لندن — (رياليست عربي) تواجه استراتيجية الحكومة البريطانية لتطوير صناعة احتجاز الكربون وتخزينه تحديات متزايدة، في وقت تتصاعد فيه الشكوك بشأن قدرة القطاع على الوفاء بالوعود المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية وإنعاش المناطق الصناعية المتضررة اقتصادياً.

وكانت حكومة حزب العمال قد تعهدت باستثمار نحو 22 مليار جنيه إسترليني على مدى 25 عاماً لبناء قطاع جديد لاحتجاز وتخزين ثاني أكسيد الكربون، في إطار خططها لتحقيق أهداف الحياد الكربوني ودعم الصناعات الثقيلة التي يصعب إزالة انبعاثاتها بالكامل، مثل صناعات الإسمنت والصلب.

وتعتمد تقنية احتجاز الكربون على جمع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة قبل وصولها إلى الغلاف الجوي، ثم نقلها عبر شبكات أنابيب وتخزينها بشكل دائم في تكوينات جيولوجية تحت سطح الأرض.

وتشمل أبرز المشاريع الجاري تطويرها محطة «نت زيرو تيسايد» في شمال شرق إنجلترا ومشروع «هاينِت» لنقل وتخزين ثاني أكسيد الكربون في منطقة ميرسيسايد، حيث يأمل المطورون في تشغيلهما بحلول عام 2028 وخفض ما يصل إلى 6.5 ملايين طن من الانبعاثات سنوياً في المراحل الأولى.

إلا أن القطاع واجه خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الانتكاسات. فقد أعلنت شركة «بي بي» خططاً لتقليص حصصها في مشروعين بريطانيين، من بينها مشروع «نت زيرو تيسايد»، بينما أوقفت شركة «دراكس» مشروعاً لاحتجاز الكربون في منشآتها بمقاطعة يوركشاير، مشيرة إلى أن البيئة التنظيمية الحالية جعلت الاستثمار أقل جاذبية.

كما يواجه مشروع «أكورن» في اسكتلندا تأخيرات إضافية، رغم حصوله على تعهد حكومي بتقديم 200 مليون جنيه إسترليني. وحتى الآن لم يتم صرف التمويل الموعود، فيما أشار بعض الشركاء إلى أن اتخاذ قرار الاستثمار النهائي قد يتأجل إلى مطلع ثلاثينيات القرن الحالي.

ويرى خبراء ومشرعون أن المشكلة الأساسية تتمثل في ضخامة التكاليف وطول الفترة اللازمة لتحقيق عوائد ملموسة. وقالت ميغ هيليير، رئيسة لجنة الخزانة في البرلمان البريطاني، إن هناك «القليل من الأدلة على التنفيذ الفعلي حتى الآن» رغم الوعود والاستثمارات المعلنة.

وتزداد الضغوط على المشروع في ظل سعي الحكومة إلى توفير موارد إضافية لبرامج الدفاع والإنفاق العام، ما يثير مخاوف داخل القطاع من تراجع الحماس السياسي تجاه هذه التكنولوجيا إذا استمرت التأخيرات وارتفعت التكاليف.

وفي الوقت نفسه، حذرت لجنة الحسابات العامة في البرلمان من وجود درجة عالية من عدم اليقين بشأن قدرة الاستثمارات الحكومية الضخمة على تحقيق النتائج المرجوة، بينما أظهرت بيانات القطاع إلغاء أو تعليق 27 مشروعاً منذ عام 2023، مع تسجيل تأخيرات متوسطة تصل إلى عامين في المشاريع المتبقية.

ورغم هذه التحديات، تؤكد الحكومة البريطانية أن احتجاز الكربون سيظل جزءاً أساسياً من استراتيجيتها المناخية. وتقول وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني إن خططها الحالية مدعومة باستثمارات تبلغ 9.4 مليارات جنيه إسترليني خلال الدورة البرلمانية الحالية، ويمكن أن تدعم ما يصل إلى 50 ألف وظيفة بحلول عام 2050.

غير أن المشروع يواجه أيضاً انتقادات سياسية من أطراف مختلفة. فحزب «ريفورم يو كيه» يعتبر احتجاز الكربون هدراً للأموال العامة، بينما يرى حزب الخضر أن الدعم الحكومي للقطاع يخدم مصالح شركات الوقود الأحفوري أكثر من خدمة أهداف التحول البيئي.

وتشير هذه الخلافات إلى أن مستقبل صناعة احتجاز الكربون في بريطانيا سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الحكومة على إثبات الجدوى الاقتصادية للمشاريع الحالية وتحويل الوعود المناخية إلى نتائج ملموسة خلال السنوات القليلة المقبلة، في وقت يتزايد فيه الضغط على الموارد العامة وتتسارع المنافسة الدولية في مجالات الطاقة النظيفة.

الموضوعاتمواضيع شائعة