إخوان عبود الزمر .. بين "فقه الأسير" و"فقه الضرير"

25.08.2020, 18:05, القاهرة

عمر فاروق: سبقت الجماعة الإسلامية، كل من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، في التأصيل الشرعي للقتل بالذبح (قيام القيادي علي الشريف بذبح مدير أمن اسيوط، ووضع رأسه على المكتب، عقب اغتيال الرئيس السادات  مباشرة عام 1981).

سطرت الجماعة الإسلامية بالقاهرة تاريخها الدموي بالكثير من مظاهر التطرف والتكفير والعنف، مؤمنة بقضية التغيير وفقا للصدام المسلح مع رأس الدولة، وليس بالاحتكاك المباشر مع بالقواعد الجماهيرية، في تحقيق مبتغاها من السيطرة على الحكم، والإدعاء بتطبيق الشريعة الإسلاميةوخلال تلك المسيرة الملطخة بالدماء التي سالت على أرض الوطن دون وجه حق، حققت فيها الدولة المصرية وأجهزتها نجاحا يحسب لها مؤقتا، في قدرتها على إحكام سيطرتها على قيادات تلك الجماعة،  وتحجيم جناحها المسلح، وتجفيف منابع التجنيد والاستقطاب إلى كياناتها الداخلية والخارجيةفوافقت على مبادرة "وقف العنف"، التي طرحتها قيادات الجماعة الإسلامية، في يوليو عام 1997 ، ودخلت حيز التنفيذ عام 2001،  وكانت بمثابة نجاة للهروب من جحيم السجون  وقسوتها.

 

لكننا مازلنا أمام اشكالية وجدلية تصحيح المفاهيم، وتفكيك التنظيم، نتيجة المرواغات والموائمات التي اتبعتها الجماعة الاسلامية في تعاملها مع مبادرة وقف العنف، واتجاهها لطرح مبادرات من حين لأخر تسعى من خلالها لتكون في كنف الدولة المصرية، وايجاد ظهير وحاضنة تمكنها من الاستمرار ككيان سياسي محسوب على تيار الإسلام الحركي.

 

أدبيات العنف

 

أولاً: تأسست الجماعة الإسلامية في مهدها بدافع "الدعوى"، فكانت أول جماعة تنظيمية تشكل لجاناً استعملت العنف الممنهج تحت مسمى "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"،  ونشرت فروعها في مختلف ربوع مصر، وأرهبت بها المجتمع المصري، ونصبت من نفسها قاضيا يصدر أحكاما على أفعال الناس دون وجه حق، واغتصبت حقا من حقوق الدولة.

ثانياً: أصلت الجماعة الإسلامية في أدبياتها لفكرة تكفير الحاكم ورجاله تكفيريا عينيا، ووجوب قتالهم تحت قاعدة "قتال الفئة الممتنعة"، أي التي امتنعت عن تطبيق الشريعة الإسلامية.

ثالثاً: تبنت خطابا ظاهراً ينادي "بالعذر بالجهل"، وخطابا أخر سريا يكفر عوام الناس، تحت لافته جاهلية المجتمع التي استقوها من فكر سيد قطب و المودودي، وهو ما يدفع في النهاية إلى أن ديار مصر ، ليست ديار إسلام، ومن ثم يستحل دماء أهلها، وإن لم يكن علنا، لكنها يحق لها "التوقف والتبين" من ايمان الآخرين، فانطلقت عملياتها نحو الأقباط، والمثقفين والكتاب غيرهم.

رابعاً: سبقت الجماعة الإسلامية، كل من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، في التأصيل الشرعي للقتل بالذبح (قيام القيادي علي الشريف بذبح مدير أمن اسيوط، ووضع رأسه على المكتب، عقب اغتيال الرئيس السادات  مباشرة عام 1981).

خامساً: استخدمت في عملياتها التفجير والاغتيالات المباشرة في صراعها مع الدولة المصرية.

سادساً: كانت الجماعة الأولى التي اعتمدت فكرة الخلايا العنقودية المسلحة على يد رفاعي طه.

سابعا: خططت بالتحالف مع تنظيم الجهاد لعملية اغتيال الرئيس السادات، وإقامة ثورة إسلامية في ثمانينات القرن الماضي، واستكملت مسيرة العنف بدعم من اسامة بن لادن والنظام القطري حينها.

 

اشكاليات الواقع

 

اولاً: آمنت الغالبية العظمى من قيادات وعناصر الجماعة الإسلامية في مصر، بقاعدة فقهية مكنتها من شرعنة ما تسطره من "مراجعات فكرية"، وهي "فقه الأسير".. مايعني أن ما تطرحه ويصدر عنها بين جدران السجون لا يمثلها تمثيلا فكرياً صريحاً، فهي أشبه برجل يعلن كفره صراحا بواحاً أمام أعدائه هروبا من العذابومن ثم ترى أن ما تم من مفاوضات سياسية أو آراء فقهية يدخل في حيز "فقه الأسير"، ويعتبر وفقا لعلم السياسة "تكتيكاً" للهروب من قبضة  الأمن،  أو "تقية" من الجانب الشرعي، وتحيين فرصة تموضع التنظيم مرة أخرى في بيئة أكثر ملائمة تمكنه من تحقيق أهدافه والإعلان عن رؤيته في وضح النهار.

 

ثانياً: عقب خروج عناصر الجماعة الإسلامية من السجون، وجدت نفسها مقيدة بضوابط أمنية صارمة تعجزها عن تبديل أو تغيير أفكارها ومواقفها، أو اثبات ما كانت عليه في الماضي علنا أمام الرأي العام، فالتزمت ما طرحته تحت قاعدة "فقه الأسير"، فهي لم تحصل علي حريتها المطلقة، ولم تتبدل الأحوال.

 

ثالثاً: كانت فرصة سقوط نظام مبارك عام 2011،  البداية الحقيقية للإفراج عما بداخل النفوس، والإعلان عما آمنوا به من تكفير للنظام الحاكم، والاعتقاد بضرورة الجهاد المسلح، والسعي في إقامة الدولة الإسلاميةلكنها وجدت السياق العام للأوضاع السياسية غير مهيئ، من قوى سياسية ومدنية لاترغب في وجودها، أو في قوى دينية لا ترغب في منافستها.

 

فلا يمكن لها أن تتبرأ صراحة على الملأ، عما سطرته من آراء فقه وتشريعية، واكتفت به في خطابها "الغير معلن"، وسعت للتعريض بنظام مبارك، من محاولة اخضاعهم واجبارهم على مبادرة وقف العنف، وأن جهاز أمن الدولة هو الذي صاغ بنودها، كنوع من تبرأة الذمة، والتفاخر بالتاريخ الدموي للجماعة وقياداتها، ولعل المدقق يجد أن رفاعي طه، الرئيس السابق للجناح العسكرى للجماعة الإسلامية، قُتل في أبريل 2016، اثناء قيامه بتدشين معسكراً جهادية مسلحاً باسم الجماعة الإسلامية في سوريا،  بينما يعتبر عبد العزيز موسى  الجمل، أحد المفوضين من قبل ايمن الظواهري لإدارة المشهد داخل الاراضي السورية، وكذلك محمد شوقى الإسلامبولى، شقيق خالد الإسلامبولي، مازال محرضا ويتنقل بين سوريا وتركيا، فضلا عن قيادات الجماعة الإسلامية الذين قتلوا في معسكرات القتال أمثال أبو العلا عبد ربه،  أحد المتهمين بقتل المفكر المصري فرج فودة، وقد لقي مصرعه في سوريا في مارس 2017.

وهنا نجدها لجأت إلى قاعدة فقهية أخرى تحت مسمى "فقه الضرير"، وتعني أنها مازالت في طور الضعف والعجز والهزيمة وعدم وضوح الرؤية، التي تمكنها من تطبيق الجهاد المسلح، وتحقيق حلم الدولة الإسلامية.

 

أبجديات مرحلة "فقه الضرير"

 

-  قدمت نفسها كمرجع تاريخي جامع للحركة الجهادية المسلحة بتنوعاتها المتعددة، فبلورت سعيها في التحريض المطلق للجهاد في مناطق الصراع المشتعلة وقتها في سوريا والعراق ولبييا، واليمن، دون المشاركة الفاعلة لاعتبارات الضعف العجز.

-  الإطاحة بالقيادات المحسوبة على أجهزة مبارك، والدفع بالنموذج الأقوي على تمثيل المرحلة الجديدة مثل عبود وطارق الزمر، وعصام دربالة، وعاصم عبد الماجد.

-  عمل عدد من كوادرها  كـ"سماسرة" لاستقطاب العناصر الجديدة، تحت لافته "نصرة الجهاد" في الوطن العربي، والمشاركة في معسكرات الصراع في كل من سوريا وليبيا.

- شارك عدد من عناصرها بشكل فاعل في تأسيس عدد من الكيانات والخلايا التكفيرية المسلحة داخل مصر، لاسيما الموالية لتنظيم القاعدة.

- أعلنت المشاركة في الحياة السياسية "تكتكياً"، وليس من قبيل الايمان بالحياة البرلمانية والتشريعية، لكنها رغبت في اثبات الوجود و إعادة التموضع، والظهور للرأي العام تحت لافته "التعددية الحزبية والسياسية"، والدخول في لعبة الصفقات السياسية،  حتى تتمكن من السيطرة على مفاصل الدولة وأجهزتها ، سعيا في إقامة الخلافة الإسلامية،  ولن تتأخر في استخدام الدم في مواجهة من يقف في طريقها.

 

البحث عن دور

 

أحدثت عملية الإطاحة بالإخوان (حليف الجماعة الإسلامية)،  من حكم مصر، انقلاباً في المشهد الداخلي للتنظيم، إذ لم تعد قيادات الجماعة رؤية واضحة تقدمها لعناصرها في تلك المرحلة، لاسيما أنها تماهت مع أدبيات "فقه الضرير"، في التعامل مع الأحداث، و الأمور.

 

لكن كانت تلك اللحظة كاشفة بشكل حقيقي عما تؤمن وتتمسك به قيادات الجماعة الإسلامية من عنف مؤجل لحين انتفاء موانع اقامة الجهاد المسلح وتطبيق الشريعة، أو الدخول في تحالفات وكيانات مشابهة تحقق لها قدرا من الهدف المرجو، كالإخوان أو غيرهم من فصيل الإسلام الحركي:

 

  1. مشاركتها الصريحة في مختلف التظاهرات والفاعليات والاشتباكات المسلحة التي وقعت بين الأجهزة الأمنية المصرية وبين تيارات الإسلام السياسي وحلفاء الإخوان عقب 30 يونيو 2013.
  2.  تحالفهم مع الإخوان في كيان ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، والدفاع عن شرعية محمد مرسي.
  3. تورط عدد من عناصر الجماعة الإسلامية في عمليات عنف ممنهج، والقاء القبض عليهم.
  4.   سعيهم للانتقام من أقباط الصعيد تحديداً، والتخطيط لعمليات ضد الكنائس، تم اجهاضها من قبل أجهزة الأمن وقتها، لاسيما في محافظة المنيا، مركز الجماعة، بحجة دعمهم للرئيس عبد الفتاح السيسي في الإطاحة بالإخوان من الحكم.
  5. هروب عدد من القيادات خارج مصر، والتعاون مع دول معادية لمحاربة ومهاجمة الدولة والنظام المصري.
  6. دعمهم لمجموعة من المبادرات لإنهاء الأوضاع بين الاجهزة الأمنية وبين قيادات الإخوان، على أن يتم الإفراج عن مرسي واجراء انتخابات جديدة يكون الإخوان طرفا فيها، وهي محاولة للدفع بتيارات الإسلام السياسي للمشهد مرة أخرى، وليس بهدف تأكيد شرعية الدولة المصرية.

 

مسارات العودة للمشهد

 

الجماعة تدرك جيدا أنها الأن عاجزة بشكل كامل ولم تعد قادرة على أية مواجهات في ظل حسم الموقف لصالح الدولة المصرية، فمزجت حالياً بين فقه الضرير وفقه الأسير، وطرحت عدة مبادرات أهمها مبادرة عبود الزمر،في ديسمبر 2018 ، لتحقيق عدة أهداف :

أولاً: الدخول في مفاوضات والوقوف أمام النظام السياسي الحاكم على قدم المساواة، في حسم المواقف والأمور.

ثانياً: محاولة ارساء شرعية تواجد التنظيم كقوة موجود في الشارع، وأنها مازالت تحتفط بهيبتها مهما جرت عليها الأقدار.

ثالثاً: التأكيد على أن مشروع الجماعة الإسلامية لم ينته ولن ينتهي وأنها باقية ومستمرة، كونها مرجعية شرعية لمختلف حركات الجهاد المسلحة.

رابعاً: رغبة الجماعة الإسلامية في الدخول تحت عباءة الدولة المصرية ورعايتها مايحقق لها أكبر قدر من المكاسب، على المستوى البعيد، وتمكينها من إعادة هيكلة التنظيم، وطرح نفسها على أنها قوى سلمية بديلة لجماعة الإخوان، أو لحزب النور، للخروج من أزمة تجفيف منابع التجنيد والاستقطاب التي شهدتها على مدار سنوات طوال.

 

عمرو فاروق- باحث في شؤون تيارات الإسلام السياسي، مركز خبراء "رياليست".