ميونيخ — (رياليست عربي). يصل قادة العالم المشاركون هذا الأسبوع في مؤتمر ميونيخ للأمن إلى تحذير واضح: النظام الدولي يمرّ بمرحلة ضغط متزايد، والتحالفات التقليدية باتت أكثر هشاشة، فيما تتسارع التوترات الجيوسياسية على نحو غير مسبوق.
ويُعقد المؤتمر بين 13 و15 فبراير، بمشاركة نحو 65 رئيس دولة وحكومة، إلى جانب قرابة 450 شخصية من عالم السياسة والأوساط الأكاديمية وصناعة الدفاع. وفي مقدمة تقرير ميونيخ للأمن 2026، كتب رئيس المؤتمر فولفغانغ إيشنغر أن «نادراً ما شهد تاريخ المؤتمر الحديث هذا العدد من الأسئلة الجوهرية المطروحة في الوقت نفسه».
ويذهب التقرير إلى أن العالم دخل ما يسميه عصر «سياسات كرة الهدم»، حيث تحلّ التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية الجذرية محل الإصلاحات التدريجية، مع اتجاه متزايد لتحدي الأنظمة القائمة أو السعي لتفكيكها بشكل صريح.
الولايات المتحدة تحتل موقعاً محورياً في التحليل. فالتقرير يصفها بأنها المهندس التاريخي للنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت — وفق التقرير — أحد أبرز محرّكات تحوّله. وبعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيس ذلك النظام، يرى التقرير أنه بات «قيد التفكك»، مع إعادة واشنطن تقييم التزاماتها تجاه المؤسسات الدولية والتجارة القائمة على القواعد والتحالفات التقليدية.
أوروبا تبدو الأكثر تأثراً بهذا التحول. فالدول الأوروبية، التي اعتمدت طويلاً على الضمانات الأمنية الأميركية، تجد نفسها اليوم أمام علاقة عبر أطلسية غير مستقرة، تتأرجح بين «الطمأنة، والاشتراط، والضغط». ويؤكد التقرير أن الدور الأميركي لا يزال حيوياً، لكنه لم يعد مضموناً أو يمكن الركون إليه تلقائياً.
ومن المتوقع أن يشارك في المؤتمر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في حين أُعلن سابقاً عن مشاركة نائب الرئيس جي دي فانس قبل أن تُلغى لاحقاً. وكانت كلمة فانس في دورة العام الماضي، التي وُصفت بأنها «مواجهة مع أوروبا»، قد أثارت انتقادات حادة من قادة أوروبيين.
ويرأس الوفد الألماني المستشار فريدريش ميرتس، مع حضور متوقّع للأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد. وفي المقابل، يرفض مسؤولون أميركيون ما ورد في التقرير من اتهامات بتقويض التحالفات، مؤكدين أن واشنطن تسعى إلى تعزيز «الناتو» مع الضغط على الحلفاء الأوروبيين لرفع إنفاقهم الدفاعي.
ولا يقتصر التقرير على الجوانب الجيوسياسية، بل يشير أيضاً إلى تآكل متزايد في الثقة بالأنظمة السياسية، ولا سيما في الديمقراطيات الغربية. ويرى أن قطاعات واسعة من الناخبين باتت تنظر إلى القادة السياسيين باعتبارهم حماة لوضع قائم غير مستجيب، ما يغذي صعود حركات أكثر راديكالية وصدامية، ويعيد تشكيل المشهد السياسي الداخلي في أوروبا وخارجها.
كما يتناول التقرير الحرب الروسية على أوكرانيا، والتهديدات الهجينة التي تواجه أوروبا، وحالة عدم اليقين المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتزايد الشكوك بشأن الالتزامات الأميركية طويلة الأمد في ظل توسع النفوذ الصيني. وفي الوقت نفسه، يلمح التقرير إلى أن هذا الاضطراب قد يفتح المجال لإصلاحات طال انتظارها، من بينها زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي وبناء شراكات جديدة في مجالات التجارة والأمن والتكنولوجيا.
ويبقى السؤال المفتوح، بحسب التقرير، ما إذا كانت هذه التحولات ستقود في نهاية المطاف إلى نظام دولي أكثر استقراراً، أم إلى عالم أكثر تفككاً تميل كفّته لصالح الدول الأكبر والأقوى، تاركاً الدول الأصغر أكثر عرضة للمخاطر في بيئة دولية شديدة التنافس.






