موسكو (رياليست عربي). في ظل تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الحفاظ على توازن دقيق: تقديم دعم سياسي محدود لطهران، مع تجنب الانجرار إلى صراع أوسع في الشرق الأوسط قد يشتت أولويات موسكو الاستراتيجية.
ويرى مراقبون أن بقاء روسيا على هامش المواجهة تحكمه اعتبارات عملية وسياسية. فالموارد العسكرية والمالية الروسية لا تزال مركزة بدرجة كبيرة على الحرب في أوكرانيا، فيما تفرض الضغوط الداخلية — بما في ذلك استحقاقات انتخابية لاحقًا هذا العام — قيودًا على الانخراط في التزامات خارجية مكلفة.
وتحافظ موسكو على قنوات تواصل مع كل من طهران وتل أبيب، غير أن هذا الانخراط المزدوج لا يمنحها نفوذًا حاسمًا. ففي عام 2025، وقعت روسيا وإيران اتفاق شراكة استراتيجية لم يتضمن ضمانات دفاع مشترك. وكشفت المواجهة القصيرة بين إسرائيل وإيران العام الماضي حدود هذه العلاقة، إذ امتنعت موسكو عن التدخل المباشر.
كما تطور الوزن العسكري لإيران في الحسابات الروسية. فبينما زودت طهران موسكو بتكنولوجيا الطائرات المسيّرة في المراحل الأولى من الحرب في أوكرانيا، تمكنت روسيا لاحقًا من توطين إنتاج أنظمة مماثلة. وعلى خلاف كوريا الشمالية، لم تقدم إيران دعمًا بشريًا للمجهود الحربي الروسي، ما قلص أهميتها العملياتية بالنسبة للكرملين.
أما العلاقة مع إسرائيل، فتظل براغماتية ومحدودة النطاق، وتركز أساسًا على آليات منع الاحتكاك في سوريا بدلًا من تحالف سياسي أوسع. وقد اتبعت تل أبيب موقفًا حذرًا إزاء الحرب في أوكرانيا، متجنبة تقديم دعم عسكري مباشر لكييف، دون أن يتحول ذلك إلى شراكة رسمية مع موسكو.
وعندما اندلع القتال في 7 أكتوبر الماضي، عرضت روسيا التوسط بين إسرائيل وحركة «حماس»، لكن المبادرة لم تلقَ صدى يُذكر. ويشير مراقبون إلى أن موسكو تفتقر إلى نفوذ مباشر على «حماس» أو سجل ناجح في الوساطة ضمن النزاع الإسرائيلي–الفلسطيني.
ومع تجدد التوتر في الأسابيع الأخيرة، عاد الكرملين إلى نمط مألوف: استضافة لقاءات رفيعة المستوى، إصدار بيانات متوازنة، وعرض الوساطة دون تقديم التزامات ملموسة. وأكد وزير الخارجية سيرغي لافروف استمرار العلاقات مع إيران، لكنه تجنب الإشارة إلى دعم عسكري مباشر.
ويستند هذا الحذر إلى عدة عوامل. أولًا، تظل العلاقة مع الولايات المتحدة أولوية استراتيجية أعلى. ومع استمرار محادثات دبلوماسية غير معلنة حول أوكرانيا، لا يبدو أن موسكو مستعدة للمخاطرة بإمكانية الانخراط مع واشنطن عبر الانحياز في نزاع متقلب بالشرق الأوسط.
ثانيًا، فإن احتمال حدوث اضطراب سياسي أو تغيير في إيران يدفع الكرملين إلى تبني نهج الانتظار والترقب، وهو أسلوب اتبعته موسكو سابقًا في أزمات قيادية لدى شركائها، كما في سوريا وبيلاروسيا، للحفاظ على مرونة التحرك أياً كانت النتائج.
ثالثًا، رغم أن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد يشتت انتباه الغرب عن أوكرانيا، فإن روسيا معنية أيضًا ببقاء إيران مستقرة. كما أن تقديم نفسها كطرف متزن وعقلاني — خاصة مقارنة بخطابها تجاه كييف — يخدم رسائلها الدبلوماسية الموجهة إلى الجمهور الغربي.
وتلعب العوامل الداخلية دورًا إضافيًا، إذ غادر المبعوث الروسي المخضرم إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف منصبه العام الماضي، ما أفقد موسكو خبرة دبلوماسية متراكمة في الملف الإقليمي، وسيستغرق تعويضها وقتًا.
في المحصلة، يعكس الانخراط الروسي المحدود تسلسل أولويات واضحًا: حتى في حال تصاعد التوتر الإقليمي، تبدو موسكو عازمة على تجنب التورط المباشر، مع بقاء الحرب في أوكرانيا محور تركيز مواردها العسكرية والسياسية.
ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية وسعي حزب «روسيا الموحدة» إلى تعزيز خطاب الاستقرار والنجاح، لا يُتوقع أن يخاطر الكرملين بفتح جبهة خارجية جديدة. فالحفاظ على حضور مؤثر في الشرق الأوسط يظل مهمًا لبوتين، لكن ليس على حساب القدرة الاستراتيجية المخصصة لملفات أكثر إلحاحًا.






