نيودلهي – (رياليست عربي). لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند لحضور القمة السنوية الثالثة والعشرين اجتماعاً بروتوكولياً فحسب، بل مثّلت محطة مفصلية أكدت متانة الشراكة «الاستراتيجية الخاصة والمميّزة» بين موسكو ونيودلهي، وكشفت تصميم الهند على حماية استقلاليتها الاستراتيجية وسط نظام دولي آخذ في التشظي.
القمة أسفرت عن مجموعة واسعة من النتائج العملية: خريطة طريق «رؤية 2030» للتجارة والتكنولوجيا، توسيع التعاون في مجالات الطاقة والطاقة النووية، توقيع اتفاق RELOS للّوجستيات الدفاعية، إلى جانب اتفاقات حول تنقل العمالة والرعاية الصحية وسلامة الغذاء والتدريب البحري. غير أن التطورات الأهم كانت ذات طبيعة هيكلية تتجاوز الجانب الرمزي.
تحول جيوسياسي سرّعته العقوبات الغربية
ورغم محاولات الغرب عزل روسيا، أدّت العقوبات إلى دفع موسكو نحو تعميق شراكاتها الآسيوية، وكانت الهند من أكبر المستفيدين. فقد سمح النفط الروسي المخفَّض السعر، الذي أُعيد توجيهه بعد انسحاب المشترين الغربيين، للهند بالحصول على طاقة ميسورة الكلفة وكبح التضخم. وبالنسبة لروسيا، تحولت الهند إلى زبون حيوي.
وعلى الرغم من اضطرار المصافي الهندية إلى خفض مشترياتها مؤخراً بسبب العقوبات الأمريكية على بعض المصدّرين الروس، فإن قنوات التجارة التي تأسست خلال العامين الماضيين يتم إعادة استخدامها لقطاعات أخرى.
النتيجة: الضغوط الغربية لم تفصل روسيا عن الأسواق، بل زادت اعتمادها على شركاء آسيا — وفي مقدمتهم الهند.
شراكة استراتيجية قائمة على الحاجة المتبادلة
استبعاد روسيا من التمويل والتكنولوجيا الغربية جعل الشركاء غير الغربيين أكثر أهمية. والهند، بثقلها الاقتصادي والسياسي، تقدّم لموسكو أسواقاً وفرصاً وشرعية دولية.
أما بالنسبة لنيودلهي، فإن العلاقة تجسّد «التعددية في الاصطفاف». فهي توسّع تعاونها الدفاعي والتكنولوجي مع الولايات المتحدة، وتحافظ في الوقت نفسه على الروابط التاريخية مع موسكو، وتزيد واردات الطاقة الروسية، وتمتنع عن التصويت ضد روسيا في الأمم المتحدة — دون أن تتخلى عن شراكاتها الغربية.
هذه «الموازنة الدقيقة» ليست تناقضاً، بل جوهر استقلالية الهند الاستراتيجية.
الدفاع: الركيزة الأكثر ثباتاً
ما بين 60 و70% من العتاد العسكري الهندي روسي أو سوفيتي الأصل، ما يجعل تأمين قطع الغيار والصيانة والتحديثات أمراً يتطلب تنسيقاً سياسياً مستمراً. اتفاق RELOS الجديد — الذي يمنح الهند إمكانية استخدام منشآت روسية في القطب الشمالي — يعزّز التعاون العملياتي رغم جهود نيودلهي لتنويع مصادر التسلح.
تصريحات وزير الدفاع راجناث سينغ عن «ثبات» التعاون الدفاعي أكدت رؤية الهند لروسيا كشريك أمني طويل الأمد.
الاقتصاد يتصدر المشهد
للمرة الأولى منذ سنوات، أصبحت الأولويات الاقتصادية محور العلاقة. فقد اتفق الجانبان على رفع حجم التجارة إلى 100 مليار دولار بحلول 2030، وتقدم المحادثات بشأن اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتوسّع استخدام التسويات بالروبل والروبية.
وشملت التطورات البارزة:
- العمل على ممر دفع BRICS وربط أنظمة الدفع بين RuPay وMir
- خطط لإمدادات وقود روسية غير منقطعة
- توسيع التعاون النووي المدني، بما في ذلك المفاعلات الصغيرة العائمة
- اتفاقات حول المعادن الحرجة لتقوية سلاسل التوريد
- أطر جديدة لتنظيم تنقل العمالة وحمايتها
الاستقلالية الاستراتيجية كعقيدة وطنية
استضافة القمة وتوسيع التعاون الاقتصادي مع روسيا يرسلان رسالة واضحة: الهند ستتحرك وفق مصالحها الوطنية مهما كان الضغط الغربي. أما بالنسبة لروسيا، فالتقارب مع الهند يخلق توازناً ضرورياً وسط زيادة اعتمادها على الصين.
شراكة يحركها الواقع لا الحنين
صور رئيس الوزراء ناريندرا مودي وهو يستقبل بوتين في المطار ويقوده إلى العشاء ويهديه نسخة روسية من «بهاغافاد غيتا» عكست دفء العلاقة، لكن مضمون القمة — اللوجستيات الدفاعية، ضمانات الطاقة، الأطر الاقتصادية — أظهر أن العلاقة تُبنى على الواقعية والحسابات طويلة الأمد.
الخلاصة
العلاقة الهندية–الروسية أثبتت قدرتها على الصمود في وجه التحولات العالمية، وهي علاقة استراتيجية براغماتية تستند إلى المصالح لا الشعارات — وتزداد أهميتها مع كل أزمة يعبرها النظام الدولي.





