إسلام آباد — (رياليست عربي). وسط الحقول الترابية الباردة قرب مدينة روالبندي شمالي باكستان، اندفعت الفارسة الباكستانية أنعم شكور على ظهر حصانها ممسكة برمح بطول نحو مترين، في محاولة لالتقاط وتد خشبي صغير مغروس في الأرض ضمن منافسات رياضة «نيزا بازي» التقليدية، المعروفة عالمياً باسم “Tent Pegging”.
الرياضة، التي تعتمد على سرعة الفارس ودقته أثناء العدو الكامل للحصان، تعد واحدة من أقدم الرياضات الفروسية في جنوب آسيا، لكنها بقيت لعقود طويلة حكراً على الرجال.
شكور، البالغة من العمر 30 عاماً، أسست العام الماضي نادي «بنت الزهراء»، أول نادٍ نسائي بالكامل لهذه الرياضة في باكستان، إلى جانب ثلاث فارسات أخريات بينهن مراهقات وأمهات يخضن المنافسات لأول مرة.
وقالت شكور إن تأسيس النادي جاء بعد إدراكها أن النساء كنّ دائماً يتدربن داخل فرق مختلطة يقودها الرجال، دون وجود مساحة خاصة بهن لتطوير مهاراتهن أو بناء مجتمع رياضي نسائي مستقل.
ورغم تزايد ظهور الفارسات في السنوات الأخيرة، لا تزال البيئة المحيطة بالرياضة محافظة إلى حد كبير. فمعظم الجمهور من الرجال، وكذلك الفرق المشاركة والمنظمون والعازفون الشعبيون الذين يرافقون المنافسات التقليدية.
وخلال إحدى البطولات الشعبية قرب روالبندي، أحاط المصورون والمدونون بالفارسات لتوثيق مشاركتهن، في مشهد لا يزال يُنظر إليه باعتباره استثنائياً.
وتقول الفارسة عائشة خان، قائدة المنتخب النسائي الباكستاني، إن المجتمع الرياضي في بلادها لا يزال يميز بين «الرجال والنساء» أكثر من اهتمامه بمفهوم اللاعب المحترف.
وأضافت أن باكستان شاركت عام 2024 بفريق رجال فقط في بطولة دولية بالأردن رغم أن المنافسات كانت مفتوحة للنساء أيضاً، معتبرة أن المؤسسات الرياضية المحلية لا تزال تفترض تلقائياً أن الرجال هم الممثلون الطبيعيون للبلاد في هذه الرياضة.
خان، التي أصبحت أول امرأة باكستانية تتغلب على عشرات الفرسان الرجال في بطولة محلية، قالت إن دخول النساء إلى عالم «نيزا بازي» بدأ فعلياً بعد دعوة فريق نسائي أسترالي للمشاركة في بطولة كبرى عام 2015 بمدينة كوت فتح خان في إقليم البنجاب.
وتعود جذور الرياضة في باكستان إلى مناطق البنجاب الشمالية، حيث تنتشر السهول الواسعة المناسبة لسباقات الخيل. لكن ممارسة الرياضة تبقى مكلفة للغاية، إذ قد تتجاوز تكاليف رعاية الحصان الواحد الحد الأدنى الشهري للأجور في البلاد.
وتقول الفارسات إن العقبات لا تقتصر على المال فقط، بل تشمل أيضاً الضغوط الاجتماعية المتعلقة بالزواج والأدوار التقليدية للمرأة، إضافة إلى نقص البنية التحتية الملائمة للنساء في مواقع المنافسات.
ورغم ذلك، بدأت الفارسات الباكستانيات يحققن حضوراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحصد مقاطع الفيديو الخاصة بهن ملايين المشاهدات، خاصة تلك التي تظهر مهاراتهن أثناء التقاط الأوتاد بسرعة عالية وسط سحب الغبار.
لكن هذا الظهور الرقمي ترافق أيضاً مع موجات انتقاد من بعض المحافظين، خصوصاً عندما ظهرت فارسات يرتدين العمامة التقليدية الخاصة بالفرسان الرجال، وهو ما اعتبره البعض «تحدياً» للموروث الاجتماعي المرتبط بالرياضة.
ورغم الانتقادات، تؤكد شكور أن الهدف ليس منافسة الرجال أو التفوق عليهم، بل الحصول على الاحترام والفرص المتساوية.
وقالت: «الشغف والانضباط لا علاقة لهما بالجنس. نحن لا نحاول إثبات أننا أفضل من الرجال، بل نطالب فقط بالمساواة في الاحترام».






