دبي (رياليست عربي). كشفت الحرب الدائرة حول إيران عن مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على مسارات إمداد الطاقة الأحفورية الهشة، في وقت تتزايد فيه الدعوات لتسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة مع امتداد تأثيرات تعطّل مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية.
وأدت العمليات العسكرية إلى تعطيل جزء كبير من حركة النفط والغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية. وقد تسبب ذلك في ارتفاع حاد للأسعار ومخاوف بشأن الإمدادات، خاصة في آسيا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج.
كما تواجه أوروبا وأفريقيا ضغوطًا متزايدة. إذ تدرس حكومات أوروبية إجراءات لخفض الطلب، بينما تستعد دول أفريقية لارتفاع تكاليف الوقود والتضخم نتيجة اعتمادها على واردات النفط في النقل والخدمات اللوجستية.
الطاقة المتجددة تكتسب ميزة اقتصادية
يشير محللون إلى أن الطاقات المتجددة أصبحت، على عكس أزمات سابقة، منافسة من حيث التكلفة. ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، فإن أكثر من 90% من مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة في عام 2024 كانت أرخص من بدائل الوقود الأحفوري، ما يعزز الحجة الاقتصادية لتسريع انتشارها.
ومع ذلك، لا يزال النفط عنصرًا أساسيًا في قطاعات عديدة خارج توليد الكهرباء، مثل الأسمدة والبتروكيماويات والصناعة، ما يعني استمرار تعرض الاقتصاد العالمي لاضطرابات الإمدادات رغم توسع الطاقة النظيفة.
وقال محلل الطاقة جيمس بوين إن هذه الأزمات تمثل «سمة هيكلية» في نظام يعتمد على الوقود الأحفوري، مشيرًا إلى أن المخاطر ستظل قائمة ما لم يتغير نموذج الإمداد.
تفاوت التأثير بين الدول
تختلف تداعيات الأزمة من دولة إلى أخرى. فالصين، أكبر مستهلك للطاقة عالميًا، تمكنت من بناء قاعدة قوية للطاقة المتجددة إلى جانب وارداتها، ما يمنحها قدرة جزئية على امتصاص الصدمات، رغم بقائها أكبر مستورد للنفط الخام.
أما الهند، فقد وسعت قدراتها في الطاقة الشمسية والرياح، لكنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على الفحم والواردات، ما كشف عن نقاط ضعف في مرونة نظامها الطاقي، خصوصًا في قطاعات مثل الأسمدة والسيراميك.
في أوروبا، تعود النقاشات إلى دروس أزمة 2022 المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، حيث ركزت الدول آنذاك على تنويع مصادر الغاز عبر الاستثمار في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، بدل تسريع التحول الطاقي.
وفي آسيا، لا تزال دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود الأحفوري، إلا أن الأزمة الحالية تعزز الاهتمام بالطاقة المحلية المتجددة كأولوية استراتيجية.
الدول النامية الأكثر عرضة
تواجه الدول منخفضة الدخل المخاطر الأكبر، خاصة في أفريقيا وجنوب آسيا. إذ تعاني دول مثل بنغلاديش وزامبيا من ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع الاحتياطيات وزيادة الضغوط التضخمية، ما دفع بعضها إلى إجراءات طارئة مثل تقنين الوقود وقطع الكهرباء.
في المقابل، بدأت تظهر نماذج للمرونة. فقد ساهم التوسع في الطاقة الشمسية في باكستان في تقليل الاعتماد على الواردات، بينما تساعد قدرات فيتنام الشمسية في تخفيف أثر ارتفاع الأسعار.
تشير هذه التطورات إلى تحول في النقاش العالمي حول الطاقة — من انتقال مدفوع بالاعتبارات المناخية إلى انتقال مدفوع باعتبارات الأمن والاستقلال. ويبقى السؤال الأساسي ما إذا كانت الحكومات ستترجم هذه الأزمة إلى استثمارات مستدامة في الطاقة النظيفة، أم ستعود إلى حلول قصيرة الأجل تعتمد على الوقود الأحفوري، ما يبقي النظام عرضة لصدمات مستقبلية.






