وارسو — (رياليست عربي) أثار قرار الرئيس البولندي كارول ناوروكي سحب وسام «النسر الأبيض»، أعلى وسام رسمي في بولندا، من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موجة من الجدل السياسي والدبلوماسي بين وارسو وكييف، وسط تحذيرات من تأثير الخطوة على العلاقات الثنائية بين البلدين.
وأعلن ناوروكي أن قراره جاء رداً على تسمية إحدى الوحدات العسكرية الأوكرانية باسم «أبطال جيش التمرد الأوكراني» (UPA)، وهي منظمة تاريخية لا تزال تمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في الذاكرة الجماعية البولندية بسبب أحداث الحرب العالمية الثانية.
وأكد الرئيس البولندي في بيان مصور أن القرار لا يستهدف الشعب الأوكراني ولا يعكس تغييراً في سياسة بولندا الداعمة لأوكرانيا في حربها مع روسيا، مشدداً على استمرار التعاون الأمني والاستراتيجي بين البلدين.
وقال إن العلاقات البولندية الأوكرانية تتأثر بما وصفه بـ«ذاكرة مثقلة بالجرائم»، معتبراً أن سحب الوسام لا يحمل طابعاً رمزياً فقط، بل يمثل أيضاً «إشارة تحذير» بشأن حدود لا ينبغي تجاوزها في العلاقات الثنائية.
وأثار القرار ردود فعل غاضبة في كييف. ووصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها الخطوة بأنها «خطأ استراتيجي» لن يستفيد منه سوى روسيا، معلناً إعادة وسام الاستحقاق البولندي الذي حصل عليه عام 2022.
كما أعلن رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية كيريلو بودانوف والسفير الأوكراني لدى بولندا فاسيل بودنار تخليهما عن الأوسمة البولندية التي حصلا عليها سابقاً.
وقال بودانوف إن القرار يمثل «بادرة غير ودية تجاه الأمة الأوكرانية»، معتبراً أنه سيُستخدم من قبل موسكو ضد كل من بولندا وأوكرانيا.
من جانبه، أعرب بودنار عن رفضه للقرار، مؤكداً أن زيلينسكي يُعد من وجهة نظره صديقاً لبولندا وقائداً لدولة تدافع عن نفسها وعن الأمن الأوروبي في مواجهة الحرب.
وفي المقابل، حذر رئيس البرلمان الأوكراني رسلان ستيفانتشوك من أن القرار قد يؤثر سلباً في مستوى التعاون بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
أما في بولندا، فقد دعا رئيس الوزراء دونالد توسك إلى تهدئة التوتر، مؤكداً أن أي خلاف بين وارسو وكييف يصب في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويثير قلق حلفاء البلدين.
وقال توسك إن مهمة الرئيسين زيلينسكي وناوروكي يجب أن تتمثل في خفض مستوى التوتر وليس تصعيده، مشيراً إلى أن التحديات الأمنية المشتركة تتطلب الحفاظ على قنوات التعاون القائمة.
ويعود أصل الخلاف إلى قرار اتخذته الرئاسة الأوكرانية في مايو الماضي بإطلاق اسم «أبطال جيش التمرد الأوكراني» على إحدى الوحدات العسكرية. وقد أثار القرار انتقادات واسعة داخل بولندا، بما في ذلك من الحكومة ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع.
وتعد منظمة القوميين الأوكرانيين (OUN) وجيش التمرد الأوكراني (UPA) من أكثر الملفات التاريخية إثارة للخلاف بين البلدين. ففي حين تعتبر بولندا أحداث فولين عام 1943 عمليات إبادة جماعية استهدفت السكان البولنديين، تميل الرواية الأوكرانية إلى اعتبارها جزءاً من صراع مسلح معقد تتحمل أطراف متعددة مسؤولية وقوعه.
وفي الذاكرة التاريخية الأوكرانية، يُنظر إلى منظمة القوميين الأوكرانيين وجيش التمرد الأوكراني أيضاً بوصفهما حركتين قاومتا الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، وليس فقط من خلال علاقتهما بالصراع البولندي الأوكراني.
وكان زيلينسكي قد حصل على وسام «النسر الأبيض» في أبريل 2023 من الرئيس البولندي السابق أندجي دودا تقديراً لدوره في تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون في مجالات الأمن والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
ووفقاً للقانون البولندي، يحق للرئيس سحب الأوسمة الرسمية بعد التشاور مع الهيئة المختصة إذا تبين أن منح الوسام تم بناء على معلومات مضللة أو إذا ارتكب الحاصل عليه أفعالاً تجعله غير جدير بالاحتفاظ به.
وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة انقساماً داخل المجتمع البولندي بشأن القضية، إذ أيد أكثر من نصف المشاركين في أحد الاستطلاعات سحب الوسام من زيلينسكي، بينما عارض أكثر من ثلث المستطلعين هذه الخطوة.
ويأتي الجدل في وقت تواصل فيه بولندا لعب دور محوري في دعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً، ما يجعل إدارة الخلافات التاريخية والسياسية بين البلدين تحدياً متزايداً أمام قيادتيهما.







