الحضارة الروسية ...جبروت الزمان والمكان

07.06.2020, 19:53, بيروت
 
يوما تلو الاخر تثبت  روسيا  انها  الامبراطورية التي تمثل الرقم الصعب على خارطة الشطرنج الادراكية ،  الامبراطوية التي هزمت عند ابوابها  الممالك والدول الكبرى ، فقد كتبت نهايات نابليون بونابرت ، بنفس القدر الذي كتبت به نهاية اودلف هلتر .
تبدو اليوم روسيا  لا  سيما إزاء المحن المعاصرة  ، دولة فتية قوية تسعى لاستنقاذ مواطنيهواصدقاءها حول العالم ، وتكاد تماثل طائر الفينق الذي يستيقظ من رماده بعد ان يظن الجميع  انه ذهب الى  غير رجعة .
 
ولعل افضل من خبر مؤخرا  عن روسيا في مؤلف جامع مانع ، البروفيسور  " سهيل فرح " اللبناني الاصل ، الروسي الجنسية  ،  احد ابرز الوجوه الاكاديمية والفلسفية  على الساحتين العربية والروسية  على  مدى العقود الماضية  ، والحاصل على  وسام روسيا للصداقة  الذي قلده اياه الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف  عام 2011،  وهو العام الذي تم فيه اختياره  شخصية العام في ميدان العلوم في روسيا  .
 
شغل البروفيسور سهيل فرح العديد من المناصب العليا  في روسيا  كرئيس للجامعة  المفتوحة لحوار الحضارات ،ولا يزال ، ورئيسا لتحرير القسم العربي لموقع روسيا  العالم الاسلامي ، ونائبا  لرئيس المعهد العالمي لبيتريم سوروكين ونيكولاي كونرانوف ، ويضيق المسطح المتاح للكتابة عن ذكر اهمية الرجل .
والشاهد ان من يتطلع  لسبر اغوار روسيا  في الماضي والحاضر ، عليه بهذا الكتاب العمدة الذي لا يوجد مثيل له في المكتبة  العربية ،  لاسيما  وان الحضارة الروسية  قد اثرت في ثقافات العالم غربه وشرقه بقيم وخيارات انسانية سامية ، منها التسامح ،  التنازل ، والجماعية ، والوحدة  ، والسلام ،    وهذا ما غدا  بالحضارة الروسية  الى  ريادة المشهد الثقافي الانساني .
 
يضيق المسطح المتاح للكتابة عن الاحاطة بهذا العمل الموسوعي الكبير الذي يقع في نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة  ، عبر سبعة فصول يتناول الاول منها  فكرة سلطة المكان من خلال المدى الجغرافي وخصائص الطبيعة   وقوة الارادة  والجغرافيا الروحية للروس ، فيما  الفصل الثاني يحمل  عنوان اسئلة  الذاكرة التاريخية  ، ويساءل عن روسيا في سياق النظريات الحضارية ، عطفا على اشكالية  التاريخ في الحضارة الروسية  ، وفلسفة التاريخ الروسي .
 
الفصل الثالث  رؤية للمكونات الإثنية والدينية للشخصية  الروسية  ، ويتوقف فيه المؤلف عند الدين في المجتمع الروسي ، وهذه نقطة  غاية في الاهمية سيما  وان الكنيسة الارثوذكسية الروسية  مثلت الحاضنة التاريخية لروسيا  على مدى الزمان ،  اضافة الى  الحديث عن دور الاسلام في التركيبة الروسية  .
الفصل الرابع  ربما يحق لنا ان نطلق عليه اكثر فصول هذا الكتاب المثير والخطير أدلجة  ،  لا سيما  وانه يتعاطى  مع العقلية الروسية معالمها النظرية وتجلياتها  الحياتية ، وهنا  يدور الحديث عن العقلية الروسية  باي معنى  ، والسلوك النفسي عند الروس ، بجانب القيم الروسية  بحسب نظرة الداخل .
لم يكن للمؤلف الذي يحمل بين اضلعه ضميرا  روسيا حيا  وشفافا  ان يغفل الطاقة  الابداعية الروسية المتمثلة في  عظماء روسيا مثل  بوشكين  الشاعر الاكثر قربا  الى الوجدان الثقافي ، او دوستويفسكي وفكرة روسيا ، وغيرهما من الذين شكلوا الافق الروحي لروسيا العمى، في الفصل الخامس . 
فأما الفصل السابع فيتناول قضية المصطلح الاكثر حداثة في الاعوام الاخيرة" الجيوبولتيك "،  وعلاقته بالطاقة الروسية ، وفيه كنز معرفي عن الجيوبولتيك الروسي بين الشرق والغرب ، والانتلجنسيا  الروسية وماهيتها  ووظيفتها  ، عطفا على  روح البطولة  الروسية  امام تحديات الخصم .
 
اما الفصل السابع  والاخير  فعنوانه روسيا بين تحديات العصرن والعولمة  ، ويبدا من عند اين تعثرت  واين نجحت العصرنة في روسيا ،  والمرور بالحضارة الروسية في زمن العولمة  الثقافية  ، وسؤال التاريخ والمستقبل في الفكرة الروسية ، وختاما  بالمؤشرات المستقبلية  لتطور الحضارة الروسية .
يتساءل المرء متحيرا  كيف امكن لمفكر واحد ان يتناول هذه الاطروحات العميقة بجزالة الفكر ورصانة الاستقراء وبعد الرؤية ، ما يجعل من هذا الكتاب مرجعا لكل من يريد الاقتراب من روسيا  وفهم ابعادها الثلاثية عبر الزمن ، الماضي والحاضر والمستقبل .
في مقدمته الجامعة المانعة للكتاب يبين لنا المؤلف كيف ان هذا العمل يقيم منظومة  القيم ، التي حملها  الروس في تاريخهم ، يحاول دراسة  التجارب والفتوحات ، التي قامت بها  الاجيال الروسية ، في المجال الروسي . يسلط الضوء على  الارث الثقافي والعلمي والروحي ، الذي تركته الشعوب الروسية  عبر التاريخ في نقاط انتصاراتها  وتعثراتها . يركز على  دراسة الارث الذي تمثل  ويتمثل في وعي الروس  لقوانين التطور وقوانين الطبيعة  والمجتمع  ، في الفهم الوجداني والسلوكي  لانماط التفكير والسلوكيات ، يسلط الضوء على  حصيلة القواعد النفسية ، والمثل والمحفزات  (السلوكية  النفسية  ، الايديولوجية  ، الدينية )،  يرصد طرق نقل التراث الثقافي واشكاله من جيل الى  اخر.
 
ولعل السؤال الذي يطرحه  القارئ غير المتخصص في التاريخ الروسي :" ماذا عن منظومة القيم التي تشكل النسيج المجتمعي الجبار لهذا الشعب العريق ؟
 
قبل الجواب نسترجع قصة شهيرة جرت بها المقادير مع امبراطور فرنسا نابليون بونابرت  حين حاول غزو روسيا ، فقد وقع  بين يديه بعض الاسرى،  وجرت عادة الفرنسيين على  دمغ  يد الاسير بخاتم نابليون كي يبدو انه اسير ذليل لفرنسا.
 
حدث ذات مرة مع فلاح فرنسي هذا الامر ،  فما كان منه الا ان استل فاسه الحاد ، وقطع  يده بيده ،مع صيحة دوت في معسكر نابليون .." كلي لقيصر"، وساعتها عرف نابليون انه من فائدة  لمحاربة دولة هذا جيشها  ، وذاك نسيجها المجتمعي ومنظومتها القيمية.
 
في كتابه الطلعة هذا   يحدثنا البروفيسور فرح عن الجانب الاكسيولوجي ( القيمي )، في الشخصية الروسية وعنده أن الباحث عن المساحات المشتركة  بين الامم والحضارات ، يشعر  بنفسه وكأنه غريب ، يغرد في عالم غير هذا العالم ،   الذي تسود فيه " قيم " الحضارة  المادية الاستهلاكية  والتي تدعمها  رباعية المال والقوة والسلطة والمعرفة .
 
يتوقف بنا المؤلف المبدع  امام اكاديمي ومفكر روسي تعاطي بشكل عميق مع منظومة القيم الروسية ،  الروسي نيكولاي  نيكاندرف ،   والذي يستقي  منه عينة  فكرية  من الافكار التي تسلط  الضوء على جوانب متنوعة  من منظومة القيم الروسية   التي حبكها ، والتي تصل الى   الاربعين قيمة.
 يعتبر نيكاندروف  روسيا في المرحلة السوفيتية بمثابة الخروف  الضال الذي شرد  عن الساحة المسيحية  والدينية العامة ،   ويركز على الطابع  الروحاني  لقيم المجتمع  في جوهره الاخلاقي  والالهي والكوني ،  ومن هنا ياتي حديثه المستفيض  عن ابرز المعاني والمقولات  التي اتت بها تعاليم المسيحية والاسلام وسائر الاديان الناشطة  في الديار الروسية .
 
هذه المبادئ التي  ذكرها الكاتب وصلت الى  الاربعين قيم ابرزها :
 
التعاطف، الشعور بالامل ، الشعور بالامان ،  الرغبة في التواصل ،المروءة،  قوة الشكيمة ،  المبادرة ، العلاقة الدينامية بالحياة ،العدل، الايمان ، الاخلاص ، الشعور بروح الزمالة ، القدرة على التسامح ، حب الصداقة ، التهذيب ،  النفس الابية ،   الاندفاع للمساعدة ،  الشرف ، الطمانينة الداخلية ،  التفاؤل ، الطيبة ، المحبة ، الاصغاء للاخر ،  الصبر ، السلام ، الثبات على الراي والموقف السليم ، الاعتماد على المشيئة الربانية ،  الطموح ، التوبة ،  احترام الوسط المحيط ،  الشعور بالمسؤولية ،  القدرة على تنظيم السلوكيات الخاصة ،  القدرة على  مبادلة  المعروف ،  الاستعداد للثقة ،  الرجاء ، الحكمة ، تقديس الله رب الاكوان .
هذه المبادئ على  بساطتها  وعلى تردادها   المتواصل في كل الكتب السماوية  والارضية ، والحديث للبروفيسور " نيكاندرف"،  نحن في امس الحاجة  لها الان ، في ظل  هجوم قيم العولمة  الاقتصادية والثقافية  التي تعتبر كل هذه  المبادئ  والقيم كلاما  عتيقا  مضى عليه الزمن .
هل يعني هذا ان روسيا دولة  يوتوبية ومدينة فاضلة بحث عنها الفارابي ، وشاغبت عقل دانتي الليجيري ؟
 
 بالقطع لا بالمرة ، اذ تظل في كل الاحوال مجتمع بشري له ما له وعليه ما عليه ، لكن الفارق  ان لديها  رؤية وكتاب للقواعد الاخلاقية ترجع اليه من خلال كتابات الفلاسفة  والمفكرين ،  الادباء والفنانين ، رجال الدين والمتصوفين .
 فارق كبير وشاسع  بين اسس ذات ملمح وملمس روحاني وانساني ، وبين عولمة  لا تعرف الا قواعد الراسمالية المتوحشة ، والكسب السريع ، والهمينة  على  مقدرات الاخرين ، من غير أي ضوء على الطريق يعين ويساعد البشر على  ترقيتهم على  كافة الاصعدة الحياتية .
نقطة اخرى  ربما تقودنا الى  فهم نجاحات روسيا  المعاصرة  لا سيما في زمن فلاديمير بوتين ،  انها فهمها  العميق لاوضاع الجيوبولتيك الراهن والعلاقة ما بين الجغرافية والسياسية والتحركات التي تطرا على  العالم المعاصر لا سيما في العقود الثلاثة الاخيرة .
باختصار غير مخل في الجيوبولتيك الروسي المعاصر  او الراهن هناك سلم اولويات بحسب البروفيسور فرح ، يبدا بالتركيز على  الاستتباب السياسي  والامني والاقتصادي على المستوى  الداخلي ،  لينتقل خارجيا  الى التركيز  على  الدائرة  الاوراسية   الصغرى  المحيطة  بروسيا  .  من جهة الشرق والغرب والشمال والجنوب ، ليتوسع  بسلم اهتماماته وتوجهاتهه  ليشمل الدائرة  الاوربية بشقيها  الغربي والشرقي ، وليطل بحركته الافقية   وشبكة علاقاته  العمودية  نحو الشرق ، بكل تفرعاته  الاوسط والادنى والاقصى ،  وتتوسع  الدائرة  لتطال  الكوكب باسره  ، تضع هذه النظرة الجيوسياسية  الروسية الكوكبية   الولايات المتحدة بما تحمله  من ثقل جيوسياسي كوكبي  في مركز هواجسها  واهتماماتها.
 
 هل لهذا  باتت الاستراتيجيات الحديثة لحلف الناتو كما راينا في مؤتمره الاخير في لندن  اواخر العام الماضي ، تعيد موضعة  روسيا في مقدمة الدول المهددة  للحلف واعضاءه بجانب الصين ؟
احد الاسئلة المثيرة للتفكير بعد القراءة المعمقة لكتاب البروفيسور فرح غير الاعتيادي في اهميته :
 
" هل الروسي المعاصر استطاع ان ينجو مرة والى الابد من خطايا  العولمة  واثامها "؟
 
 بالقطع تبقى  التجربة واردة وحاضرة  ، لكن ما يعطي روسيا  المزيد من المناعة   هو وجود ضمائر حية  في المؤسسات الروسية العريقة  التي تختزن مخزون مقاومة ثقافية  وروحية كبيرة  ودور  الذوات المفكرة   في كل المواقع الرسمية وغير الرسمية هو الكفيل في كبح جماح هذا الوحش الذي لا  يهدد الانسان الروسي  لوحده  بل كل انسان عاقل حكيم على  هذا الكوكب .
 
ما الذي يتبقى  قبل  الانصراف ؟
 
السؤال المحوري الذي يتصدى له المؤلف ما هو مصير روسيا ؟
 
 والجواب ، مصير روسيا المشرق  رهن في اجتهاد العقل العلمي  وفي تطهير النفس من اغراءات الغزيرة  المنفلتة والسلطة المستبدة  ، رهن تنشيط الخيال  في رسم الملامح الابداعية  لادارة المكان والزمان  ولمساعدة الطاقات الابداعية  الظاهرة والكامنة  ،  في الذهنية  والسلوكية   الروسية من اجل  ان تفكر  وان تسهم بشكل فعال  في انتاج  قيم مادية وثقافية  جديدة .
 
الحضارة الروسية جبروت الزمان والمكان خارطة طريق في واقع الحال لحكومات العالم العربي بنوع خاص ولبقية المؤسسات العلمية والتعليمية  الراغبة في فهم ابعاد الحضور الروسي حول العالم امس واليوم وغدا  .
 
إميل أمين
 
المصدر: جريدة عمان