قراءة في الخارطة الجيوسياسية لمنطقة البلقان

19.11.2020, 19:46, أنتويرب (بلجيكا)

إبراهيم حرشاوي: قد مرّت منطقة البلقان بأزمات دولية متتالية طيلة القرون الثلاثة الماضية، أي منذ ظهور ما يعرف بـ"المسألة الشرقية" مع بدء تحلل الإمبراطورية العثمانية، مروراً بالحربين العالميتين وانتهاء بالحرب الأهلية اليوغسلافية. 

من  منظور جغرافي قاري محض تُعتبر شبه جزيرة البلقان إلى جانب شبه الجزيرة الإيطالية وشبه الجزيرة الإيبيرية أشباه الجزر الثلاث الواقعة في جنوب أوروبا. يحد شبه جزيرة البلقان شمالا نهري سافا والدانوب ومحور ترييستي – ليوبليانا، ويحدها شرقا تراقيا الشرقية أو تركيا الأوروبية وجنوبا يحدها بر اليونان الرئيسي. كما يحيط بشبه جزيرة البلقان ستة بِحار؛ البحر الأيوني والبحر الأدرياتيكي غربا والبحر المتوسط جنوبا كما يحيطها من الشرق كل من بحر إيجه وبحر مرمرة والبحر الأسود. وقد كانت هذه المنطقة منذ القدم معبرا مفصليا لأي قوة ساعية لإقتحام العمق الأوروبي أو الآسيوي. مثال ذلك انطلاق الإمبراطورية المركزية التي أسسها الإسكندر الكبير من البلقان للعبور إلى العمق الآسيوي والاستيلاء على الإمبراطورية الفارسية الأخمينية حتى حدودها الشرقية المطلة على نهر السند. أما في الإتجاه المعاكس فيمكن ذكر محاولات العثمانيين الأتراك المتكررة  للتمدد نحو وسط أوروبا والتي بلغت ذروتها في معركة فيينا سنة 1683.

 

وقد مرّت منطقة البلقان بأزمات دولية متتالية طيلة القرون الثلاثة الماضية، أي منذ ظهور ما يعرف بـ"المسألة الشرقية" مع بدء تحلل الإمبراطورية العثمانية، مروراً بالحربين العالميتين وانتهاء بالحرب الأهلية اليوغسلافية. وتكشف التسميات المختلفة التي أطلقت على هذه المنطقة مدى الأزمة الهوياتية التي مرت بها بحكم طبيعتها الفاصلة بين الشرق والغرب، ففي ظل السيطرة العثمانية عرفت المنطقة باسم "تركيا الأوروبية" وعرّفها آخرون حتى باسم" الشرق الأوسط" في نفس الفترة، وقد أطلق عليها الجغرافي الألماني زيوني تسميات كـ"البلقان" أو 'شبه الجزيرة البلقانية" بعد انكماش الثقل الجغرافي للدولة العثمانية والتغييرات الكبرى التي فتحت المجال لبروز مشارع قومية فيها. قد شكلت هذه المرحلة أفقا جديدا لبروز هويات سياسية وقومية سلطت الضوء على مدى أهمية هذه المنطقة باعتبارها نقطة تقاطع حضارية وثقافية، مما جعل الإنتماءات الهوياتية والسياسية فيها تتقلب على الدوام بين المراكز السياسية المحيطة بها.

 

وبالنسبة لروسيا تعتبر منطقة البلقان عمقا استراتيجيا بالغ الأهمية لها، وقد استطاعت أن تثبّت وجودها سياسياً وتوسّع نفوذها فيها خاصة في تلك المناطق التي لها إرث ارثوذكسي كاليونان وبلغاريا وصربيا. تاريخياً، تعد منطقة البلقان بالنسبة لدولة شبه حبيسة كروسيا أحد الممرات الرئيسية للوصول إلى المياه الدافئة المتمثّلة بالدرجة الأولى في مياه شرق المتوسط، اذ طمحت روسيا عبر مراحل مختلفة للوصول إلى هذه المنطقة المفصلية، وهو الطموح الذي تعزز بظهور المشروع القومي السلافي الساعي لضم كل الشعوب السلافية وفي مقدمتهم السلاف الجنوبيين تحت مظلة الدّولة القومية الواحدة، وخلق تحالف أرثوذوكسي – سلافي  في محور البلقان-القوقاز.

 

وبعد انهيار دولة يوغسلافيا، سعت روسيا لتثبيت وجدوها في البلقان عبر تحالفات سياسية واقتصادية، ففي بلغاريا الأطلسية مثلا، ينحاز حزب "أتاك" الذي تأسس سنة 2005 لروسيا بقوة من خلال طرحه القومي المناهض للإتحاد الأوروبي ولحلف الأطلسي. كما وظفت روسيا شركة "غازبروم" كسلاح لربط دول جنوب شرق أوروبا -المنضوية تحت التكتلات الغربية- بالمصالح الروسية عبر صفقات غاز مغرية أو من خلال استثمارات في مجال الطاقة، مثال ذلك حصول شركة "غازبروم" من صربيا على حق استحواذ 51% من شركة "أن. أي. أس" المحتكرة لقطاع النفط فيها سنة 2008.

 

يضاف إلى ذلك، الإحتكار الروسي لقطاع الطاقة في جمهورية صرب البوسنة (Republika Srpska) والسيطرة التامة على " الأنبوب العابرللبلقان" (Trans Balkan Pipeline) في مقدونيا الشمالية. أما سياسياً، فقد نجحت روسيا في  إفراغ المعادلة التي فرضها حلف الناتو عبر"اتفاقية دايتون للسلام" لتسوية الحرب في البوسنة والهرسك الموقعة سنة 1995، عن طريق تعزيز العلاقة مع تيارات صربية التوجه كـ"تحالف الإشتراكيين الديمقراطيين المستقلين" الذي يقوده ميلوراد دوديك في جمهورية صرب البوسنة.

 

ويتجلى دور هذا التيار في عرقلة إنضمام البوسنة والهرسك بحلف الناتو عبر توظيف ورقة الإنفصال والإلتحاق بصربيا، ما قد يؤدي الى نسف "اتفاقية دايتون" من أساسها وينهي جمهورية البوسنة والهرسك. وقد حاولت روسيا انطلاقا من نفس الدافع دعم حزب "الجبهة الديمقراطية" في الجبل الأسود/مونتينيغرو، إلا أن الأخيرة انضمت للنادي الأطلسي سنة 2017 ممكنة بذلك حلف الناتو من وضع يده على ضفتي البحر الأدرياتيكي.

 

وفي السياق ذاته تعتبر خطوة انضمام مقدونيا الشمالية للناتو في آذار/ مارس 2020 صبا للزيت على النار، نظرا للتحذيرات الروسية التي جائت على لسان السفير الروسي لدى مقدونيا الشمالية الذي وجه انذارا لها قبل إنضمامها للناتو بسنتين، معتبرا العاصمة إسكوبية هدفا مشروعا لروسيا في حالة اندلاع أي مواجهة مع الجانب الأطلسي. وبالرغم من انضمام هذه الدول لحلف الأطلسي، الا أن روسيا نجحت في تحقيق مكتسبات استراتيجية اقتصادية وسياسية فيها، فمثلا في الجبل الأسود تمتلك الشركات الروسية 40% من العقارات، أما في مقدونيا الشمالية فتبيّن الإستطلاعات أن حزب  vmro-dmpne(المنظمة الداخلية المقدونية الثورية - الحزب الديمقراطي للوحدة الوطنية المقدونية) الموالي لروسيا يشكل حالة توازن من ناحية الثقل السياسي مع حزب الديمقراطيين الاجتماعيين الموالي للناتو والإتحاد الأوروبي، مما يرجح إمكانية ظهور معارضة مقدونية وازنة تميل لسياسة الكرملين في السنوات القادمة.  

 

أما بالنسبة لتركيا، فتعتبر منطقة البلقان محطة جيو- سياسية بالغة الأهمية لها، إذ لا تقل أهمية السياسة التركية في هذا الإقليم عن باقي سياساتها الإقليمية في القوقاز وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ويقتضي فهم القيمة الإستراتيجية لهذا المنطقة بالنسبة للأتراك  الرجوع  إلى كتاب مهندس السياسة الخارجية التركية أحمد داود أغلو " العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية" حيث يكتب عن هذا الموضوع ما يلي: " إنّ الوحدة الداخلية لتركيا مرتبطة بشكل مباشر بالعوامل الموجودة في هذه المناطق، إذ لا يمكن لدولة الأناضول أن تحافظ على وحدتها في هذه الساحة الجيوسياسية الحساسة، أو أن تنفتح على العالم الخارجي، إذا لم تكن مؤثرة في التطورات التي تحدث في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط".

 

وفي عوامل التأثير التركي على منطقة البلقان، يواصل داود أغلو أفكاره في إثارة  بعد الموروث الإسلامي- العثماني واصفا اياه بالشريان الرابط بين تركيا والبلقان في اشارة للخط الممتد من بيهامتش وسط البوسنة إلى غرب تراقيا ببلغاريا واليونان. على أرض الواقع، ارتكزت سياسات تركيا في الفضاء البلقاني خلال السنوات الماضية على إحتواء ومقارعة نشاط ونفوذ جماعة فتح الله غولن المحظورة داخل تركيا. وأيضا نشطت ديبلوماسيا في حلحلة الأوضاع الشائكة بعد حرب البلقان بين البوسنة والهرسك و صربيا وكوسوفو، ناهيك عن الدور الذي قامت به في دعم انضمام مقدونيا الشمالية لحلف الناتو.

 

أما على صعيد توظيف الجانبين الديني والإثني سياسيا، فيلاحظ  توظيف أدوات السياسة الناعمة التركية في تعزيز أسلمة المنطقة عن طريق إبراز "الهوية الإسلامية- العثمانية" وتفعيلها بمبادرات شتى، كترميم المباني العثمانية في البلقان وتوفير منح للأبحاث المتعلقة بالفترة العثمانية، و دعم برامج تأطيرية لتدريب الأئمة والكوادر الدينية، محاولة بذلك تحجيم تأثير التوجه الوهابي المدعوم خليجيا وتوطيد ولاء مسلمي البلقان لتركيا من البوابة الدينية والموروث العثماني. وإثنيا، تحاول تركيا أن تعرّف نفسها كذرع قومي يحمي الأقليات والتجمعات التركية خارج حدودها وتعتبر حالة "جمهورية شمال قبرص التركية" خير مثال على هذه السياسة التركية الرسمية.

 

وفي هذا المضمار تسعى أنقرة لتوظيف الأقلية التركية داخل الطائفة المسلمة في البلقان، إذ تقطن تجمعات إثنية تركية في جل دول البلقان – إضافة الى جاليات تركية توافدت إلى المنطقة بعد إنتهاء حرب البلقان لأغراض إقتصادية واستثمارية- بغرض تعزيز نفوذها في الإقليم على غرار توظيفها للكراغلة الأتراك في ليبيا. وقد أوضح نائب وزير الخارجية التركي ياووز سليم قيران هذا الجانب في مقابلة أجريت معه على صفحة إتحاد طلبة كوسوفو بتركيا على موقع فايسبوك يوم 20 أيار من هذه السنة حيث أكدّ على ضرورة إعطاء دور بارز "لأتراك كوسوفو" في ظل استحقاقات الإحصاء السكاني الذي يرتقب موعده مطلع السنة المقبلة.

 

وعلى عكس روسيا و تركيا اللتان تعتبران منطقة البلقان مجالاً حيوياً مباشراً لهما، تنال هذه المنطقة أهمية خاصة بالنسبة للصين بحكم وظيفتها كبوابة لإقتحام السوق الأوروبية في إطار مشروعها الإقتصادي العالمي "حزام واحد، طريق واحد". أي أن الدافع الصيني في البلقان بالدرجة الأولى طابعه اقتصادي ترافقه سياسة ناعمة لكسب العقول والقلوب. وفي اطار تمهيدها لمشروع "حزام واحد، طريق واحد"، تسعى الصين لانجاز مشاريع على مستوى البنى التحتية لربط البلقان بوسط  وغرب أوروبا، وقامت بالدخول الى الأسواق الأوروبية صاحبة أكبر مديونية ومن بينها دول البلقان الغربي، ففي اليونان مثلا، استأجرت شركة كوسكو-  شركة صينية مملوكة للدولة موردة لخدمات الشحن والخدمات اللوجيستية-  ميناء بيروس اليوناني لمدة 35 سنة، ويبدو أن ما تطمح له الصين هو توظيف هذا الميناء كمركز لتصدير منتجاتها للسوق الأوروبية، دليل ذلك قيام شركة هواوي العملاقة ببناء مركز لوجستي فيه.

 

كما تعمل الشركة الصينية "مجموعة سكك حديد الصين" على بناء شبكة سكك حديدية تربط  العاصمة الصربية بلغراد بعاصمة المجر بودابست، علما أن  للصين خط سكك حديدي لقطارات الشحن بين مدينة وودج البولندية وتشنغدو الصينية مما يقلص المدة الزمنية لنقل السلع  مقارنة بالنقل البحري. وفي مجال تمويل بلدان البلقان، تلجأ الصين إلى "دبلوماسية القروض"(loan diplomacy)وهي سياسة تخيف الدول الغربية التي تطلق على السياسة الصينية هذه "دبلوماسية فخ الديون"debt trap diplomacy) ) بزعم أن الصين تتعمد تقديم قروض إلى بلدان مدينة  بِنية  فرض تنازلات اقتصادية أو سياسية عندما يصبح البلد المدين غير قادر على الوفاء بالتزاماته. وحسب الأرقام المتاحة لعام 2020، فقد اقترضت دول بلقانية مبالغ كبيرة من الصين، وتشمل نسبة القروض الصينية الممنوحة للجبل الأسود 22 بالمئة من اجمالي الديون الخارجية، تليها مقدونيا الشمالية  ب 14 بالمئة والبوسنة والهرسك ب 13 بالمئة و صربيا بحوالي 8 بالمئة.

 

و مما لا شك فيه أن هذه الأرقام توحي بأن الصين تزاحم بالفعل الدول الغربية ومؤسساتها المانحة بطرحها المقاربة التنموية المعروفة بإسم " إجماع بكين" كبديل عن النموذج النيو- ليبرالي الغربي. وتستشعر الدول الغربية كذلك القلق من النشاط المتزايد للشركات التكنولوجية الصينية  في منطقة البلقان كشركة "هواوي" وشركة "زد تي إي كوربوريشن" المتواجدتين في كل دول البلقان الغربية. فمثلا اتسع نشاط شركة "هواوي" خارج عرض سلعها و خدماتها في السوق البلقاني، حيث قامت بالإشراف على  مشروع تجديد الشبكة الكهربائية في ألبانيا، كما وقعت "مذكرة تفاهم" مع صربيا لتطوير الحواضر الصربية تكنولوجيا وجعلها "مدنا ذكية". على الصعيد السياسي، تبني الصين تحالفات متينة مع بعض دول البلقان، فتتخذ مثلا موقفا مبدئيا في دعم  الموقف الصربي بعدم الاعتراف بكوسوفو وميتوهيا ويقابل هذا الدعم موقفا صربيا غير مشروط بخصوص ما تتبناه الصين من مواقف سيادية في بحر الصين الجنوبي.  ومن المرشح أن تأخذ العلاقة الصينية- الصربية بعدا إستراتيجيا مع إنشاء " المجلس الوطني لتنسيق التعاون بين الصين وروسيا(The national council for the coordination of cooperation with (Russia and China  الذي يترأسه الرئيس الصربي السابق توميسلاف نيكوليتش، مع الإشارة أن هذا المجلس هو الأول في نوعه في أوروبا الوسطى والشرقية.

 

وإذا نظرنا إلى الدور الغربي المتمثل في سياسات دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ تفسخ دولة يوغسلافيا، نرى أن القوى الأوروبية وفي مقدمتها ألمانيا، اتجهت نحو وضع الأقاليم التي انفصلت عن يوغسلافيا تحت نفوذها كسلوفينيا وكرواتيا، مما أعطاها منفذا إلى البحر الأدرياتيكي. أما دور الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة البلقان فقد تجسد سياسيا مع  إبرام "اتفاقية دايتون" سنة 1995 وعسكريا تحت مظلة الناتو، اذ يفهم أن التدخل الأمريكي هدف لإحتواء طموح ألمانيا الموحدة في الإقليم من جهة والى خلق أمر واقع أطلسي تحت هيمنة أمريكية من جهة اخرى وذلك قبل قيام روسيا باسترجاع أنفاسها عقب اضمحلال المعسكر الإشتراكي. وبالرغم من إستمرار محاولات الكتلة الأوروبية المتاخمة جغرافيا لمنطقة البلقان لبسط نفوذها عليها، عبر ترشيح دولها الواحدة تلو الاخرى للانضمام للإتحاد الأوروبي كترشيح ألبانيا ومقدونيا الشمالية، إلا أن العقد الأخير سجل ترددا أوروبيا واضحا إزاء فتح بوابة الانضمام لدول البلقان مع تصلب مواقف حكومات دول أوروبية مركزية  كهولندا وفرنسا إثر عوامل عدة، أبرزها صعود تيارات يمينية مناهضة للإتحاد الأوروبي غرب أوروبا وتداعيات أزمة اللجوء.  

 

وبالنسبة للمقاربة الأميركية إزاء البلقان، فيلاحظ أن جوهرها يتسم بفرض مبدأ "التهديدات الديبلوماسية" (coercive diplomacy) وآخر دليل على ذلك "اتفاقات التطبيع الاقتصادي بين صربيا وكوسوفو" التي دللت على مدى التأثيروالترابط الجيو- سياسي المتبادل بين إقليم البلقان والمشرق العربي بعدما أقحمت الولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاقية بنودا تضمنت تصنيف حزب الله اللبناني كمنظمة ارهابية وإلتزام طرفي الاتفاق بنقل سفاراتهم إلى مدينة القدس المحتلة. وفي السياق ذاته كانت كوسوفو قد اعترفت بالجناحين العسكري والسياسي لـحزب الله كمنظمة إرهابية في يونيو (حزيران) الماضي، قبل التوقيع على الاتفاقية مع صربيا تحت رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي آخر المستجدات يفيد التنويه مثلا إلى الضغوطات التي تمارسها الإدارة الأمريكية على حليفتها الأطلسية بلغاريا بخصوص شحن الغاز الروسي إلى البلقان عبر فرع من ترك ستريم ) (Turk Stream المسمى ببلكان ستريم (Balkan Stream). وبموقف سريع ومتوقع، لوحت الولايات المتحدة عبر تصريح لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الطاقة فرانسيس فانون بفرض عقوبات على صوفيا في حال تفعيل مشروع الأنبوب الفرعي لترك ستريم.

 

على المستوى الدولي، تبقى البلقان ساحة من ساحات التوتر بين الولايات المتحدة والصين مع تلقّي بكين بكثير من الإستياء الخطة الأميركية التي أعلنها وزير الخارجية مايك بومبيو تحت إسم "برنامج الشبكة النظيفة"، التي تهدف "لتنظيف" شبكة الإنترنت من حضور الشركات والبرامج الصينية في ظل غياب إستراتيجية صينية فعالة لردع الإستهداف الأمريكي هناك. ومما لا شك فيه أن برنامج الشبكة النظيفة الأمريكي ما هو إلا ترجمة للماقصد السياسية ل"مبادرة البحار الثلاث(The Three Seas Initiative ) التي أطلقتها كل من بولندا وكرواتيا سنة 2015 بدعم أمريكي، بغرض الوقوف في وجه المشروع الإستثماري الصيني وسط وشرق أوروبا المعروف بمبادرة 17+1 . وقد شهدت المنطقة محاولة يابانية لا تقل أهمية في الوهلة الأولى لإحتواء الاستثمارات الصينية في ميادين عديدة بعد زيارة رئيس الوزراء الياباني شينرو آبي للبلقان ودول البلطيق سنة 2018، معلنا عن "المبادرة التعاونية في البلقان الغربي"، إلا أن القوة الاستثمارية للصين من جهة وللكتلة الغربية من جهة اخرى جعلت من المبادرة اليابانية سحابة عابرة لاتسمن ولاتغني في معادلات البلقان.

 

ترجع هشاشة ضوابط الإستقرار في البلقان للعقدة الإستراتيجية النابعة من أزمات متداخلة، حيث تتداخل فيها مصالح سياسية واقتصادية متناقضة على مستويات جيو-سياسة عدة مرتبطة أساسا ببزوغ نظام عالمي وإقليمي متعدد الأقطاب. إذ تشكل في الوقت الراهن قضايا وصراعات مثل حرب الغاز في شرق المتوسط، بالتوازي مع التناقضات القومية الناتجة عن تجزئة جمهورية يوغسلافيا السابقة وسياسات إحتواء النفوذ الصيني – الروسي في البلقان العناوين الساخنة للصراعات هناك.

 

وتبقى القضايا القومية  البلقانية عنصرا من العناصر المهددة للتوازنات القائمة، ولابد من التأكيد على رغبة بعض الكيانات البلقانية الإنضمام إلى دول شقيقة كفكرة الوحدة بين كوسوفو وألبانيا لتحقيق مشروع "ألبانيا الكبرى" لتكون بذلك ورقة بديلة لتعثر الإلتحاق بالإتحاد الأوروبي ولخلق قوة موازية لتوسع صربي محتمل. فالمسعى التوسعي الذي يزداد عند بعض التيارات القومية بالبلقان يقوي فرضية تغيير الخارطة السياسية الحالية وتداخلها مع أجندات مشابهة في شرق أوروبا، وسط مناخ سياسي يغيب  فيها الوفاق الأوروبي بالنسبة لعدد كبير من تحديات القرن 21 بالقارة العجوز.

 

خاص وكالة "رياليست" – الأستاذ إبراهيم حرشاوي، محلل سياسي