بروكسل (رياليست عربي). تتزايد مخاوف الاتحاد الأوروبي من توسع ممارسات الالتفاف على الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الصينية، بعدما كشفت تقارير عن قيام شركات صينية بالترويج علناً لآليات تسمح بتجنب الإجراءات التجارية الأوروبية عبر إعادة التصدير أو إجراء تعديلات محدودة على المنتجات.
ودعت كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وليتوانيا المفوضية الأوروبية إلى تعزيز أدوات مكافحة الالتفاف على الرسوم التجارية، محذرة من تزايد ما وصفته بـ«الممارسات المعقدة وغير الواضحة» التي تقلل من فعالية التدابير الدفاعية الأوروبية.
ويأتي هذا التحرك في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي تدفقاً متزايداً للمنتجات الصينية منخفضة التكلفة، نتيجة فائض الإنتاج الصناعي في الصين وتباطؤ الطلب المحلي هناك.
وأظهرت تحقيقات صحفية أن بعض الشركات الصينية تروج لخدمات تهدف إلى تجاوز الرسوم الأوروبية، بما في ذلك إعادة تصدير السلع عبر دول ثالثة مثل المغرب وتونس وتركيا وعدد من دول جنوب شرق آسيا، أو إجراء تعديلات بسيطة على المنتجات لتغيير تصنيفها الجمركي.
وتعتمد بعض هذه الممارسات على إنشاء منشآت إنتاج أو تجميع في دول لا تخضع للرسوم الأوروبية الإضافية، ما يسمح للسلع بدخول السوق الأوروبية تحت منشأ مختلف عن منشئها الحقيقي.
ومن بين الأمثلة التي أثيرت في التقارير شركة لوجستية صينية مقرها مدينة شينزن أعلنت عبر موقعها الإلكتروني تقديم حلول لتجاوز رسوم مكافحة الإغراق والقيود التجارية من خلال إعادة التصدير عبر دول آسيوية مختلفة.
كما برز قطاع الصناعات الكيميائية كأحد أكثر القطاعات تعرضاً لهذه الممارسات، خاصة بعد فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً على واردات ثاني أكسيد التيتانيوم الصيني، وهو مركب يستخدم في صناعات استراتيجية تشمل التكنولوجيا الخضراء وصناعة الطيران.
وأشارت تقارير إلى أن بعض المنتجين الصينيين بدأوا تسويق منتجات معدلة تحتوي على نسب أقل من المادة الخاضعة للرسوم، بهدف الاستفادة من ثغرات التصنيف الجمركي وتجنب الرسوم الإضافية.
وفي حالات أخرى، عرضت شركات صينية شهادات منشأ صادرة من دول ثالثة مثل فيتنام أو تايلاند لتسهيل دخول المنتجات إلى السوق الأوروبية، قبل أن تتراجع بعض هذه الشركات لاحقاً عن هذه الممارسات بعد إثارة الجدل حولها.
ويرى خبراء التجارة الدولية أن ارتفاع الرسوم الجمركية يزيد الحوافز الاقتصادية للبحث عن طرق للالتفاف عليها، خصوصاً في القطاعات التي تواجه ضغوطاً تنافسية كبيرة.
وقالت الخبيرة التجارية ديبورا إلمز إن السلطات الأوروبية تواجه ما يشبه «لعبة القط والفأر»، حيث يمكن للشركات المتورطة تغيير أسمائها أو نقل نشاطها بسرعة بين عدة دول لتجنب الملاحقة.
في المقابل، أكدت غرفة التجارة الصينية لدى الاتحاد الأوروبي أنها ليست على علم بالشركات التي تروج لمثل هذه الخدمات، مشيرة إلى أن مخاطر الالتفاف على الرسوم ليست مرتبطة بدولة بعينها وأن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل نظاماً متطوراً لمكافحة هذه الممارسات.
وتأتي هذه التطورات في ظل اتساع العجز التجاري الأوروبي مع الصين، الذي بلغ مستوى قياسياً قدره €359.9 مليار خلال عام 2025، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى وصف الوضع الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين بأنه «غير قابل للاستمرار».
كما كثفت هيئة مكافحة الاحتيال الأوروبية (OLAF) تحقيقاتها في قضايا الالتفاف على الرسوم الجمركية. وكشف تقريرها السنوي عن إحباط عملية كانت ستسمح بدخول دراجات كهربائية إلى الاتحاد الأوروبي عبر إندونيسيا رغم أن معظم مكوناتها صُنعت في الصين، وهو ما كان سيؤدي إلى تفادي رسوم جمركية تقدر بنحو €7.2 ملايين.
ويرى خبراء اقتصاديون أن قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة هذه الظاهرة ستصبح أكثر تعقيداً مع تزايد الاستثمارات الصينية في دول مثل المغرب وتونس وتركيا، التي أصبحت مراكز صناعية وتصديرية مهمة للشركات الصينية الساعية للوصول إلى الأسواق الأوروبية.
ومن المتوقع أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمتهم المقبلة في يونيو حزمة جديدة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تأثير الواردات الصينية منخفضة التكلفة على قطاعات استراتيجية تشمل السيارات والمعادن والكيماويات والصناعات التحويلية.






