القدس — (رياليست عربي). أثار الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، الموقع قبل أسبوعين، تساؤلات جديدة داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وسط مخاوف من بقاء أخطر عناصره دون معالجة، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت به خلال الحربين في عامي 2025 و2026.

ونقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن مسؤولين إسرائيليين مطلعين أن الخطر الأكبر يتمثل في استمرار وجود أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب من مستوى التخصيب اللازم لإنتاج سلاح نووي، إلى جانب مخزون آخر مخصب بنسبة 20%.

وبحسب المسؤولين، تتبنى طهران حالياً سياسة الإبقاء على الوضع القائم، بحيث لا توسع عمليات التخصيب أو تصنيع أجهزة الطرد المركزي، لكنها في الوقت نفسه لا تبدي استعداداً للتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب أو تخفيف نسبة تخصيبه.

وترفض إيران حتى الآن السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف الأمريكي والإسرائيلي، بما فيها منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، حيث يُعتقد أن كميات اليورانيوم المخصب ما زالت مدفونة تحت الأنقاض.

ويطالب كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي بالسماح للمفتشين بالوصول الكامل إلى جميع المنشآت النووية، خصوصاً المواقع التي تحتوي على اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

ورغم تقارير سابقة تحدثت عن موافقة إيرانية غير معلنة على نقل هذا اليورانيوم أو تخفيف نسبة تخصيبه، فإن مصادر إسرائيلية أعربت عن شكوكها في إمكانية تنفيذ ذلك، معتبرة أن طهران قد تستغل تراجع الضغوط العسكرية لإخفاء المواد النووية في مواقع جديدة وإحياء برنامج نووي سري مستقبلاً.

كما أشارت التقديرات الإسرائيلية إلى أن عدداً محدوداً من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية نجا من الضربات الجوية، وإن كان لا يمثل سوى جزء صغير من نحو 20 ألف جهاز كانت تعمل قبل اندلاع الحرب في يونيو 2025.

ورغم أن هذه الأجهزة لا تزال مدفونة تحت الأنقاض، فإن استخدامها مجدداً يتطلب إنشاء منشآت جديدة أو إعادة تأهيل مواقع قائمة، وهو ما تعتبره إسرائيل تحدياً يمكن رصده إذا بدأت إيران إعادة بناء بنيتها التحتية النووية.

وفي الوقت نفسه، تؤكد التقديرات الإسرائيلية أن الحربين الأخيرتين وجهتا ضربة قاسية لقدرات إيران على تصنيع أجهزة الطرد المركزي وإنتاج مكونات البرنامج النووي، ما أدى إلى تجميد المشروع النووي الإيراني مؤقتاً.

ويرى خبراء أن معالجة المخاطر النووية لا تقتصر على وقف التخصيب، بل تتطلب خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى المستوى الطبيعي البالغ 0.7%، إذ إن خفضه إلى مستوى 3.67% فقط، كما حدث بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، سيُبقي إيران قريبة نسبياً من القدرة على إعادة التخصيب إلى مستويات عسكرية خلال أشهر قليلة إذا استعادت تشغيل عدد محدود من أجهزة الطرد المركزي.

وتبدي إسرائيل كذلك اهتماماً بمنشأة «جبل بيكاكس» النووية، التي يجري بناؤها في أعماق أكبر من منشأة فوردو، وسط تقديرات أمريكية وإسرائيلية بأنها قد تتحول مستقبلاً إلى موقع يصعب تدميره حتى باستخدام القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات.

وفي ملف الصواريخ الباليستية، تشير التقييمات الإسرائيلية إلى أن إيران ما زالت تحصي حجم خسائرها بعد الحرب، وأنها لم تحدد بعد حجم الأصول التي يمكن إعادة استخدامها أو إعادة بنائها.

وتقدر إسرائيل أن الضربات التي نُفذت خلال حرب 2026 استهدفت نحو 2600 موقع مرتبط ببرنامج الصواريخ الباليستية، بما في ذلك منشآت إنتاج وتجميع، وهو ما أدى إلى تعطيل قدرة إيران على تصنيع صواريخ جديدة لعدة سنوات.

إلا أن مسؤولين إسرائيليين يحذرون من أن تدفق الأموال إلى إيران بموجب التفاهمات الأخيرة، أو حصولها على إيرادات جديدة من حركة الملاحة في مضيق هرمز، قد يسمح لطهران بإعادة بناء برنامجها الصاروخي خلال الأعوام المقبلة، خاصة إذا حصلت على مواد ذات استخدام مزدوج من دول أخرى.

ورغم تأكيد الصين أنها لا تقدم دعماً مباشراً لبرامج التسلح الإيرانية، فإنها لم تنفِ تصدير مواد يمكن استخدامها لأغراض مدنية أو عسكرية، وهو ما يثير مخاوف من مساهمة هذه المواد في تسريع إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية.

وتعكس هذه التقديرات استمرار القلق الإسرائيلي من أن الاتفاق الأمريكي الإيراني، رغم مساهمته في وقف الأعمال العسكرية، لم يحسم بعد الملفات الأكثر حساسية المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية بين الطرفين.