Site icon Realist Arabic: أخبار وتحليلات

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أسواق المال العالمية وسط مخاوف من فقاعة استثمارية ومخاطر نظامية

نيويورك — (رياليست عربي). لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد اتجاه تقني جديد في الأسواق المالية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى المحرك الرئيسي لأسواق الأسهم العالمية، دافعاً المؤشرات إلى مستويات قياسية رغم التوترات الجيوسياسية والحروب والضغوط الاقتصادية المتزايدة.

وشهدت أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفاعات غير مسبوقة، في مقدمتها شركة «إنفيديا» التي ارتفعت قيمتها السوقية بأكثر من 1300% منذ نهاية عام 2022، لتصبح نتائجها المالية من أكثر الأحداث متابعة من قبل المستثمرين حول العالم.

كما واصلت شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل «مايكروسوفت» و«ألفابت» المالكة لـ«غوغل» و«أمازون»، ضخ مئات المليارات من الدولارات في بناء مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ولم تقتصر المكاسب على الولايات المتحدة، إذ سجلت شركات أوروبية وآسيوية مرتبطة بصناعة الرقائق الإلكترونية والتقنيات المتقدمة مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بتوقعات استمرار الطلب على قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات مؤسسات مالية كبرى إلى أن صناديق التحوط العالمية أعادت توزيع استثماراتها بشكل غير مسبوق نحو قطاع التكنولوجيا، مع ارتفاع الوزن النسبي لشركات أشباه الموصلات داخل المحافظ الاستثمارية إلى مستويات تاريخية.

وفي المقابل، تراجعت جاذبية قطاعات تقليدية مثل الرعاية الصحية والمرافق والسلع الاستهلاكية، حيث يفضل المستثمرون التركيز على الشركات المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي.

صناديق التحوط تحقق مكاسب استثنائية

وأصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مصدراً لثروات ضخمة خلال فترة قصيرة. ومن أبرز الأمثلة صندوق «سيتويشنال أويرنس» الذي يركز على استثمارات الذكاء الاصطناعي، حيث ارتفعت أصوله المدارة إلى نحو 20 مليار دولار خلال أقل من عامين.

ويعزو مديرو الصناديق هذه المكاسب إلى الرهانات المبكرة على شركات متخصصة في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي شهدت ارتفاعات هائلة في تقييماتها السوقية.

المستثمرون الأفراد يدخلون السباق

في الوقت نفسه، توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين المستثمرين الأفراد. وأظهرت استطلاعات حديثة أن نحو نصف المستثمرين الأفراد يستخدمون منصات مثل «تشات جي بي تي» و«غوغل جيميني» للمساعدة في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية أو مراجعة محافظهم المالية.

كما يتوقع أن تتجاوز قيمة سوق خدمات المستشارين الماليين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة.

إلا أن الخبراء يحذرون من الاعتماد الكامل على النماذج العامة للذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الاستثمارية، نظراً لاحتمال وقوع أخطاء أو تقديم تحليلات غير دقيقة في الأسواق المعقدة.

تحذيرات من فقاعة وتراجع العوائد

ورغم التفاؤل السائد، تتزايد الأصوات المحذرة من ارتفاع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي إلى مستويات قد لا تعكس أرباحها الفعلية أو قدرتها المستقبلية على تحقيق العوائد المتوقعة.

وتشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام الواسع للخوارزميات نفسها من قبل عدد متزايد من المستثمرين قد يؤدي إلى تآكل فرص تحقيق الأرباح الاستثنائية، إذ تعتمد معظم الأنظمة على البيانات والإشارات ذاتها.

كما أن تزايد الاعتماد على النماذج الذكية في التداول قد يرفع من احتمالات حدوث اضطرابات مفاجئة في الأسواق في حال صدور قرارات جماعية خاطئة من الأنظمة الآلية.

مخاطر على استقرار الأسواق

وأظهرت تجارب حديثة على نماذج لغوية متقدمة أن أنظمة التداول الذاتية لا تزال تواجه صعوبات في إدارة المحافظ الاستثمارية بصورة مستقرة، حيث تكبدت بعض النماذج خسائر كبيرة خلال فترات قصيرة نتيجة قرارات تداول غير منضبطة.

وحذرت جهات رقابية أوروبية من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على التعلم الذاتي قد تنتج أنماطاً متشابهة من السلوك بين المشاركين في السوق، ما قد يؤدي إلى موجات بيع أو شراء جماعية دون تنسيق مباشر بينهم.

ويرى محللون أن الأسواق العالمية دخلت بالفعل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«عصر الاستثمار الرقمي»، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لتدفقات رأس المال.

لكنهم يؤكدون أن المفارقة الكبرى تتمثل في أن زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد تجعل تحقيق الأرباح أكثر صعوبة مستقبلاً، فيما تزداد مخاطر حدوث تصحيحات حادة إذا تبين أن التوقعات الحالية مبالغ فيها.

ويترقب المستثمرون ما إذا كانت الطفرة الحالية ستقود إلى ثورة صناعية وتقنية طويلة الأمد، أم أنها ستنتهي بتكوين واحدة من أكبر الفقاعات الاستثمارية في تاريخ الأسواق المالية الحديثة.

Exit mobile version