لندن (رياليست عربي). تتواصل التداعيات السياسية المرتبطة بنشر ملفات تتصل برجل الأعمال الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، حيث امتد صداها إلى عدة دول، من بينها المملكة المتحدة التي تواجه تدقيقًا متزايدًا بشأن شخصيات وردت أسماؤها في سياقات مختلفة.
في بريطانيا، تركز الاهتمام على شخصيات ارتبطت — بشكل مباشر أو غير مباشر — بإبستين. ولا يزال الأمير أندرو بعيدًا إلى حد كبير عن المهام الملكية العامة منذ الجدل السابق المتعلق بعلاقته بالممول الأمريكي. وفي الآونة الأخيرة، برز اسم بيتر ماندلسون، الوزير العمالي السابق، مجددًا في ظل تدقيق متجدد بشأن علاقات سابقة، فيما سبق له أن نفى ارتكاب أي مخالفات.
وأثار الجدل نقاشًا سياسيًا أوسع داخل حزب العمال بزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر. ويرى منتقدون أن تراكم القضايا المرتبطة بالسمعة، إلى جانب التوترات المتعلقة بالسياسات الداخلية، زاد من الضغوط على الحكومة، رغم عدم وجود مؤشرات على أن ملفات إبستين وحدها كانت السبب المباشر في الصعوبات السياسية الراهنة.
وكان ستارمر قد حقق أغلبية برلمانية قوية في انتخابات عام 2024، إلا أن معدلات التأييد لحكومته شهدت تراجعًا خلال الأشهر الأخيرة في ظل تحديات اقتصادية وقرارات سياسية مثيرة للجدل. وتركزت حالة الاستياء الشعبي أساسًا حول أزمة كلفة المعيشة والإجراءات المالية التي قدمتها وزيرة الخزانة راشيل ريفز، والتي استدعى بعضها تعديلات جزئية بعد موجة انتقادات.
داخل حزب العمال، أصبحت التحركات الداخلية أكثر وضوحًا. فقد تبنت نائبة زعيم الحزب أنجيلا راينر وعمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام مواقف سياسية أكثر تميزًا، فيما استعاد بعض المقربين من الزعيم السابق جيريمي كوربين حضورًا علنيًا بعد سنوات من التهميش.
وخارج الحزب، شهد المشهد السياسي على اليسار تحولات ملحوظة. فقد سعى حزب الخضر في إنجلترا وويلز، بقيادة زاك بولانسكي، إلى تقديم نفسه كبديل أكثر راديكالية لحزب العمال في ملفات مثل المناخ والسياسة الخارجية. كما حقق مرشحون مستقلون مؤيدون لغزة وناشطون يساريون مكاسب محلية في بعض الدوائر الانتخابية.
ويرى محللون أن المشهد السياسي البريطاني لا يزال في حالة سيولة. فبينما زادت ملفات إبستين من التدقيق في شبكات النخبة ومسألة المساءلة المؤسسية، تبقى المخاوف الاقتصادية والاجتماعية المحرك الأساسي لتوجهات الناخبين. ومن المرجح أن يعتمد استقرار قيادة ستارمر على قدرته على استعادة الثقة العامة في ملفات التضخم وإصلاح نظام الرعاية والسياسة الخارجية، أكثر من اعتماده على العناوين المرتبطة بالفضائح.
وتعكس هذه التطورات نمطًا أوسع في الديمقراطيات الغربية، حيث تظل الثقة في المؤسسات السياسية هشة، ويمكن لأي جدل يتعلق بشخصيات بارزة أن يضخم حالة الاستياء الكامنة. أما ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى إعادة اصطفاف دائمة في السياسة البريطانية، فسيظل رهينًا بتطورات المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الضغوط على الأحزاب التقليدية من اليسار واليمين على حد سواء.






