واشنطن (رياليست عربي). أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين ويليام بولتي مديراً مؤقتاً للاستخبارات الوطنية موجة من الاعتراضات داخل الكونغرس، وسط مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى إفشال اتفاق هش في مجلس الشيوخ يهدف إلى تمديد إحدى أكثر أدوات المراقبة الاستخباراتية إثارة للجدل في الولايات المتحدة.
وبحسب مصادر مطلعة، طلب نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، من زعيم الأغلبية الجمهورية جون ثون التدخل لدى البيت الأبيض لإعادة النظر في التعيين، محذراً من أن الخطوة قد تؤدي إلى انهيار التفاهمات الجارية بشأن تمديد المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA).
وتتيح المادة 702 لوكالة الأمن القومي الأميركية وأجهزة استخبارات أخرى جمع اتصالات الأشخاص غير الأميركيين الموجودين خارج الولايات المتحدة من دون الحصول على أوامر قضائية مسبقة. ورغم تأكيد المؤسسات الأمنية أن هذه الصلاحيات ضرورية لمكافحة الإرهاب والتجسس والتهديدات الخارجية، فإنها تواجه انتقادات مستمرة بسبب احتمال جمع بيانات تخص مواطنين أميركيين بصورة غير مباشرة.
ومن المقرر أن تنتهي صلاحية التمديد الحالي للمادة 702 في 12 يونيو، ما يضع الكونغرس أمام مهلة ضيقة للتوصل إلى اتفاق جديد.
ويُعد وارنر أحد أبرز المفاوضين الديمقراطيين في الملف، وكان قد شارك في التوصل إلى تفاهم مع زعيم الأغلبية جون ثون والسيناتور الديمقراطي رون وايدن يسمح بتمديد مؤقت لمدة 45 يوماً، مقابل التزام الإدارة الأميركية برفع السرية عن رأي قانوني صادر عن محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية، وهو مطلب قديم للمدافعين عن الحريات المدنية.
لكن وايدن اتهم إدارة ترامب الشهر الماضي بعدم تنفيذ هذا الالتزام، ما زاد من التوتر بين الطرفين.
ويواجه الجمهوريون صعوبة في تمرير أي تمديد للمادة 702 من دون دعم الديمقراطيين، إذ من المتوقع أن يعارض عدد من أعضاء الحزب الجمهوري أي اتفاق لا يتضمن إصلاحات إضافية تحد من صلاحيات المراقبة الحكومية.
ويتضمن مشروع التسوية الحالي مجموعة من البنود الهادفة إلى كسب دعم المترددين، من بينها حظر إصدار عملة رقمية للبنك المركزي لمدة ثلاث سنوات، ومنع مكتب التحقيقات الفيدرالي من استخدام المعلومات التي يتم جمعها بموجب المادة 702 لملاحقة مواطنين أميركيين جنائياً.
ومع ذلك، لا يتضمن المشروع شرط الحصول على إذن قضائي قبل البحث في بيانات المواطنين الأميركيين التي جُمعت عبر البرنامج، وهو مطلب رئيسي لمنظمات الدفاع عن الخصوصية.
وأثارت شخصية بولتي نفسها جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية. فالرجل لا يمتلك خلفية معروفة في مجالات الاستخبارات أو الأمن القومي، بينما يشير منتقدوه إلى نشاطه السياسي واستهدافه المتكرر لخصوم ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي شغل سابقاً منصب كبير الجمهوريين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إنه لم يسمع باسم بولتي خلال فترة عمله في اللجنة.
من جانبه، أقر جون ثون بوجود قلق داخل الكونغرس بشأن التعيين، مؤكداً أن الولايات المتحدة «لا تحتاج إلى جهاز استخبارات مسيّس». وأضاف أن أي محاولة لتثبيت بولتي بشكل دائم ستواجه تدقيقاً واسعاً داخل مجلس الشيوخ.
ويأتي الجدل الحالي في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الولايات المتحدة بشأن استخدام أدوات المراقبة الحكومية في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على تحليل كميات ضخمة من البيانات الشخصية.
وتعود جذور المادة 702 إلى عام 2008، عندما تم تقنين أجزاء من برنامج المراقبة السري «ستيلارويند» الذي أُطلق بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. واكتسب البرنامج شهرة عالمية بعد التسريبات التي كشفها المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن عام 2013، والتي أثارت نقاشاً دولياً واسعاً حول التوازن بين الأمن القومي والخصوصية الفردية.
ويرى مراقبون أن مصير المادة 702 خلال الأيام المقبلة لن يحدد فقط مستقبل إحدى أهم أدوات الاستخبارات الأميركية، بل سيعكس أيضاً طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس في قضايا الأمن القومي والرقابة الحكومية.






