التدخل العسكري لإعتبارات إنسانية

27.10.2019, 19:11, عمان

د. اياد المجالي: لا شك أن الدفاع عن حقوق الإنسان من منطلق القوة وأدواتها مدعاة للاعتقاد بانبعاث معيار حضاري في العلاقات الدولية، ومثال هذه الرؤية تناقض دوافع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي سعت إلى إسقاط نظام القذافي في ليبيا كسلوك سياسي عسكري لا علاقة له بالمقصد والمسوغ الإنساني.

مصدر الصورة: Jerome Delay / Associated Press

 

تتماهى على الفور مواقف الوحدات الدولية والأطراف الفاعليين في المجتمع الدولي أمام أغلب القضايا والأزمات السياسية والاجتماعية في شتى أصقاع الأرض، وتحديداً تلك الوقائع والأحداث المتتالية التي يشهدها الشرق الأوسط، نتيجة لحجم تأثيرها وارتباط متغيراتها بالمجتمع الدولي، وتتعدد مسوغاتهم ومبررات مواقفهم التي تنطلق على شكل حراك سياسي دبلوماسي وتصريحات من صانعي القرارات في الدول والتكتلات السياسية عقب كل متغير أو حدث بعد أن يخضعها لقواعده الاستراتيجية الخاصة لكل طرف على حده.

 

تدخلات خارجية

 

إن قيام وحدة دولية بشيء عملي على أمل إنقاذ مجموعة بشرية من معاناة قاسية يعيشونها، سيؤدي على الأرجح إلى تهمة التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بينما "القيام بالشيء" الذي سيفضي إلى اتهامات بـ "اللامبالاة الأخلاقية" indifference Moral؛ تلك هي معضلة " إنقاذ الغرباء" strangers Saving من تجاوزات حكوماتهم، لذلك جاء التدخل العسكري بمبرر إنساني هو أحسن تفسير للصراع القائم بين "النظام والعدالة"، اذ يستمد "التدخل العسكري من الاعتبارات الإنسانية" قوته، ورغم كل ما تناول هذا الشكل من أشكال التدخل العسكري وغاياته ومبرراته من نظريات العلاقات الدولية فقد احتفظت بهذا الشكل كركيزة ديناميكية للسياسية العالمية.

 كما ظل في نطاق اختصاص الوحدات السياسية لضبط مصالحها وتكريس مبادئ الرغبة الفطرية لديها بالهيمنة على الآخرين، خاصة في حال وجود الفوضى ضمن مسارات الدراسات النظرية المتعددة والمتباينة, فقد اشتملت في جوانب تطبيقها على مآلات غير تقليدية حاولت الأمم المتحدة وأدوات الإعلام فيها ومراكز الدراسات تحديد هذه التداعيات ومواجهة الانبعاث القائم من التقييمات الإيجابية لتوصياتها ونتائجها.

 

مبررات التدخل

 

 يظهر الخطاب السياسي لأغلب الأنظمة التي تمارس جانب التدخل العسكري أو غير العسكري في شؤون دول بعينها، تحت مبررات عديدة ومسوغات غير عقلانية لا تتعدى في واقع حالها سوى تطورا لعلاقة القوة وانتصارها المبرر بحاجات إنسانية، حتى ما شرع منها من قبل القانون الدولي وعقائده المتباينة والتي تنص على تسويغ التدخل المسلح بإسم الدفاع عن حقوق الإنسان، ضمن معيار الحسابات السياسية التي تملكها الجغرافيا بمعيار القناعات الأيديولوجية، هذا إلى جانب الحاجة إلى تحفيزها ضمن أطر اجتهادية وإجرائية تتجاوز تسويات تاريخية ناقشت هذا الشكل من أشكال التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للوحدات السياسية وأطراف دولية تحت مظلة القانون الدولي وحقوق الإنسان.

 

لا شك أن الدفاع عن حقوق الإنسان من منطلق القوة وأدواتها مدعاة للاعتقاد بانبعاث معيار حضاري في العلاقات الدولية، ومثال هذه الرؤية تناقض دوافع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي سعت إلى إسقاط نظام القذافي في ليبيا كسلوك سياسي عسكري لا علاقة له بالمقصد والمسوغ الإنساني.

 في هذا الإطار نتأكد بما لا يجعل مجالا للشك بأن النزعة التضامنية في منظومة الأخلاق الدولية ملزمة بتحمل مسؤولية صون حقوق الإنسان، غير أنها ليست على استعداد للتضحية بقيم استقرار وديمومة القوى الكبرى مقابل إحقاق الحماية والعدالة الدولية.

 

التدخل الإنساني

 

رغم كل ما تم تفرع من أشكال التدخل العسكري فإن بقاء الشكل الذي يطغى علية الطابع الإنساني لتحقيق العدالة كركيزة ديناميكية للسياسة العالمية قد ظل في نطاق الوحدات السياسية لضبط مصالحها وتكريس مبادئ الفطرية لديها في الهيمنة على الآخرين خاصة في حال وجود الفوضى والتمكن من امتلاك القوة، لذلك جاء هذا الإطار ضمن مسارات الدراسات النظرية المتعددة والمتباينة والتي اشتملت في جوانب تطبيقها على مآلات وتداعيات غير تقليدية، حاولت الأمم المتحدة وأدوات الإعلام ومراكز الدراسات تحديدها ومواجهة الانبعاث من تقييمات الإيجابية لتوصياتها ونتائجها.

عقب توجه الدول إلى تعريف نفسها بالسيادة والاستقلال وتنسيقها مع بعضها لإقامة منظمات دولية تدعم السلام وحقوق الإنسان وكبح جماح العدوان وتهديد الأمن والسلم الدوليين، من خلال صياغة قوانين ناظمة للعلاقات والتفاعل بين أطراف المجتمع الدولي لتشجيع التنمية وتعزيز رفاهية الشعوب، ونتيجة للإخفاقات والتحديات التي عانى منها هذا المسار جاء ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م خطة دستورية في التاريخ الحديث، أضفى الشرعية في الميادين ذات الصلة بالشؤون القانونية المرتبطة بالواقع العملي لنشاط الدولة غير المبرر بالتدخل الإنساني في شكل من أشكال التحايل المعياري والعقائدي.

لكنني بهذا الإسهاب كنت أود أن اوضح وأسلط الضوء على أدوات النظام الدولي في تشكيل رؤيته حول تداعيات التدخل الإنساني في سوريا بأدوات القوة العسكرية كنموذج للتنافس الدولي في تشكيل مسارات الأزمة القائمة، خاصة وأن مآلاتها توضح أن التفاوض سيسهم في تشكيل قانون دولي جديد بمعايير وقيم جديدة، رافضا الاستجابة لما تفرضه البيئة الدولية من تغييرات.

 

اياد المجالي- مدير المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية (فرع الشرق الاوسط)، خاص لـ"رياليست" الروسية.