أوروبا بين إشكالية الإغتراب والإرهاب

29.11.2019, 23:13, برشلونة

فقانون علم الإجتماع يقر على أن الإقصاء، التهميش، اللامساواة العنصرية والظلم الاجتماعي يؤديان إلى الغليان والسقوط في فخ التطرف، إما في السجن نتيجة تمرير الفكر التكفيري عن طريق وسطاء أو الإنتداب بالإنترنت.

مصدر الصورة: South Beds News Agency

 

 مفهوم الإغتراب وأبعاده

قد يجد المرء نفسه في وقت ما، ولظرف ما، محاصراً بظروف من الشجن وضيق الحال، تدفعه إلى الرحيل بعيداً عن الأهل والوطن، والإنخراط في دوامة من العزلة والإغتراب. وعندما نتكلم هنا عن الإغتراب، فإننا نعني بذلك الحالة السيكو إجتماعيّة للإنسان عندما يكون غريباً بعيداً عن وطنه وأهله وعاداته وما يترتب عن ذلك من أنواع السلوك الإجتماعي من توثر واكتئاب نفسي وتمرد وصراعات داخلية تحل بالفرد، وخارجية بينه وبين الآخرين نتيجة اغترابه عن ذاته وعن مجتمعه وعن وسائل الإنتاج طالما أنّه لا يستطيع الوصول إلى الاستقرار والرضى و السعادة في عمله، الشيء الذي يؤدي به أيضاً إلى المزيد من الاضطرابات النفسية. وأمام تصاعد خطابات الكراهية ضد المسلمين بأوروبا، من جانب اليمين المتطرف بشكل عام، وحيث أن هذه السياسة أصبحت بالنسبة للمتطرفين اليمينيين بمثابة أرضية يعتمد عليها في تحامله على الأديان والأعراق المختلفة، أدى هذا إلى خلق استياء عام وسخط سياسي بين الشباب المغترب والأوروبي من أصول مسلمة باعتبارهم ركيزة المجتمع، وكذلك إلى صعوبة في التكيّف مع المجتمع المحتضن، نتيجة سياسات التهميش والإقصاء التي تمارسها في حقهم من لدن بعض الأحزاب المتطرفة الحاكمة بأوروبا، ناهيك عن عدم إحترام الخصوصيات الثقافية واللغوية والدينية والعرقية للمواطنين من أصول مسلمة، وفشل سياسات إدماج المهاجرين.

 

الإقصاء والتهميش الإجتماعي يشجع على انتشار العنف والإرهاب في مناخ يسوده كثرة الفراغ والوقت الضائع، ومتقدمون لشغل وظائف من المسلمين بحظوظ أقل بأربع مرات من غيرهم للظفر بمنصب عمل، و فرص تعليمية ومهنية غير متكافئة، الإقصاء الإجتماعي، ومشاكل العيش في دولة الرفاه في ظل اللامساواة والاستبعاد والتغييب الحاصل في الإندماج، فإن اغتراب المواطنين عن الحياة السياسية أو عن الحياة الاجتماعية، معناه الدخول في حالة من الإنعزال والتراجع من جهة، وحالة يقتنع فيها الفرد بأنه يعيش في غربة محكمة عن مجتمعه الجديد، الشيء الذي يؤدي إلى القطيعة معه والتبرم من قيمه، والتقوقع داخل جماعات صغيرة تتبنى فكرا متطرفا يشجع على الكراهية ونبذ الآخر. إذا كان قانون الفيزياء يقول: إن الضغط يولد الإنفجار .

 

فقانون علم الإجتماع يقر على أن الإقصاء، التهميش، اللامساواة العنصرية والظلم الاجتماعي يؤديان إلى الغليان والسقوط في فخ التطرف، إما في السجن نتيجة تمرير الفكر التكفيري عن طريق وسطاء أو الإنتداب بالإنترنت، وهو أمر خطير ووارد يشجع على تفشي الجرائم وانتشارالارهاب. الشباب الذين اتجهوا للتطرف، في الغالب هم شباب أبصروا النور وترعرعوا في بلدان أوروبا وحملوا جنسياتها على اختلافها، لكن لم يعد لديهم إيمان بالمجتمع الذي يعيشون فيه من جهة، ولم يستطيعوا تكوين علاقات جديدة مع أصحاب الأرض وإكتفوا فقط بالإلتفاف حول أبناء وطنهم الموجودين في دول الاغتراب من جهة أخرى ، ينقلون إليهم أفكارهم ومعتقداتهم المتطرفة.

 

فإحـسـاس سكان الضواحي بالتهميش والتغييب وعلى أنهم هم قوم غير مرغوب فيهم وأًنهم من الدرجة الثانية، أدى بهم إلى الشعور بالضيق والحيرة وعدم الوضوح والتناقض، يظهر على هيئة توثر واستعداد كبير للإنفجار ، و إلى التفكير في نشوة المغامرة والذهاب حيث جبهات القتال والجهاد. فمنهم من سافر مع المقاتلين نحو سوريا أو العراق أو ليبيا، للخروج من المازق أو إلى التوحد مع جماعة أو تنظيم إرهابي.

 

مصدر الصورة: جريدة العرب

فرنسا وإشكالية الأرضية الخصبة للتطرف والإرهاب تعتبر فرنسا من أكثر الدول التي تستهوي المسلمين للهجرة إليها، خاصة المتمركزين جغرافياً في الضفة المتوسطية الجنوبية والمغرب العربي ويعيش في فرنسا أزيد من خمسة ملايين مسلم يعدون أكبر تجمع للمسلمين في أوروبا، كما يشكل المسلمون أقلية دينية تعد الثانية من حيث النسبة المئوية في أوروبا بعد الديانة المسيحية، مع وجود ما بين 15000 إلى 16000 متطرف في فرنسا، منهم 5325 شخصا يعيشون في منطقة باريس وضواحيها؛ كضاحية «سان دوني» وغيرها. وعلى غرار حي “البرينسيبي” الشهير بضواحي مدينة سبتة المحتلة بإسبانيا، وحي “مولنبيك” الواقع بإحدى ضواحي بلجيكا، تبقى الدائرة الثامنة عشرة في باريس، جهة شارع بولفار باربيص والتي توصف بـ الساخنة والملتهبة، والتي تعتبر الملاذ الأول الحاضن للعصابات المسلحة والتي تتاجر في المخدرات و تفرض قانونها الخاص داخل فضاءاتها، مما يصعب عملية اقتحامها من طرف الأجهزة الامنية الفرنسية، لكونها مناطق أكثر احتواءاً لأشخاص لديهم تدنٍّ في مستوى الثقافة والمعرفة أو التعليم والمتطرفين، ابتداءاً من المنحرفين الخارجين عن القانون، إلى اللصوص، وأصحاب السوابق من سجناء صغار السن والمنحرفين التائهين مروراً بالمجرمين وعصابات تهريب وتزوير الوثائق الرسمية إلى المتشددين التكفيريين. 

 

 

فعندما يلتقي متطرفون ذوي خبرة مع هذه المادة الخامة وهذا الخليط من المجرمين والفاشلين في الحياة، فطبيعي أن يسهل الإستقطاب والإجتذاب والإنجرار ويرتمي الشباب بين أحضان التنظيمات الإرهابية على اعتبار أنها حسب تفكيره، النموذج الملهم والمخلص لهم من معانات الإغتراب وفقدان الذات. مشهد يومي بالدائرة الثامنة عشرة في باريس، على مقربة من محطة مترو الأنفاق بولفار باربيص روشوا الإغتراب وعلاقته بالإرهاب العلاقة بين التطرف والإرهاب، هي علاقة إحساس نفسي بالغربة والإغتراب، ونزوع سلوكي بالقوة، فكل متطرف هو كم من مشاعر مكبوتة ناجمة عن غرابة الإنتماء أو إنفصام الذات عن المجتمع ، فهو عبارة عن قنبلة موقوتة، ومشروع إرهابي مؤجل لشحنه من طرف شيوخ الفتنة ومنظري الفكر السلفي التكفيري بإنتظار إيجاد الظروف الملائمة والوسائل المتاحة للإنفجار في وجه المجتمع . فجاذبية الخطاب الإعلامي المتطرف تأجج النفوس الضعيفة، ووسائل التواصل أرض خصبة للإرهاب ومشاكل الاغتراب تزيد الطين بلة، وتساهم في صناعة الإرهابي.

 

عبد الكريم عتوك- مستشار أمني، وكالة "رياليست" الروسية

المصدر الأساسي:المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الإستخبارات بموافقة الكاتب