ندن — (رياليست عربي) أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته من رئاسة الحكومة وقيادة حزب العمال، في خطوة تفتح الباب أمام بريطانيا لاختيار سابع رئيس للوزراء خلال عقد واحد، في استمرار لحالة عدم الاستقرار السياسي التي بدأت مع استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016.
وجاء إعلان ستارمر بعد أشهر من الضغوط المتزايدة داخل حزب العمال وتراجع شعبيته، ليشكل أحدث حلقة في سلسلة من التغييرات السياسية التي شهدتها المملكة المتحدة منذ التصويت على «بريكست».
من استفتاء بريكست إلى أزمة قيادة جديدة
بدأت الأزمة السياسية الحالية في يونيو 2016 عندما صوّت البريطانيون بنسبة 52% مقابل 48% لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، ما دفع رئيس الوزراء المحافظ آنذاك ديفيد كاميرون إلى الاستقالة.
وخلفته تيريزا ماي التي حاولت تنفيذ عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنها واجهت انقسامات داخل البرلمان وحزبها، ما أدى إلى استقالتها في عام 2019.
وتولى بوريس جونسون السلطة بعد ذلك، مستفيداً من تعهداته بإتمام عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقاد المحافظين إلى فوز انتخابي كاسح في نهاية عام 2019، قبل أن تغادر بريطانيا رسمياً الاتحاد الأوروبي في يناير 2020.
لكن سلسلة من الفضائح السياسية والخلافات الداخلية أطاحت بجونسون في عام 2022، لتخلفه ليز تراس التي لم تستمر سوى 44 يوماً في المنصب بعد أزمة مالية أثارت اضطرابات واسعة في الأسواق.
وجاء ريشي سوناك بعد ذلك بهدف استعادة الاستقرار، إلا أن حكومته واجهت تحديات اقتصادية متزايدة وتراجعاً في شعبية المحافظين.
صعود العمال وسقوط ستارمر
في يوليو 2024، قاد كير ستارمر حزب العمال إلى فوز انتخابي كبير أنهى سنوات من حكم المحافظين، متعهداً بإنهاء الفوضى السياسية وإعادة الاستقرار إلى البلاد.
لكن حكومته واجهت منذ أشهرها الأولى تحديات اقتصادية كبيرة، إذ حذر ستارمر في أغسطس 2024 من أن الوضع المالي للدولة أسوأ مما كان متوقعاً، قائلاً إن الأمور قد تزداد صعوبة قبل أن تتحسن.
وفي أكتوبر من العام نفسه، أعلنت الحكومة أول موازنة لحزب العمال، متضمنة زيادات ضريبية واسعة أثارت انتقادات من قطاع الأعمال وأوساط اقتصادية مختلفة.
تصاعد الضغوط داخل الحزب
خلال عامي 2025 و2026، واجه ستارمر سلسلة من الأزمات السياسية داخل حزبه.
ففي يونيو 2025 اضطر إلى التراجع عن خطط لتقليص الإنفاق على الرعاية الاجتماعية بعد تمرد عدد من نواب حزب العمال.
كما تعرض لضغوط إضافية بسبب الجدل المرتبط بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، قبل أن تنتهي القضية بإقالة الأخير وسط انتقادات لطريقة إدارة الملف.
وفي مايو 2026 تكبد حزب العمال خسائر كبيرة في الانتخابات المحلية في إنجلترا وويلز واسكتلندا، بينما واصل حزب «ريفورم يو كيه» اليميني بقيادة نايجل فاراج تحقيق مكاسب في استطلاعات الرأي.
استقالات حكومية وتحديات داخلية
شهدت الأشهر الأخيرة استقالة عدد من الشخصيات البارزة في حكومة ستارمر، من بينها وزير الصحة ويس ستريتينغ الذي أعلن فقدانه الثقة بقيادة رئيس الوزراء ودعا إلى إجراء انتخابات داخلية لاختيار زعيم جديد للحزب.
كما استقال وزير الدفاع جون هيلي في يونيو 2026 بعد خلافات طويلة بشأن الإنفاق العسكري، متهماً الحكومة بعدم توفير الموارد اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
منافسون جدد على قيادة العمال
وازداد الضغط على ستارمر بعد فوز عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام في انتخابات مهمة شمال إنجلترا، ما عزز موقعه السياسي وأتاح له العودة إلى البرلمان، الأمر الذي اعتبره مراقبون تمهيداً محتملاً لخوض سباق قيادة حزب العمال.
ويُنظر إلى بورنهام باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر، خصوصاً بعد نجاحه في مواجهة حزب «ريفورم يو كيه» في معاقل انتخابية حساسة.
عقد من عدم الاستقرار
وتعكس استقالة ستارمر استمرار حالة التقلب السياسي التي تعيشها بريطانيا منذ استفتاء بريكست، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد البريطاني يواجه تحديات تتعلق بضعف النمو وارتفاع الدين العام وتزايد الإنفاق الاجتماعي.
ويرى محللون أن اختيار القيادة المقبلة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت بريطانيا ستتمكن من استعادة قدر أكبر من الاستقرار السياسي، أو أنها ستدخل مرحلة جديدة من الصراع الحزبي وعدم اليقين في ظل بيئة دولية متغيرة وتحديات اقتصادية متزايدة.
