Site icon Realist Arabic: أخبار وتحليلات

تركيا قبيل قمة الناتو: حملة على المعارضة وصمت غربي متواصل

أَنْقَرة — (رياليست عربي). حلفاء الناتو الغربيون، قبيل قمة الحلف المقررة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، يمتنعون عن توجيه انتقادات علنية إلى تركيا، ويتغاضون عن التراجع المنهجي في المسار الديمقراطي، وقمع المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة.

وخلال السنوات الخمس التي أعقبت الأزمة الدبلوماسية عام 2021، عندما دعا عشرة سفراء غربيين إلى الإفراج عن السجين السياسي عثمان كافالا، غيّر الغرب نهجه بصورة جذرية.

فبدلاً من الانتقاد، اتجه إلى تعزيز التعاون الأمني والدفاعي مع قوة عسكرية إقليمية ومصدّر رئيسي للأسلحة.

الصمت الغربي: الأمن يتقدم على الديمقراطية

لا يعتزم قادة الدول الاثنتين والثلاثين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، خلال القمة المرتقبة، مناقشة ما تصفه المعارضة بأنه حملة قضائية غير مسبوقة ضد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بما في ذلك اعتقال مرشحه للرئاسة ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

ويرى منتقدو الرئيس رجب طيب أردوغان أن الصمت الغربي يشجع تركيا على مواصلة الانزلاق نحو السلطوية، ويزيد من عزلة المعارضة، ويتجاهل المبادئ الأساسية لحلف شمال الأطلسي، وفي مقدمتها الديمقراطية وسيادة القانون.

وقال السفير الأميركي السابق لدى أنقرة ديفيد ساترفيلد: «لا يزال من المهم أن يواصل الغرب التعليق على تدهور المؤسسات الديمقراطية في تركيا، لأن المسار الحالي لم يصبح بعد أمراً لا رجعة فيه».

إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتجنب الخوض في قضايا الديمقراطية، بينما ركز الاتحاد الأوروبي على الشراكة الاستراتيجية مع أنقرة.

ويشير خبراء إلى أن هذا الموقف «طبيعي» بالنسبة لترامب، الذي لا يولي اهتماماً كبيراً بقضايا حقوق الإنسان على المستوى العالمي، إلا أن الأوروبيين أيضاً باتوا يسعون إلى إقامة علاقات عملية مع تركيا، مع اعتبار قضايا حقوق الإنسان عقبة أمام هذا المسار.

حملة اعتقالات قبل القمة ورفض اعتماد صحفيين

قبيل انعقاد القمة، نفذت السلطات التركية حملة اعتقالات واسعة شملت 225 شخصاً، بينهم أكاديميون ومعلمون وناشطون.

ومن بين المعتقلين ناشط بيئي يبلغ من العمر 79 عاماً.

كما فرضت السلطات حظراً على التجمعات العامة والمؤتمرات الصحفية وتعليق الملصقات في العاصمة أنقرة، ونشرت نحو 40 ألف عنصر من الشرطة لتأمين المدينة.

وفي الوقت نفسه، رفضت السلطات منح الاعتماد الإعلامي لعشرات الصحفيين العاملين في وسائل إعلام تركية مستقلة ومعارضة، من بينها جمهوريت، سوزجو، بيرغون، أنكا، تي 24، ميدياسكوب، وهالك تي في.

وقال حلف شمال الأطلسي إنه يعتمد على تقييم الدولة المضيفة فيما يتعلق باعتماد الصحفيين، في حين اتهمت منظمات حقوقية الحلف بالتنصل من مسؤوليته.

ودعا المعهد الدولي للصحافة، بالتعاون مع أربع عشرة منظمة حقوقية، الحلف إلى إعادة النظر في قرارات الاعتماد.

واعترف أحد دبلوماسيي الحلف بأن «القمة لا ينبغي أن تستخدم ذريعة للقمع»، مضيفاً أن الحلف «يراقب هذه التطورات عن كثب».

إصلاح دستوري يمهد لـ«الرئاسة التنفيذية الكاملة»

وافقت لجنة برلمانية على مشروع تعديل دستوري يشمل 21 مادة، ويهدف إلى تحويل منصب رئيس الجمهورية، الذي يتمتع حالياً بصلاحيات محدودة نسبياً، إلى منصب يتمتع بكامل السلطات التنفيذية.

ويحذر معارضو المشروع من أنه قد يقود إلى حكم الفرد.

وكان أردوغان قد استشهد في وقت سابق بتجربة ألمانيا في عهد هتلر للدفاع عن مشروعه الرامي إلى توسيع صلاحيات الرئيس، في إطار نموذج وصفه بـ«الرئاسة التنفيذية» المستوحاة من النظام الأميركي.

وتتضمن التعديلات المقترحة أيضاً إلغاء منصب رئيس الوزراء، وخفض الحد الأدنى لعمر الترشح للبرلمان من 25 عاماً إلى 18 عاماً، وزيادة عدد أعضاء البرلمان من 550 إلى 600 نائب.

المعارضة: أوروبا تضحي بالديمقراطية من أجل الأمن

أكد حزب الشعب الجمهوري أن الغرب «لا يرد على حملات القمع»، معتبراً أنه يضحي بالديمقراطية مقابل التعاون الأمني مع أنقرة.

ودعا نائب رئيس الحزب السابق إلهان أوزغل إلى فرض عزلة دبلوماسية على أردوغان، قائلاً: «يجب أن يقال لأردوغان إنه يدمر الديمقراطية».

وفي مايو 2026، ألغت محكمة استئناف في أنقرة نتائج مؤتمر الحزب الذي عقد عام 2023، والذي انتُخب خلاله أوزغور أوزيل رئيساً للحزب، وأعادت القيادة السابقة إلى مواقعها، وهو ما تصفه المعارضة بمحاولة لتحييد أكبر أحزاب المعارضة في البلاد.

من جانبه، اعتبر رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش أن القرار يستهدف «تدمير» حزب الشعب الجمهوري.

ويجد الحلفاء الغربيون أنفسهم أمام معضلة متزايدة؛ فمن جهة، تعد تركيا شريكاً محورياً في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وتؤدي دوراً مهماً في ردع روسيا وإدارة ملف الهجرة وتعزيز الأمن الإقليمي.

ومن جهة أخرى، يثير التراجع المستمر في الديمقراطية، وقمع المعارضة ووسائل الإعلام، مخاوف متزايدة لدى العواصم الغربية.

ولخص عضو البرلمان الأوروبي ناتشو سانشيز أمور هذا التناقض بقوله: «عندما تستضيف حكومة سلطوية قمة دولية، تكون النتيجة قرارات تعسفية بشأن اعتماد وسائل الإعلام وأكثر من مئتي معتقل في إطار عمليات توصف بأنها وقائية».

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان حلف شمال الأطلسي قادراً على الحفاظ على صورته باعتباره «تحالفاً قائماً على القيم الديمقراطية المشتركة»، إذا استمر في غض الطرف بصورة منهجية عن انتهاك تلك القيم.

Exit mobile version