القدس — (رياليست عربي) أثار وقف إطلاق النار الجديد في لبنان والحديث المتزايد عن احتمال انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق الحدودية نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية بشأن العقيدة القتالية التي اعتمدتها تل أبيب خلال الحرب المستمرة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وبعد 989 يوماً من العمليات العسكرية على جبهات متعددة، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت الاستراتيجية الحالية قد حققت أهدافها المعلنة، خصوصاً في الساحة اللبنانية حيث لا يزال حزب الله يحتفظ بوجوده العسكري في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك مناطق قريبة من الحدود مع إسرائيل.

من الهجوم إلى الحرب الطويلة

في الأشهر الأولى للحرب، ركز الجيش الإسرائيلي على احتواء تداعيات الهجمات التي نفذتها حركة حماس وحزب الله، في ظل تعبئة واسعة لقوات الاحتياط وإعادة تنظيم القدرات العسكرية.

لكن مع انتقال إسرائيل إلى العمليات الهجومية ضد حزب الله خلال عام 2024، أصبحت تل أبيب صاحبة المبادرة في إدارة وتوقيت العمليات العسكرية، وفق تقديرات عسكرية إسرائيلية.

ورغم النجاحات التي أعلنتها إسرائيل ضد البنية العسكرية للحزب، يرى مراقبون أن استمرار الحرب لفترة طويلة يطرح تساؤلات حول جدوى النهج القائم على التقدم البطيء والمراحل التدريجية بدلاً من العمليات السريعة والحاسمة التي ميزت الحروب الإسرائيلية السابقة.

انتقادات للاستراتيجية الحالية

تشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية إلى أن الجيش يواصل تنفيذ عمليات ضد مواقع وبنى تحتية تابعة لحزب الله في جنوب لبنان، بما في ذلك منشآت وأنفاق تحت الأرض تقع على مسافة قريبة نسبياً من الحدود.

ويرى منتقدو النهج الحالي أن بطء العمليات أتاح للحزب فرصاً لإعادة التنظيم والتكيف مع المتغيرات الميدانية، رغم الخسائر التي تكبدها خلال الحرب.

كما يثير استمرار وجود مواقع وبنى عسكرية للحزب قرب الحدود تساؤلات حول الأسباب التي سمحت بتعاظم قدراته خلال السنوات الماضية.

استراتيجية المناطق العازلة

في المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن الحرب حققت أهدافاً مهمة، من بينها إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله وإنشاء مناطق أمنية عازلة على الحدود مع لبنان وسوريا وقطاع غزة.

وتقوم هذه الاستراتيجية على إنشاء أحزمة أمنية تخضع لرقابة إسرائيلية مستمرة بهدف منع اقتراب الجماعات المسلحة من الحدود.

إلا أن بعض الخبراء العسكريين يحذرون من أن هذه السياسة قد تفرض أعباء طويلة الأمد على الجيش الإسرائيلي من خلال الحاجة إلى الاحتفاظ بقوات ثابتة في مواقع متقدمة وتنفيذ دوريات مستمرة داخل تلك المناطق.

مقارنة بالحروب السابقة

ويستحضر منتقدو الاستراتيجية الحالية نماذج من الحروب العربية الإسرائيلية السابقة، مثل حرب 1967 وحرب أكتوبر 1973 والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والتي اتسمت بعمليات سريعة وحركة ميدانية واسعة خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً.

ويشير هؤلاء إلى أن إسرائيل اعتمدت تاريخياً على مبدأ نقل المعركة سريعاً إلى أراضي الخصوم وتقليص مدة الحروب، بدلاً من الانخراط في نزاعات طويلة الأمد.

كما يلفتون إلى أن تجربة البقاء العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان لمدة 18 عاماً بعد عام 1982 انتهت بانسحاب كامل عام 2000، وهو ما يثير تساؤلات بشأن إمكانية تكرار التجربة الحالية.

مستقبل الجبهة اللبنانية

ويرى محللون أن استمرار وجود حزب الله في مناطق قريبة من الحدود، رغم الضربات التي تعرض لها، قد يعني أن التهديد الأمني لم يُزل بالكامل، الأمر الذي قد يترك الباب مفتوحاً أمام جولات جديدة من المواجهة مستقبلاً.

وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل ضغوطاً دولية متزايدة لدعم ترتيبات وقف إطلاق النار والحد من العمليات العسكرية الهجومية في لبنان.

وتعكس هذه التطورات جدلاً أوسع داخل إسرائيل حول طبيعة الحروب الحديثة وكيفية توظيف التفوق التكنولوجي والعسكري في تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد دون الانزلاق إلى نزاعات مفتوحة تستنزف الموارد والقدرات العسكرية.

وبينما تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن نتائج الحرب عززت أمن البلاد، لا يزال الجدل قائماً بشأن ما إذا كانت استراتيجية المناطق العازلة والحروب الممتدة تمثل حلاً دائماً للتحديات الأمنية أم أنها قد تؤدي إلى تكرار تجارب سابقة أثبتت محدودية فعاليتها على المدى البعيد.

الموضوعاتمواضيع شائعة