برلين — (رياليست عربي). قال سفير روسيا لدى ألمانيا سيرغي نيتشايف إن برلين تتبع، وفق تقييم موسكو، مسارا سياسيا يقوم على الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة مع روسيا، في أحدث مؤشر على استمرار تدهور العلاقات بين البلدين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وقال نيتشايف في تصريحات لصحيفة «إزفستيا» إن ألمانيا، رغم نفيها التحول إلى طرف في النزاع الأوكراني، «تسير بكل المؤشرات نحو التحضير لمواجهة عسكرية مع روسيا». وربط ذلك بما وصفه بـ«التسارع في عسكرة البلاد»، وتوسيع الجيش الألماني، وضخ أموال كبيرة من الميزانية والقروض في القطاع العسكري. ونقلت وكالة «تاس» مضمون التصريحات عن الصحيفة الروسية.
وجاءت تصريحات السفير بعد أسابيع من مقابلة مع بوابة NachDenkSeiten الألمانية، قال فيها إن فرص عودة العلاقات الروسية — الألمانية إلى مسار بناء في المستقبل القريب تبدو «وهمية». واعتبر أن برلين، بعد بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، تبنت ما تسميه «نقطة تحول»، أدت من وجهة نظره إلى تفكيك منظومة العلاقات التي بنيت بين موسكو وبرلين على مدى عقود.
في المقابل، تعرض الحكومة الألمانية سياستها بوصفها ردا على الحرب في أوكرانيا وتعزيزا لقدرات الردع الأوروبية. ففي 14 أبريل، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في برلين، رفع العلاقات بين ألمانيا وأوكرانيا إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية». ووقعت الدولتان اتفاقات ثنائية في مجالات الدفاع وإعادة الإعمار، بينها تعاون في تبادل البيانات القتالية الرقمية وتطوير أنظمة تسليح جديدة.
كما شملت التفاهمات الألمانية — الأوكرانية دعما إضافيا في الدفاع الجوي، والأسلحة بعيدة المدى، والطائرات المسيرة، وذخائر المدفعية، بحسب تقارير إعلامية أوروبية. وتقول برلين إن هذا الدعم يهدف إلى تمكين كييف من الدفاع عن نفسها، بينما ترى موسكو أنه يطيل أمد الحرب ويزيد خطر التصعيد المباشر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
وتعكس تصريحات نيتشايف عمق القطيعة بين موسكو وبرلين. فالعلاقات التي كانت تقوم قبل عام 2022 على الطاقة والتجارة والحوار السياسي، تحولت إلى مواجهة دبلوماسية وأمنية. ألمانيا أوقفت معظم مسارات التعاون مع روسيا، ورفعت إنفاقها الدفاعي، ووضعت نفسها في موقع أحد أبرز داعمي أوكرانيا داخل أوروبا.
أهمية التصريحات لا تكمن فقط في حدتها، بل في أنها تقدم القراءة الروسية للتحول الألماني: موسكو لا تنظر إلى إعادة تسليح برلين كإجراء دفاعي أوروبي، بل كجزء من بنية مواجهة غربية طويلة المدى. وهذا يجعل أي خطوة ألمانية جديدة في مجال السلاح أو التدريب أو التمويل العسكري قابلة لأن تقرأ في موسكو كإشارة تصعيد.
تحريريا، تدخل العلاقات الروسية — الألمانية مرحلة يصعب فيها العودة إلى منطق «الشراكة الخاصة» الذي ميز عقود ما بعد الحرب الباردة. برلين ترى أن الأمن الأوروبي لم يعد ممكنا من دون قوة عسكرية أكبر ودعم واسع لكييف، وموسكو ترى في ذلك انتقالا ألمانيا من الحذر التاريخي إلى الاصطفاف العسكري المباشر. بين القراءتين، تضيق مساحة الدبلوماسية، وتتسع مساحة سوء التقدير.






