

وقال مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش إن الاتحاد يتطلع إلى تحقيق “نتائج ملموسة” بحلول أكتوبر بشأن الخلافات المتعلقة باختلال الميزان التجاري، وضوابط التصدير، وحقوق الملكية الفكرية، مشيراً إلى أن الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي تواصل الارتفاع، في حين تتراجع الحصة السوقية للشركات الأوروبية داخل الصين، وهو وضع وصفه بأنه “غير مستدام”.

وأضاف أن بكين قدمت تطمينات بأن القيود الحالية على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة لن تؤثر في سلاسل الإمداد الأوروبية.

في المقابل، أكدت الصين أنها سترد على أي إجراءات تجارية جديدة تستهدف الحد من فائض الإنتاج الصناعي الصيني إذا رأت أنها تمثل قيوداً غير مبررة على تجارتها.

وتأتي هذه المفاوضات في وقت تشهد فيه أوروبا واحدة من أشد موجات الحر في تاريخها، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على أجهزة التكييف، التي تعتمد الأسواق الأوروبية في معظمها على استيرادها من الشركات الآسيوية، وعلى رأسها الشركات الصينية.

وارتفع العجز التجاري للاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين بنسبة 15% خلال العام الماضي ليصل إلى 360 مليار يورو، بينما بلغ 98 مليار يورو خلال الربع الأول من العام الجاري، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، مع استمرار المعدات الكهربائية والآلات في صدارة الواردات الأوروبية من الصين.

وقال غابرييل ويلداو، المدير التنفيذي في شركة “تينيو” للاستشارات، إن الشعور بالإلحاح داخل أوروبا تجاه تأثير الصناعة الصينية على القطاعات الأوروبية بلغ “نقطة تحول”، مضيفاً أن القيادة الصينية لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية تقلص فائضها التجاري مع الاتحاد الأوروبي.

وفي ظل موجة الحر، أعلنت مجموعة “ميديا” الصينية أن الطلب على جهاز PortaSplit المحمول المخصص للسوق الأوروبية تجاوز 200 ألف وحدة منذ بداية العام، أي ضعف حجم الطلب المسجل خلال عام 2025، فيما أظهرت بيانات متابعة المخزون في ألمانيا نفاد معظم الأجهزة من الأسواق.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نسبة امتلاك أجهزة التكييف في أوروبا لا تتجاوز 20% من المنازل، مقارنة بنحو 90% في الولايات المتحدة، وهو ما يدفع الشركات الآسيوية إلى التوسع بقوة في السوق الأوروبية.

وتستحوذ ثلاث شركات صينية، هي هاير وغري إلكتريك وميديا، على نحو 32% من سوق أجهزة التكييف الأوروبية من حيث حجم المبيعات خلال عام 2025، وفق بيانات “يورومونيتور إنترناشيونال”، بينما تضم قائمة أكبر العلامات التجارية أيضاً شركتي بيكو التركية ودايكين اليابانية، في حين تغيب أي شركة أوروبية عن المراكز الخمسة الأولى.

ويرى محللون أن تصميم أجهزة “ميديا” خصيصاً لتلبية المتطلبات التنظيمية الأوروبية، مثل تركيب الوحدة الخارجية دون الحاجة إلى تعديل واجهات المباني والالتزام بالقيود البيئية الفرنسية، يعكس قدرة الشركات الصينية على التكيف مع خصوصية الأسواق الأوروبية.

وقال ديني ديبو، المدير العالمي في شركة “رولاند بيرغر”، إن نحو نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الصين باتت تتكون من منتجات تكنولوجية، من السيارات إلى المعدات الصناعية المتقدمة، معتبراً أن هذا التحول يمثل تحدياً كبيراً للصناعة الأوروبية وقد يشكل خطراً اقتصادياً على المدى الطويل.

من جانبها، اعتبرت أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين في بنك “ناتيكسيس”، أن الصين لم تقدم التزامات عملية لتقليص فائضها التجاري، مشيرة إلى أن التفاهمات الحالية لا تتجاوز كونها محاولة لاحتواء الإجراءات الحمائية الأوروبية.

وأكدت المفوضية الأوروبية أن “الوضع القائم لم يعد خياراً”، مشيرة إلى أنها ستواصل اتخاذ إجراءات تستهدف القطاعات التي ترى أنها تمثل مخاطر استراتيجية، مثل المعادن النادرة والمواد الكيميائية وصناعة السيارات والآلات الثقيلة، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الاتحاد لا يدرس فرض رسوم جمركية شاملة على جميع الواردات الصينية.

ويرى مراقبون أن المفاوضات الجارية بين بروكسل وبكين ستكون حاسمة لمستقبل العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، في ظل محاولة الاتحاد الأوروبي الموازنة بين حماية صناعاته المحلية والحفاظ على إمدادات السلع والتقنيات التي يعتمد عليها اقتصاده.