لندن — (رياليست عربي). تتراجع ثقة قطاع الشحن العالمي في قدرة الوقود الأخضر على التحول سريعاً إلى بديل تجاري واسع النطاق، في وقت يواصل فيه معظم ملاك السفن الاعتماد على الوقود البحري التقليدي أو دراسة بدائل أخرى، من بينها الطاقة النووية.
وأظهر أحدث مسح سنوي للغرفة الدولية للشحن أن ثقة مسؤولي القطاع في تحول الأمونيا إلى وقود قابل للاستخدام التجاري خلال العقد المقبل هبطت من 31% العام الماضي إلى 12% هذا العام، بينما تراجعت الثقة في الهيدروجين من 18% إلى 10%. في المقابل، ارتفعت الثقة في زيوت الوقود التقليدية بوصفها الخيار الأكثر قابلية للتطبيق من 41% إلى 50%، رغم اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن حرب إيران.
ويعكس هذا التحول أولوية الكلفة وتوافر الإمدادات على حساب أهداف خفض الانبعاثات، إذ تواجه شركات الشحن صعوبة في إقناع مالكي البضائع بدفع علاوة سعرية مقابل النقل منخفض الكربون. ويشكل الشحن البحري نحو 3% من الانبعاثات العالمية، ما يجعل مسار التحول في هذا القطاع جزءاً مهماً من جهود المناخ الدولية.
وتقول الغرفة الدولية للشحن إن القطاع بات يميل إلى حلول تستند إلى بنية تحتية قائمة، مثل الغاز الطبيعي المسال والوقود الحيوي، بدلاً من الرهان الكامل على أنواع وقود ناشئة لا تزال تواجه تحديات في الكلفة والسلامة وسلاسل التوريد.
ويأتي التراجع في الثقة بالتزامن مع تعثر المفاوضات داخل المنظمة البحرية الدولية بشأن إطار خفض الانبعاثات إلى صافي الصفر بحلول عام 2050. وكانت المنظمة قد أقرت مسودة إطار يجمع بين معايير إلزامية لكثافة الانبعاثات وتسعير عالمي للكربون في الشحن، لكن الولايات المتحدة رفضت الخطة في 2025، قبل تأجيل اعتمادها لمدة عام، ما زاد حالة عدم اليقين التنظيمي في القطاع.
وفي ظل غياب مسار واضح، يتجه عدد متزايد من الشركات إلى طلب سفن مزدوجة الوقود يمكنها العمل بالوقود التقليدي وبأنواع أنظف عند توفرها. كما عادت بعض الشركات، خصوصاً في اليونان، إلى طلب سفن تعمل بالوقود الأحفوري، مع التركيز على تحسين الكفاءة وخفض الاستهلاك.
وفي المقابل، لا تزال بعض الشركات تراهن على الوقود الأخضر. فقد استثمرت شركة سي إم بي تك في محطة للأمونيا في ناميبيا، وتبني سفناً عاملة بالأمونيا، بينما واصلت شركات مثل ميرسك تطوير سفن تعمل بالميثانول، مع توسيع طلباتها لاحقاً لتشمل الغاز الطبيعي المسال. كما ظهرت تجارب على احتجاز الكربون من السفن، إضافة إلى توسع محدود في استخدام الأشرعة الحديثة، بعدما تجاوز عدد سفن الشحن المزودة بمساعدة الرياح عالمياً عتبة 100 سفينة.
وتزايد أيضاً الاهتمام بالدفع النووي، وهي تقنية مستخدمة منذ عقود في الغواصات العسكرية وبعض كاسحات الجليد الروسية، لكنها لا تزال نادرة في الشحن التجاري. ويرى مؤيدوها أنها قد تسمح للسفن بالعمل سنوات طويلة من دون التزود بالوقود، غير أن الكلفة، ومعايير السلامة، والحصول على موافقات الموانئ، تبقى عقبات كبيرة أمام اعتمادها قبل ثلاثينيات القرن الحالي.
وتكشف هذه التطورات أن إزالة الكربون من قطاع الشحن لم تتوقف، لكنها أصبحت أكثر تشتتاً وأقل يقيناً. فالقطاع لا يواجه نقصاً في التقنيات بقدر ما يواجه سؤالاً اقتصادياً وتنظيمياً أساسياً: من سيدفع كلفة التحول، وكيف ستتوفر كميات كافية من الوقود النظيف لسفن تعمل لعشرين أو خمسة وعشرين عاماً؟
