قانون مناهضة العنف ضد المرأة الإيرانية لا يزال مجهولا؟

14.10.2019, 19:01, القاهرة
إن الحكومة الإيرانية عقب الثورة قد لعبت دوراً مؤثراً فى ترويج ثقافة اضطهاد المرأة وتصعيد وتيرة العنف ضدها وترسيخه، خاصة مع تجاهل السلطة للممارسات العنيفة ضد المرأة وسن القوانين المجحفة لها، وهو ما يفسر الدافع الأساسى وراء الاحتجاجات النسائية التى شهدتها إيران في الآونة الأخيرة.
مصدر الصورة: الإندبندنت الفارسى
 
لا يزال مشروع قانون حماية المرأة الإيرانية من العنف فى انتظار التصديق عليه من قبل البرلمان، رغم مرور أكثر من 6 سنوات على طرحه وإدخال عدد من التعديلات عليه. 
 
ترحيب نسوي
 
رحبت أغلب النساء الإيرانيات بهذا القانون، خاصة وأن عدم وجود قانون يحمي المرأة بشكل عام مازال محل خلافات عديدة فى المجتمع الإيراني، حيث يعود جزء من هذه الخلافات إلى قضايا ثقافية واجتماعية كانت سائدة سنوات طويلة قبل الثورة الإيرانية عام 1979م، وهى الخلافات التى تمتد جذورها إلى النظرة التقليدية المتمخضة عن المجتمع الذكورى فى إيران. 
أما الجزء الآخر فيتعلق بنظرة المشرع فى إيران التى يتبعها جدال حاد حول القضايا الإنسانية المشتركة بين الرجال والنساء. وعلى الرغم من أن العديد من دول المتقدمة والنامية قد أدرجت حالياً فى دساتيرها قوانين للمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، إلا أن فى دول مثل إيران تسعى إلى استخلاص كل قوانينها من قلب الشريعة الإسلامية، تواجه نساء هذه الدول تحديات حقيقية.
 
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قبل الثورة الإيرانية كان المشرع فى إيران يسن قوانيناً مثل قانون "حماية الأسرة" الذى كان يعد طفرة كبرى لضمان حقوق المرأة، ولكن القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية والقوانين التقليدية قد حلت سريعاً محل القوانين المدنية التى كانت سائدة قبل الثورة.
 
قانون حماية المرأة الإيرانية من العنف
 
على أية حال بعد مرور ما يقرب من أربعة عقود على الثورة الإيرانية التى ترتب عليها إلغاء قوانين حماية المرأة، قررت الحكومة الإيرانية إعداد مشروع قانون "حماية النساء من العنف"، حيث تم بحث هذا القانون تشريعياً وشرعياً، وسُلم إلى السلطة القضائية التى ألحقت به عدداً من التعديلات، على أن يتم عرضه على البرلمان للتصديق عليه بشكل نهائي. ويتضمن مشروع هذا القانون بعد التعديلات، 77 مادة، تندرج تحت 5 أقسام مختلفة، وهي:
 
 "جرائم العنف الجسدي، وجرائم العنف النفسي، وجرائم ضد الشرف والأخلاق العامة، وجرائم ضد حقوق الأسرة، وجرائم ضد حقوق المرأة وحريتها".
 
 
رئيسة المجلس الثقافي والاجتماعي للمرأة الإيرانية تعارض قانون حماية المرأة من العنف!!
 
ومازال يواجه هذا القانون مشكلات عديدة من قبل المؤسسات الحكومية والمراجع الدينية فى إيران، حيث يعتبر معارضو هذا القانون أنه لطمة كبرى لكيان الأسرة وأطر الزواج فى إيران، ويروا أن التصديق عليه سيلحق أضراراً كبيرة بالمجتمع. كما يعتقد المعارضون أنه مع تفعيل قانون حماية المرأة الإيرانية من العنف سوف تحدث تغييرات جذرية فى العلاقات الأسرية المتعارف عليها، مما يسفر عنه فى نهاية الأمر فتح آلاف الملفات الجنائية فى الدوائر القضائية. 
 
 وكان من المثير للدهشة أن الناشطة الأصولية، ورئيسة المجلس الثقافي والاجتماعي للمرأة، وعضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية، ومدير وحدة دراسات المرأة والأسرة فى معهد الثقافة والمعارف الإسلامية السیدة "زهراء أية اللهى"، وهى أحد تلاميذ الخميني، قد بعثت برسالة إلى صحيفة "كيهان" التابعة للدولة، تنتقد فيها هذا القانون، حيث كتبت: "أن مسودة قانون حماية المرأة الإيرانية من العنف تهدد السكينة والألفة فى الأسرة، وتحول البيت إلى ساحة للصراع بین الرجل والمرأة من أجل تخلى المرأة عن مسؤوليتها، وزعزعة الرجل من مكانته الأساسية كرب للأسرة.
 
 إن هذا القانون يقوم على الدفاع عن المرأة بدون قيد أو شرط، ولم يأخذ فى اعتباره السلوك العنيف للمرأة ضد الرجل، فمع الدفاع عن المرأة بدون أسس سيبيح ذلك نشوء ممارسة نسائية عنيفة ضد الرجل"، كما اعتبرت السيدة زهراء أن هذا القانون يدافع عن "العاهرات"، وليس "الشريفات والمظلومات"؟!..
 
وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة بين النشطاء فى مجال حقوق المرأة الإيرانية، وهو ما يؤكد بشكل جلى أن أداء الساسة الإيرانيين سواء كانوا رجالاً أو نساءً قد أسفر عنه تصعيد وتيرة العنف ضد المرأة، وهذا يعنى أن الممارسات السياسية والثقافية القمعية قد تحولت إلى سلوك طبيعى وأصبحت أداة أساسية ترتكز عليها السلطة الحاكمة فى إيران من أجل البقاء فى الحكم. 
 
 
الحكومة الإيرانية ترسخ مبادئ العنف ضد المرأة
 
والحقيقة إن الحكومة الإيرانية عقب الثورة قد لعبت دوراً مؤثراً فى ترويج ثقافة اضطهاد المرأة وتصعيد وتيرة العنف ضدها وترسيخه، خاصة مع تجاهل السلطة للممارسات العنيفة ضد المرأة وسن القوانين المجحفة لها، وهو ما يفسر الدافع الأساسى وراء الاحتجاجات النسائية التى شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، فالنساء الإيرانيات يمارس ضدهن اضطهاداً جنسياً وعنفاً ممنهجاً باعتبارهن مواطنات من الدرجة الثانية، ويتم حرمانهن من حقوقهن الأساسية بذريعة القوانين المستمدة من الفقة التقليدى والتقاليد القديمة الموسومة بالجهل، ففى أغلب المدن والقرى الإيرانية تعانى النساء والفتيات من الاضطهاد الاجتماعى، ويتمثل ذلك فى عدم إتاحة فرص متكافئة فى العمل، وفرض قيود متشددة على اختيار الملبس، وخاصة فيما يتعلق بالحجاب الإجبارى، وإجازة الزواج القسرى فى المدن التقليدية والمناطق الريفية، وإجازة الضرر اللفظى والجسدى للمرأة سواء من قبل السلطة أو الأفراد، وعدم قدرة المرأة على التجوال وحدها فى ساعات الليل.
 
وأحياناً تشكل السياسات الذكورية فى المجتمع الإيرانى كذلك أداة عنف ضد المرأة، ومن أمثلة ذلك، الاستغلال الجنسى للفتيات، خاصة فى فيما يتعلق بتشريع زواج القاصرات، وقمع الحريات العامة والاعتقال والجلد بتهم الإخلال بالنظام العام والعصيان السياسى والاجتماعى المتمثل فى الظهور العلنى دون تغطية الشعر والجسد بالكامل، أو بعبارة أخرى بدون ارتداء "الزى الإسلامى التقليدى"، والفصل بين الجنسين خلال المراحل التعليمية والمؤسسات الحكومية، وقمع الناشطات فى مجال حقوق المرأة، والحرمان من تقلد المناصب السياسية والسيادية، والحماية القانونية التى توفرها قوانين الأسرة والمواريث للرجل.
 
 

 

د. محمد سيف الدين- دكتوراه فى الأدب الشعبي الفارسي، وخبير فى التاريخ والأدب الإيراني، خاص لوكالة أنباء "رياليست"