برلين (رياليست عربي). سجل الإنتاج الصناعي الألماني ارتفاعاً طفيفاً خلال أبريل، منهياً سلسلة من التراجعات استمرت عدة أشهر، إلا أن خبراء الاقتصاد يرون أن هذه الزيادة لا تعكس تحسناً حقيقياً في أوضاع أكبر اقتصاد في أوروبا، في ظل استمرار ضعف الطلب وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع النشاط الصناعي.
وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن الإنتاج الصناعي ارتفع بنسبة 0.4% مقارنة بشهر مارس، مدفوعاً بشكل أساسي بانتعاش قطاع البناء الذي سجل نمواً شهرياً بلغ 2.4%.
كما ارتفعت الصادرات الألمانية بنسبة 0.9% خلال أبريل، مقارنة بزيادة بلغت 0.5% في مارس، إلا أن الواردات نمت بوتيرة أسرع، ما أبقى الفائض التجاري عند مستويات شبه مستقرة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، حذر محللون من المبالغة في تفسير الأرقام. وأشار كبير خبراء الاقتصاد الكلي في بنك ING، كارستن بريزسكي، إلى أن الإنتاج الصناعي الألماني لا يزال عملياً في حالة ركود خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، كما يبقى أقل بنحو 12% من مستوياته المسجلة قبل جائحة كورونا.
وكانت التوقعات مطلع العام أكثر تفاؤلاً، خاصة بعد تحسن مؤشرات الثقة الاقتصادية وارتفاع الطلبيات الصناعية وإطلاق الحكومة الجديدة بقيادة المستشار فريدريش ميرتس برامج إنفاق واسعة على البنية التحتية والدفاع. لكن هذه التوقعات تعرضت لضغوط متزايدة مع تفاقم التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة.
وتعتمد ألمانيا بشكل كبير على واردات الطاقة، فيما تمثل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة نحو 17% من القيمة المضافة الصناعية وتوظف قرابة مليون عامل.
وأدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة الضغوط التضخمية، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 2.9% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2024، مع ارتفاع أسعار منتجات الطاقة بأكثر من 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي ضوء هذه التطورات، خفضت الحكومة الألمانية في أبريل توقعاتها لنمو الاقتصاد خلال عام 2026 إلى 0.5% فقط.
وتزامنت بيانات الإنتاج مع تقرير سلبي بشأن الطلبيات الصناعية، أظهر تراجع الطلبات الجديدة بنسبة 3.8% خلال أبريل مقارنة بالشهر السابق.
وكان قطاع السيارات من أكثر القطاعات تضرراً، حيث انخفضت الطلبيات بأكثر من 5%، كما سجلت قطاعات المعدات الكهربائية والآلات الصناعية تراجعات ملحوظة. وانخفضت الطلبيات الخارجية بأكثر من 4%، بينما تراجعت الطلبات المحلية بنحو 3%.
ويرى اقتصاديون أن الزخم الذي شهدته الصناعة الألمانية في النصف الثاني من عام 2025 بدأ يتلاشى. فبعد أربعة أشهر متتالية من النمو القوي في الطلبيات، دخلت المؤشرات في مسار هبوطي منذ بداية العام الحالي، مع تراجع متوسط الطلبيات بأكثر من 2% شهرياً.
كما أن التأثير الإيجابي الناتج عن زيادة الإنفاق الدفاعي وتكديس المخزونات الصناعية لمواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد بدأ يفقد زخمه تدريجياً.
وتشير وزارة الاقتصاد الألمانية إلى أن التعافي الكامل سيستغرق وقتاً طويلاً بسبب الأضرار التي لحقت بالقدرات الإنتاجية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى استمرار التحديات المرتبطة بالطاقة والمواد الخام.
ويرى محللون أن الآمال التي كانت معلقة على انتعاش صناعي واسع خلال عام 2026 لم تتحقق حتى الآن، وأن الاقتصاد الألماني لا يزال يواجه مرحلة صعبة تتسم بضعف النمو وارتفاع التكاليف وتراجع الطلب العالمي.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع أسعار الطاقة، يبقى مستقبل الصناعة الألمانية مرتبطاً بقدرتها على استعادة تنافسيتها وتحفيز الاستثمارات الصناعية، وهو ما يشكل أحد أكبر التحديات أمام الحكومة والقطاع الخاص خلال الفترة المقبلة.
