واشنطن – (رياليست عربي). كشف البيت الأبيض يوم الجمعة عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة (NSS)، وهي وثيقة من 33 صفحة تدعو صراحة إلى “زرع المقاومة” داخل أوروبا، متهمةً القارة بـ“تآكل الديمقراطية” وعرقلة جهود السلام في أوكرانيا، ومواجهة خطر “الاندثار الحضاري” بسبب الهجرة الواسعة وتراجع معدلات الولادة.
الاستراتيجية، وهي الأولى في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، تمثل واحداً من أكبر التحولات في السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقود، إذ تنتقد بحدّة الحكومات الأوروبية على خلفية “إفشال” محاولات واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وتزعم أن “غالبية أوروبية كبيرة” تريد السلام.
ونُشرت الوثيقة في الساعات الأولى من صباح الجمعة من دون أي إعلان مسبق، ما أثار قلق حلفاء الولايات المتحدة الذين يخشون أن يقود توجه ترامب لإنهاء الحرب إلى موقف أكثر ليونة تجاه روسيا.
قطيعة واضحة مع عقيدة بايدن
على عكس استراتيجية الرئيس السابق جو بايدن التي ركزت على منافسة الصين وروسيا، تقلل وثيقة ترامب من شأن التهديدين معاً، وتصف الصين بأنها منافس اقتصادي بالأساس، فيما تحتل سيطرة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي المرتبة الأولى في سلم الأولويات.
الخبير الأمريكي توم رايت قال إن الوثيقة “خارطة طريق لنظام عالمي غير ليبرالي”، مضيفاً أنها “تتخلى عن فرضية التنافس مع القوى الكبرى، وتتجاهل التهديد الروسي تقريباً، وتركز بدلاً من ذلك على مهاجمة الحلفاء الأوروبيين.”
أوروبا: تراجع ديموغرافي واقتصادي
الوثيقة تصف أوروبا بأنها تعيش “تدهوراً اقتصادياً وديموغرافياً عميقاً” قد يقود إلى “اندثار حضاري”. كما تتهم الاتحاد الأوروبي بإضعاف “السيادة والحرية السياسية”، وتدعو واشنطن إلى “زرع المقاومة لمسار أوروبا الحالي” وتشيد بصعود “الأحزاب الأوروبية الوطنية”.
وتحذر من أن بعض دول الناتو قد تصبح “غير أوروبية في أغلبيتها السكانية” بسبب الهجرة، ما قد يغيّر رؤيتها للتحالف مع الولايات المتحدة.
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول رفض الوثيقة، قائلاً إن “أوروبا لا تحتاج نصائح خارجية”.
أوكرانيا وروسيا: إعادة تعريف الأولويات
الاستراتيجية تدعو إلى “وقف سريع للقتال” في أوكرانيا بهدف استقرار الاقتصاد الأوروبي ومنع التصعيد مع روسيا. ولا تذكر روسيا كتهديد، في خطوة تمثل تحولاً جذرياً عن الاستراتيجيات الأمريكية السابقة.
أما الصين، فورد ذكرها فقط كمنافس اقتصادي، مع غياب الإشارات المباشرة إلى الدفاع عن تايوان — وهو ما يقرأه خبراء كمسعى لتجنب تعطيل المحادثات التجارية مع بكين.
وفي الشرق الأوسط، تعلن الاستراتيجية خفض الأولوية، والدعوة إلى “قبول القادة الإقليميين كما هم”، في إشارة إلى إنهاء سياسات “نشر الديمقراطية”.
نصف الكرة الغربي في صدارة الاهتمام
الوثيقة تعيد تفسير مبدأ مونرو، مؤكدة أن نصف الكرة الغربي هو مسرح الاهتمام الاستراتيجي المركزي. وتدعو إلى تحويل الموارد العسكرية بعيداً عن مناطق “تراجعت أهميتها النسبية” نحو التهديدات العاجلة في الأمريكتين.
ويظهر هذا التوجه في الكاريبي، حيث تنشر الولايات المتحدة اليوم أكبر قوة لها في المنطقة منذ سنوات — أكثر من 14 ألف جندي وعشرات السفن — مع تنفيذ 22 ضربة ضد قوارب يُزعم أنها تهرّب المخدرات، وطرح احتمال عمليات عسكرية داخل فنزويلا.
تداعيات عميقة على العلاقات عبر الأطلسي
الوثيقة ترسم رؤية ترى أن أوروبا ليست شريكاً بل مشكلة استراتيجية، وأن روسيا ليست عدواً مركزياً، وأن الصين منافس يمكن احتواؤه اقتصادياً.
بالنسبة لحلفاء واشنطن — وخاصة الأوروبيين — تؤكد الاستراتيجية مخاوفهم بأن الأولويات الأمريكية يعاد ترتيبها جذرياً، بطريقة قد تغيّر بنية الأمن العالمي لسنوات طويلة.





