من الحوار إلى التحالف بين الحضارات

25.06.2020, 18:04, باريس

من المبادئ الأساسية لهيئة الأمم المتحدة ومعها الأونسكو، الفكرة التي تؤكد بأن في الحوار القوة على إحتواء النزاعات، وأن التنوع هو ينبوع الغنى والخير للجميع. وأن شعوب العالم يوحدها بشكل أقوى المصير المشترك، هذا الذي لا يؤثر بدوره على التمسك بعراقتها. إن هيئة الأمم المتحدة وبالصيغة التي جرى الإتفاق عليها، يمكنها أن تشكل المجال الأصيل للحوار بين الحضارات والملتقيات، التي بإمكانها أن تغني وتنتج ثمارها على كل مستويات النشاط الإنساني.

 

 هذه الكلمات ليست لي بل هي شكلت "لوغوس" إحدى الخطابات الهامة التي ألقاها الأمين السابق لهيئة الأمم المتحدة كوفي أنان في السنة الأولى من بداية الألفية الثالثة. مضت عشرة أعوام على كلام الوجه الأول في أعلى هيئة دولية، وخلالها نظمت في العديد من البلدان مئات إن لم يكن الآلاف من الندوات والمؤتمرات، وأصدرت الأبحاث والكتب بالكثير من اللغات عن ذلك. ومن هذا المجال تبرز العديد من الأسئلة الملحة والحيوية والتي سأحاول الإقتراب من ملامسة أجوبتها:

 

لماذا حراك ثقافة الحوار بين الحضارات والأديان المختلفة ما يزال الإهتمام فيه في الغرب ضعيفاً، وفي الوقت نفسه ليس مرغوباً فيه لدى حملة العقائد التوتاليتارية والفرق الأصولية المتعددة في عدد كبير من بلدان الشرق وتحديداً الأوسط منه؟

 

ما هي المبادئ الدينامية والعوائق الجادة والتمنيات المرجوة التي ترافق ليس فقط مسيرة الحوار بل أيضاً الرغبة بالشراكة الفعلية للحضارات؟

 

وفي الحصيلة ما هي العبر التي يمكن استخلاصها من الحراك العالمي المنشط للحوار والذي يمكنه أن يكون الأسس العقلانية الضامنة للشراكة الفعلية بين الحضارات؟

 

لا أدعي الجواب الحاسم على هذه التساؤلات، بل على العكس من ذلك، أترك الأسئلة مفتوحة عل كل متغيرات التفكير والسلوك الإنسانية حولها، إلا أنني سأحاول خط التمرين الأولي للإجابة، علَّ هذا يسهم برسم المعالم الأولى للمشهد الدولي الهادف لتنشيط وتعميق هذا الحراك الدولي حول الحوار والساعي للشراكة العملية والعدالة بين الحضارات.

 

الحوار: أرخيولوجيا المصطلح

 

للحوار أصوله وشروطه وعوائقه ومرتجاه بين الحضارات والأديان، ألخصها بالنقاط التالية:

 

أولاً: قبل أن يبدأ الحوار العقلاني مع الآخر، يتوجب بداية أن يجريه المرء مع نفسه. يسعى فيه تحليل الجوانب المسالمة والأخرى الردعية في قوله وفعله. فالحوار الذي يرتكز على منطق العقل ومخزون العاطفة، يبدأ بالمقارنة المنهجية بين الشك واليقين، بين فكرة وفكرة، وبين سلوك وسلوك. وكل هذا يدور ضمن دائرة الإنسان الواحد، والعقيدة الواحدة، والدين الواحد، والثقافة الواحدة. والهدف من ذلك، ليس "المونولوغ" النرجسي مع الذات بل التوق الدائم للذات من أجل توسيع المقاربة العقلانية النقدية للذات نفسها، وتوسيع مساحات الحكمة والسلام والمحبة ضمن الدائرة الواحدة لتعميمها لاحقاً مع الدائرة أو الدوائر الأخرى.

 

ثانياً: لا بد أن يكون في الحوار شريك منفتح. لأن في الحوار المنفتح تتلاقى روح الطرفين ومعهما رغبتهما المشتركة في المزيد من التقارب والتفاعل. في الحوار تتحقق الشراكة المتبادلة بين المتكلمين. فكل طرف يحمل أفكاره وتجاربه ونصوصه وحقائقه. وفن الحوار هو القدرة على تبيان حقيقة وجهة نظر سلوكية الآخر.

 

ثالثاً: المساواة أمام نقاط القوة ونقاط الضعف في حضارات شعوب الغرب والشرق أمام الإنسان كقيمة كونية وأمام خالق الإنسان والكون. فلكل منا نقاط قوته وضعفه حيال كل المسائل الوجودية الحياتية.

 

رابعاً: الاحترام التام للآخر وقبوله والإصغاء إليه. فالحوار لا يقوم على محاولة إقناع الآخر بصحة أقواله ونصوصه وتجاربه من خلال دحض أقوال ونصوص وتجارب الآخر، بل يتوجب أن يستند إلى التوضيح والفهم والتعلم والتواضع. فالمبدأ السيكولوجي والسلوكي الذي يفترض أن يسير علاقتنا مع ذاتنا الثقافية ومع الذات الثقافية للآخر هو الإقرار بمبادئ الموضوعية والنسبية في النظرة إلى إسهام كل واحد من في صنع الحضارة.

 

خامساً: يفترض أن يكون المحاوِر ذو إرادة حرة. فالحوار يستدعي من صاحبه الاستقلالية في الرأي والحكمة والإطلاع المعرفي الواسع، لا التقيد الصارم بحرفية النصوص، والطاعة العمياء لحراس العقيدة المستسلمة لمخلفات الذاكرة التاريخية المليئة بالمشاحنات.

 

سادساً: يتوجب أن يشمل الحوار كافة المستويات والمساحات والتجارب الإنسانية في العالمين لعل أبرزها:

 

أ‌-حوار المفاهيم حول القيم الروحية والأخلاقية. وذلك بهدف السعي الحثيث لتفهم خطاب الآخر الديني والفكري والثقافي والتاريخي. وهذا بدوره يسهم في التجديد الدائم للغة المعرفة ويعمق التفاهم والاحترام المتبادل.

 

ب‌-حوار الدنيويات، أي إقامة شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سائر الحقول العلمية للحياة، حيث تتعاون فيها المصالح وتتكامل العلاقة بين الحضارات.

 

ج‌-حوار المساجلة والنقاش و" المناقشة " الديمقراطية، من أجل تنشيط الروح العقلانية النقدية البناءة للذات والآخر.

 

د‌-حوار التجارب أي إخضاع التجارب الإيجابية والسلبية للمقاربة السوسيولوجية، بهدف التطوير الإيجابي والكشف المتواصل من أجل تلمس حقائق والوجود والواقع. فالضرورة الحياتية تقتضي القبول بأمانة بالجذور التاريخية للخلافات والاعتراف بالأخطاء. وهذه خطوة هامة من أجل إلتئام الجراح التاريخية وإرساء الثقة بالحاضر والمستقبل.

 

سابعاً: جدلية التأثر والتأثير في الماضي والحاضر والمستقبل. رغم أن سمة الوجود هي الصراع بين الأقوى والأضعف. هي السمة التي يحرص التركيز عليها أنصار الفلسفة الدارينية الإجتماعية ودُعاة الصراع الأزلي بين الحضارات والأديان، فإن على الذوات المفكرة في هذا الكوكب أن تركز على الخط الآخر في العلاقة بين الأديان والحضارات وهو خط التفاعل الإيجابي.

 

هذه هي المبادئ السبعة التي قد تشكل الصورة الأنجح التي تبدو لأول وهلة وكأنها مثالية يصعب كثيراً تحقيقها، لأن أمام الحوار، عوائق وشروط في علاقة كل عالم بالآخر. ولنحاول تبيان كل نقطة منهما.

 

عوائق الحوار

 

لكل عالم لغته أو لغاته، ودينه، ونمط تفكيره وسلوكيته. وهو بهذا متمايز لا بل مختلف عن الآخر. وهذه ظاهرة طبيعية متأصلة في التركيبة البشرية الطبيعية. ورغم أن الاختلاف يشكل العائق الطبيعي أمام أن يتماهى كل طرف مع الآخر، إلا أنه يفرض نفسه على أطراف الحوار، ليشكل الحوار بدوره واجباً حياتياً، واجباً أخلاقياً ودينياً، فهو لكونه حواراً بين أناس مختلفين، فإنه بحد ذاته مغامرة، يعني أنه يحصل بين بشر متنوعي المشارب الإثنية والثقافية وهنا قد يكمن العائق الأول.

 

العائق الثاني قد يكون الأساسي حسب رأي، لا يكمن في ظاهرة الاختلاف، بل إنه يتمثل قبل كل شيء بمعضلتين أساسيتين. الأولى تكمن في غياب النظرة الأنتروبولوجية المنفتحة على كل طاقات الإنسان الخيرة. والثانية غياب النظرة العقلانية للذات.

 

المقاربة الأنتروبولوجية للإنسان تنظر إلى التركيبة البشرية المكونة من عناصر بيولوجية ونفسية وعقلية حتى روحية واحدة.  والمقاربة الأنتروبولوجية للأديان على سبيل المثال قد تكون فيها مساحة الموضوعية أوسع من أي مقاربة أخرى تحمل طابعاً ضيقاً. هي تساعد على فهم الروح البشرية الواحدة الكامنة وراء خصوصية هذا الدين أو الشعب أو الثقافة.  ومن جهة أخرى إن في غياب النظرة العقلانية النقدية للذات، يكون المرء أسير تاريخه، ونصه ولغته الدينية والدنيوية الضيقة. مما يجعله مع الزمن يكرر أخطاءه ويجتر أوهامه ويعمق من رؤيته النرجسية الذاتوية لهويته وحضارته.

 

إن غياب هاتين النظرتين نستمدها بوضوح ليس فقط لدى سواد الناس، بل إن غيابها بارز في مقاربة النخب الدينية والثقافية التي تقود الرأي وتفبرك الوعي والأذواق لدى شعوبها، وهنا مكمن الخطر الأكبر. لأن في هذا الغياب يتشكل العائق الأبرز للرؤية الموضوعية العلمية الشاملة للإنسان والدين والثقافة.

 

العائق الثالث البارز هو ثقل الذاكرة التاريخية على البشر. فالخلافات بين حملة وحراس العقائد المتنوعة لها جذور متعلقة بتمايز النصوص والطقوس، ومرتبطة بالصراعات التي دارت بينهما على مدى عصور كثيرة على مناطق النفوذ، والتي أدت إلى صراعات ومشاحنات وحروب كثيرة.

 

فهذا يتطلب تواجد فريق عمل من الباحثين الكبار في التاريخ والسوسيوثقافة واللاهوت والفقه والسياسة، للانكباب على تأسيس إستراتيجية معرفية جديدة هادفة إلى الهدم التدريجي للإرث السلبي للتاريخ، وإلغاء الجدران العازلة بين الثقافات وفي هذا السياق ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف المرغوب، من الأهمية بمكان التركيز في الإستراتيجية المعرفية المنشودة على أربعة مهام:

 

أ‌-الدراسة المتأنية لمخلفات الذاكرة التاريخية ولقوتها الراهنة.

 

ب‌-اتباع المنهج المقارن بعين أنتروبولوجية موضوعية.

 

ج‌-دراسة حركة التجاذب بين اللغة الدينية واللغة التاريخية والفكر الذي يحمل هاتين اللغتين.

 

د‌-تبيان مسببات حالات التوتر بين ما يقوله العقل العلمي المتواضع وبين ما تفرزه المتخيلات الاجتماعية من أوهام ومخاوف دائمة. فالمعرفة والثقافة كما يقول المفكر م.أركون "تزداد غنى وانتشاراً، عندما تملك معايير دقيقة لتحقيق الحق والخير والجمال وبحيث لا يكون الحق والخير والجمال حقاً وخيراً وجمالاً بالنسبة للعشيرة أو القبيلة أو المجموعة أو الجماعة أو الأمة فقط، بل بالنسبة إلى مجموع البشر.

 

العائق الرابع الذي يحول دون فتح أبواب الحوار مشرعة، هو الجهل بالنصوص والنفوس. والجهل كما يقول الفيلسوف الألماني هولباخ هو أبو الخطايا. فهناك الكثير من نقاط الخلاف بين المؤمنين، لم يكن مصدرها الضغوطات الخارجية، أو محاولات الغزو والاقتناص التي تتلبس بثوب ديني، بل إن مصدرها هو غياب ثقافة المعرفة في جوهر النصوص الدينية نفسها التي تحضر بكثافة فيها روح المحبة والسلام والتعبد النقي لرب العالمين. فالذين يختلقون النزاعات والصدامات الكلامية والجسدية ويؤججون الحروب ويسفكون الدماء ويمارسون كل أنواع الإرهاب من أتباع هذا الدين أو ذاك هم الذين يركزون على نقاط الخلاف الحادة في كل نص ديني حيال النص الديني الآخر. بينما الذين يسعون إلى توسيع القواسم والمساحات الإنسانية المشتركة بين مريدي أو مؤمني الأديان المتنوعة هم الذين يسعون بصدق على تأكيد طهر الرسالة السماوية للأديان المرتكزة بشكل أساسي على المحبة والعدل والسلام الداخلي والرجاء بالحياة الأخرى ليس فقط لأبناء دينهم أو ملتهم بل لأبناء البشر كلهم.

 

العائق الخامس هو الصراع الضاري بين المقاربة العلمانية والمقاربة الدينية لقضايا الوجود والدنيا. فغياب الاعتراف المتبادل بالحدود المعرفية والإمكانيات العقلية والمادية والروحية لكل طرف يجعل مساحات التوتر دائمة الحضور بينهما. فالفكر الديني الذي يربط المصير البشري بمشيئة خالقه، ويحاول أن يضع مسافة بين الخالف والمخلوق، وذلك لكي يحرر الوهج الرباني من انحرافات الزمان والتحولات الدراماتيكية الدائمة في التاريخ وهذا، بلا شك شيء حسن.

 

 في حين نرى في المقابل بأن الفكر العلماني يربط المصير البشري وحوار الحضارات بالمسار العام للعملية التاريخية للبشر، أي بجدلية الحركة التاريخية المتغيرة دائماً، التي تترافق مع التغير الدائم لكل أنواع الوعي الاجتماعي للبشر. الفكر العلماني بهذا المعنى يحصر مجاله في شؤون الدهر، في شؤون الدنيا فقط.  وهو بهذا لا يريد أن يربط كل أشكال الوعي البشري بمرجعية نصية فوق تاريخية، فوق بشرية، أو بالمعنى الديني، بالمرجعية النصية المقدسة، الموحى بها من الله. وبهذا يضع الفكر العلماني نفسه خارج فكرة الخلاص أو الثواب والعقاب التي تشكل واحدة من الأركان الأساسية للنصوص الدينية الكلاسيكية.

 

بهذا المعنى يكون كل فكر سواء أكان دينياً أم علمانياً محرراً نفسه من قيود معينة، ومقيد في الوقت نفسه بمحاذير معينة. وهذا الأمر لا يشكل فقط الحاجز المعرفي الكبير في عملية الحوار الإنساني الشامل، بل إنه يخلق الشرخ الكبير داخل البنية الفكرية والثقافية للحضارة الواحدة والشعب الواحد، وحتى بين أبناء الدين الواحد من مؤمنين وعلمانيين.

 

ما لم تقوم العقول الحكيمة في الفكرين في هدم الهوة بين التاريخي والميتاتاريخي، بين المادي والروحي، والزمني والأبدي تبقى هذه المساجلة الحادة والمدمرة قائمة بين أبناء الجنس البشري الواحد.

 

العائق السادس الخلط بين البعد الثقافي للدين والبعد الطقوسي والتداخل المصطنع بين السياسي والديني.  كل هذا يقف حجر عثرة أمام إمكانية التعارف واللقاء الإيجابي ليس بين المجالين فقط، بل بين أبناء الشعب الواحد المنتمين الى أديان ومذاهب متنوعة. فالبعض يخلط مثلا ً بين المعرفة الدينية والوحي. فالمعرفة هي بكل بساطة القراءة البشرية للوحي. فإذا كان الدين الموحى مصدره الله فإن المعرفة أو الثقافة الدينية مصدرها البشر. والثقافة العميقة بالنصوص الدينية والعلمية تفتح أفق المرء للحوار. فبواسطة الحوار الخلاق المعتمد على ثقافة دينية واسعة تُفتح الأبواب لكل رئة دينية لكي تتنشق وجهة النظر الأخرى من أجل إضافة علامات مشرقة جديدة على فهم الحقيقة الدينية التي هي كل متكامل تتشارك فيها كل الأطراف من أجل إتمام الصورة الإيمانية عن الحقيقة الإلهية.

 

العائق السابع المتواجد في العوالم التي لم تتنشق بعمق وتهضم قيم العصر. ولعل البارز في هذا السياق هي الثقافة المنقوصة في الديمقراطية. فغياب الثقافة الديمقراطية والممارسة الديمقراطية في شق واسع من المعمورة يجعل معظم أنظمة الحكم منها أقرب إلى الأنظمة المتسلطة. والكثير من هذه الأنظمة التي لم تستطع أن تثبت حكمها بالاستناد إلى النظام الديمقراطي، تلجأ الى موروثها الديني أو السياسي القديم. ومن جهة أخرى نرى الغياب الكاسح لقيم الأخلاق في عقلية الحاكم في مجتمعات الغرب والشرق معاً.

 

المرتجى

 

هناك مساحات ثقافية وفلسفية ودينية وروحانية وسياسية واقتصادية واسعة، يمكن الحوار العقلاني حولها والاتفاق معاً على رسم استراتيجية تعاون وشراكة فعلية بين الحضارات في أكثر من مجال تأسيسي معرفي أخلاقي وعملي – حياتي.

 

فلكي تُحيي النخب الفكرية والشعوب الطاقة الإيجابية عندها، تدعوها الظروف والمتغيرات إلى ديناميات جديدة وإلى لغة جديدة للحوار تهدف الى تأسيس شفاف للشراكة الحقيقية بين الحضارات. هذه اللغة التي يفترض علمياً أن تتحرر من المفاهيم الماضية وأن تبتكر لغة معرفية ومنهجية مرتكزة على فكرة التكامل بين العلوم لاستحداث استراتيجيات جيو - سياسية وجيو - ثقافية جديدة واقعية، إنسانية – عادلة. فالمطلوب لا الركون إلى زهو الغرب المنتصر ولا إلى التحصن ضمن جدار الهويات المنغلقة، علينا أن نتعلم باستمرار كيفية التواصل الخلاق بين ما هو عالمي ووطني وكوني. ولعل هذا يتطلب فلسفة أخلاقية وثقافية وأمنية واقتصادية وروحية من نوع جديد تأخذ بعين الاعتبار المتطلبات المستقبلية التالية:

 

الأولى، العمل من أجل تأسيس أخلاقيات عالمية للتواصل بين الأفراد والجماعات والشعوب والحضارات. تتشكل فيها مبادئ الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة والتعاون والتضامن والعدالة الاجتماعية مبادئها وفلسفتها الأساسية.

 

الثانية، التركيز على تعميق ونشر فكرة التنوع الثقافي والديني والروحي التي احتضنتها الأونسكو بشكل واضح منذ إعلانها عن وثيقتها الشهيرة حول هذا الموضوع في عام 2001.

 

الثالثة، إذا كانت ردة فعل النخب والشعوب على التطرف المادي وعلى محاولة تشيين كل شيء وعلى سيادة الثقافة الاستهلاكية، وإذا كان الجواب يجده الكثيرون بالتركيز على البعد الروحي للشخصية الانسانية، والذي يتوجب أن يكون هذا من اختصاص النخب الدينية والعاملين في مؤسساتها، فإن المطلوب من هذا النخب، ومن باب الحرص على قداسة الرسالة الدينية وعلى خلودية الجانب الروحي في الحياة، أن تهتم بتقديم الطعام الروحي الأكثر طهارة وكثافة من ناحية الأخلاق والإبتعاد عن مغريات الدنيا، لا الإنغماس في لعبتها وإغراءاتها السياسية والمادية كما يظهر لدى ممثلي المؤسسات الدينية.

الرابعة، التحرر من وهم الهويات المغلقة وخطر الأصوليات والعمل على تعميق الانتماء بالمبادئ والقيم الإنسانية المشتركة.

 

الخامسة، الإبتعاد عن التماهي والإنصهار والذوبان في مسار النموذج الواحد والإقرار بأن لكل شعب هويته. بيد أن هوية كل شعب، لا بل هوية كل فرد مركبة، متغيرة، متفاعلة بشكل دائم بين الأنا والآخر، بين الكوني والمحلي.

 

السادسة، إذا كانت مسيرة العولمة بوتيرة نموها التكنولوجي والمعلوماتي هي أمر واقع ومحتوم، فإن الحرص على الجانب المسالم والأكسيولوجي في الشخصية الثقافية للشعوب هو واجب أخلاقي وإنساني للقوي والضعيف، للحاكم والمحكوم، للنخب والجماعات الثقافية والدينية.

 

السابعة، خلق آليات وديناميات جديدة للتواصل والتبادل والتفاعل بين مجمل الحضارات والثقافات من أجل أن يكون العالم موطناً رحباً يستوعب الجميع، وفي هذا السياق يهمني أن ألفت القيمين على منظمة الأونسكو لأن يولوا الإنتباه الخاص والإحتضان والدعم للوثيقة التي حضرتها مجموعة من العلماء المبدعين من أكثر من قارة التي تتضمن رؤية تكاملية مشرقة جديدة للحضارات ترسم خطة استراتيجية نظرية وعملية تهدف للشراكة فعلية بين الجيل الجديد من حضارة الإنسان في مجالات العلم والتعليم والثقافة.

 

الثامنة، لم يعد العالم يتحمل هذه الموجة الرهيبة من الحروب والصراعات، ولم يكون مصير الذين يضخون المال والقوة والمعرفة من أجل تأجيجها إلا النتيجة الكارثية لصانع القرارات والسيناريوهات وللذي يقاومه معاً. فرأفة بالحياة وبحاضر الإنسان ومصيره ينبغي إنعاش الطاقة الأخلاقية والانسانية الإيجابية لدى كل فرد وكل مجموعة وكل حكومة وكل حضارة، وهذه الطاقة لا يمكن أن نفسها وأن تنتعش إلا في التواصل والحوار والتعاون والشراكة الخلاقة، والعمل معاً على تعميق ونشر ثقافة السلام والمحبة بين كل الشعوب والحضارات.

 

وقد يكون خاتمة المرتجى هي واحدة من أبرز المهام، التي نأمل أن يفتح قلبه وعقله لها الحاكم والمحكوم، المؤمن والعلماني في محوري الشمال والجنوب، أن يطرح كل طرف على نفسه الأسئلة الملحة التالية:

إلى أي حد نعمل جميعاً من أجل تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية وتوسيع مساحة الأخلاق والتضامن بين محوري الشمال والجنوب، بين المحرومين والمعذبين في كل العالم؟ إلى أي حد يسهم كل واحد منا في الأخوة الإنسانية العامة من أجل تعميق أواصر المحبة والعدل والسلام والجمال بين سكان هذا الكوكب الذي نعيش عليه معاً والسعي للتناغم الدائم الخلق بين البعد البشري والطبيعي الإلهي والكوني لشخصيتنا الإنسانية؟

 فبهاتين الخاتمتين يكمن المرتجى الأكبر لمجمل سكان المعمورة وتكمن الحقيقة الساطعة للشراكة الفعلية بين الحضارات.

 

نُشرت المحاضرة المُلقاة في الأونسكو – باريس– 2011، على وكالة "رياليست"، من المصدر مباشرةً.

 

البروفسور سهيل فرح – أستاذ الحضاريات والفكر الغربي سابقاً في الجامعة اللبنانية – عضو أكاديمية التعليم والعلوم الطبيعية – رئيس الجامعة المفتوحة للحوار بين الحضارات.