لندن (رياليست عربي). تشهد أسواق المعادن الصناعية موجة ارتفاعات قوية دفعت أسعار النحاس والألمنيوم إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، وسط تحذيرات من أن الحرب المستمرة مع إيران أدت إلى تفاقم أزمة هيكلية في الإمدادات قد تستمر لفترة طويلة.
ويقترب سعر النحاس من أعلى مستوى إغلاق في تاريخه، بينما سجل الألمنيوم أعلى مستوياته منذ أربع سنوات، مدفوعين بزيادة الطلب العالمي على مراكز البيانات وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية، إلى جانب اضطرابات الإمدادات الناتجة عن التوترات في الشرق الأوسط وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
ويرى محللون ومسؤولون في قطاع التعدين أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة من الضغوط، حيث يتزايد الطلب بوتيرة أسرع بكثير من نمو المعروض.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة «فالتيرا بلاتينوم» الجنوب أفريقية، كريغ ميلر، إن العالم يتجه نحو بيئة تعاني من نقص متزايد في العديد من السلع الأساسية، مشيراً إلى أن الطلب على المعادن سيواصل النمو بفعل التحول نحو الطاقة النظيفة والتوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن الاستثمارات في مشاريع التعدين الجديدة لم ترتفع بالوتيرة الكافية لتلبية هذا الطلب المتزايد.
وامتدت تداعيات الحرب إلى أسواق السلع المختلفة، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 72 دولاراً للبرميل إلى أكثر من 90 دولاراً، كما شهدت أسعار الحبوب والأسمدة والمنتجات الصناعية المرتبطة بالنفط ارتفاعات ملحوظة.
وفي قطاع التعدين، أدت زيادة أسعار الوقود إلى رفع تكاليف تشغيل المناجم، بينما تسبب ارتفاع أسعار حمض الكبريتيك، المستخدم في إنتاج النحاس والنيكل، في ضغوط إضافية على المنتجين.
وقال جيمس هايتر، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أوريون ريسورس إكويتيز»، إن الظروف الحالية تبرر ارتفاعات أكبر في أسعار المعادن، مشيراً إلى وجود مشكلة هيكلية عميقة في توازن العرض والطلب.
ويواجه سوق النحاس تحديات خاصة، إذ كانت التوقعات تشير بالفعل إلى عجز في الإمدادات خلال عام 2026 قبل اندلاع الأزمة الحالية، نتيجة اضطرابات في عدد من المناجم الكبرى حول العالم.
وتفاقمت الأزمة بعد ارتفاع أسعار الكبريت، وهو منتج ثانوي لعمليات تكرير النفط، بأكثر من الضعف خلال الأشهر الأخيرة.
وتقدر شركة «وود ماكنزي» الاستشارية أن اضطرابات إمدادات الكبريت قد تؤدي إلى فقدان نحو 125 ألف طن من إنتاج النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى تهديد ما يصل إلى 200 ألف طن من الإنتاج في تشيلي.
كما رفعت مؤسسة «غولدمان ساكس» توقعاتها للعجز العالمي في سوق النحاس خارج الولايات المتحدة من 60 ألف طن إلى 640 ألف طن خلال العام الحالي، نتيجة مشاكل الإنتاج في مناجم رئيسية بإندونيسيا والكونغو الديمقراطية.
ورفعت المؤسسة أيضاً توقعاتها لسعر النحاس بنهاية العام بنسبة 10% ليصل إلى نحو 13,735 دولاراً للطن.
ويرى مسؤولو شركات التعدين أن جذور الأزمة تعود إلى سنوات طويلة من ضعف الاستثمار في مشاريع النحاس الجديدة، نتيجة الضغوط التي مارسها المستثمرون على الشركات للتركيز على الانضباط المالي بدلاً من التوسع في الإنتاج.
أما في سوق الألمنيوم، فقد كان تأثير الحرب أكثر مباشرة، إذ يمثل الشرق الأوسط نحو 10% من إنتاج الألمنيوم المكرر عالمياً.
وأدى تضرر البنية التحتية لبعض المنتجين الإقليميين وصعوبة نقل مادة الألومينا اللازمة للصهر بسبب القيود على الملاحة إلى خفض الإنتاج ورفع الأسعار.
وفي الوقت نفسه، دفعت أسعار الطاقة المرتفعة العديد من الدول إلى تسريع استثماراتها في مشاريع الطاقة المتجددة وتعزيز أمن الطاقة، ما يزيد الطلب المستقبلي على النحاس والألمنيوم المستخدمين في الشبكات الكهربائية والبنية التحتية للطاقة النظيفة.
ويرى اقتصاديون أن ما تشهده الأسواق يختلف عن دورات ارتفاع أسعار السلع السابقة، إذ إن المحرك الرئيسي ليس قوة الطلب فحسب، بل أيضاً الاضطرابات المستمرة في جانب العرض.
ووصف بول بلوكسهام، كبير الاقتصاديين للسلع العالمية في بنك «إتش إس بي سي»، الوضع الحالي بأنه «اختناق فائق»، مشيراً إلى أن نقص الإمدادات يمثل صدمة سلبية كبيرة للاقتصاد العالمي رغم الفوائد التي يجلبها لمنتجي المعادن.
ومع ذلك، يحذر محللون من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي يضعف الطلب الصناعي ويحد من استمرار موجة الصعود الحالية.
ورغم هذه المخاوف، لا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على تراجع الطلب. ويؤكد مصنعو الكابلات والمعدات الكهربائية أن العملاء ما زالوا مستعدين لتحمل ارتفاع الأسعار، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية.
ويعتقد خبراء أن الجمع بين نقص المعروض العالمي وارتفاع الطلب المرتبط بالتحول الطاقوي والذكاء الاصطناعي قد يبقي أسعار المعادن الصناعية عند مستويات مرتفعة لسنوات، حتى في حال تراجع التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.






