بكين — (رياليست عربي). أثارت التحقيقات التي طالت قيادات عسكرية عليا في الصين تساؤلات حول تأثيرها على طموحات بكين العسكرية، في وقت تواصل فيه تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع نفوذها الإقليمي.
وأعلنت وزارة الدفاع الصينية أن الجنرال تشانغ يوشيا، أحد أعلى القادة رتبة في اللجنة العسكرية المركزية، يخضع للتحقيق إلى جانب مسؤولين آخرين بتهم تتعلق بـ«انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون»، وهي صيغة تستخدم عادة للإشارة إلى قضايا فساد أو تجاوزات سياسية داخل المؤسسة العسكرية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن حملة أوسع شهدت خلال الفترة الماضية إقصاء عدد من كبار الضباط. ووفقا لمراقبين، فإن خمسة من أصل ستة جنرالات تم تعيينهم في اللجنة العسكرية المركزية خلال مؤتمر الحزب الشيوعي في عام 2022 جرى عزلهم أو التحقيق معهم، في تطور غير مسبوق في تاريخ الجيش الصيني الحديث.
تعكس هذه الإجراءات توجها واضحا من الرئيس الصيني شي جين بينغ نحو تعزيز السيطرة السياسية على الجيش. فالجيش الصيني، المعروف باسم جيش التحرير الشعبي، لا يعد مؤسسة وطنية مستقلة، بل هو الذراع العسكرية للحزب الشيوعي، ما يجعل الولاء السياسي عنصرا أساسيا في بنيته.
وذكرت صحيفة «جيش التحرير الشعبي اليومية» أن التحقيقات جاءت بسبب «إلحاق ضرر خطير بالوعي السياسي داخل الجيش»، في إشارة إلى أولوية الالتزام الحزبي على الكفاءة العسكرية. ويرى محللون أن التركيز على الولاء يعكس مخاوف القيادة من أي انحراف داخل المؤسسة العسكرية في ظل تصاعد التوترات الدولية.
في المقابل، لا تشير هذه التطورات إلى تراجع الطموحات العسكرية للصين. فقد واصلت بكين خلال العام الماضي توسيع قدراتها الدفاعية، بما في ذلك تطوير برامج طائرات مقاتلة جديدة، وإدخال حاملة طائرات ثالثة إلى الخدمة، وتعزيز استخدام الطائرات المسيرة في العمليات العسكرية.
كما كثفت الصين أنشطتها العسكرية في محيطها الإقليمي، بما في ذلك مناورات بحرية وجوية قرب اليابان، وتحركات بحرية أوسع في المحيطين الهندي والهادئ، ما أثار قلق عدد من الدول، بينها أستراليا وحلفاؤها.
تبقى مسألة تايوان في قلب هذه الحسابات. فقد طلب شي جين بينغ من الجيش تقييم جاهزيته بحلول عام 2027، وهو ما يراه مراقبون موعدا مرجعيا لأي تحرك محتمل. ويعتبر نجاح أو فشل أي عملية عسكرية تتعلق بتايوان اختبارا حاسما للقيادة الصينية.
لكن عمليات التطهير داخل الجيش تطرح مفارقة. فمن جهة، تعزز السيطرة المركزية وتضمن الولاء، ومن جهة أخرى قد تقلل من تنوع الخبرات داخل القيادة العسكرية، خاصة إذا أدت إلى إقصاء ضباط ذوي خبرة طويلة.
أهمية هذه التطورات لا تقتصر على الداخل الصيني، بل تمتد إلى البيئة الاستراتيجية في آسيا. فالدول المجاورة، مثل أستراليا واليابان، تتابع عن كثب تأثير هذه التغييرات على سلوك الجيش الصيني وقدرته على اتخاذ قرارات عسكرية معقدة.
تحريريا، تكشف هذه الأحداث عن وجهين متوازيين للصين: دولة تتقدم بسرعة نحو موقع قوة تكنولوجية وعسكرية كبرى، ونظام سياسي يركز السلطة بشكل متزايد في يد القيادة العليا. هذا التوازن بين القوة والانضباط السياسي قد يمنح بكين قدرة أكبر على التحرك، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حساسية أي قرار استراتيجي كبير، خاصة في قضايا مصيرية مثل تايوان.






