أزمات القوقاز و آسيا الوسطى و العامل البريطاني-التركي

01.11.2020, 17:00, موسكو

د. عمرو الديب:  إذا كان الصراع في ناغورنو قره باغ يستهدف روسيا وإيران بالأساس، فإن إطلاق يد الفوضى في قيرغيزستان من خلال استخدام سلاح الثورات الملونة فيستهدف الاتحاد الروسي والصين (المدين الأهم للاقتصاد القرقيزي).

ذكرنا منذ فترة أنه حتى وقت قريب، كانت القيادة التركية، برئاسة رجب طيب أردوغان، تحاول تنفيذ استراتيجية العثمانية الجديدة، واستعادة النفوذ على كامل المساحة التي كانت تحتلها الإمبراطورية العثمانية، ومن خلال تلك الاستراتيجية سعت أنقرة إلى دمج «العثمانية الجديدة» في المشروع الأمريكي العالمي «الشرق الأوسط الكبير»، لكن سقوط الإخوان المسلمين في مصر وتعزيز مواقف التشكيلات الكردية في مناطق شمال سوريا، وتعزيز روسيا لوجودها العسكري السياسي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى زيادة تأثير الصين بشكل ملحوظ، فقد ظهر ضعف الوزن الأيديولوجي والعسكري والسياسي لأنقرة في العالم الإسلامي بأكمله تقريبًا من خلال هذه الاستراتيجية.

 

كما أن حرمان الأتراك من آفاق حقيقية للإندماج في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تذبذب العلاقات مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة، أدى بالقيادة التركية للعودة إلى القومية التركية غير القائمة على العنصر الإسلامي أو ما يسمى بالعالم التركي أو بـ«طوران العظمى». وبالتالي ما يحدث حالياً بين أذربيجان وأرمينيا وما يحدث في قيرغيزستان مرتبط بشكل واضح بخطط تركيا لزيادة نفوذها في منطقة القوقاز و آسيا الوسطى، خصوصاً وأن تركيا في الشرق الأوسط تواجه رفضا كبيرا من جانب فرنسا ومصر والإمارات لكل تحركاتها.

 

ناغورنو قره باغ

 

صراع مرير وقديم، لسنا بصدد شرح ظروفه، لكن هذا الصراع أصبح أداة قوية في يد القيادة التركية من أجل زيادة نفوذها داخل أذربيجان وفي المنطقة ككل، فهي الدولة الوحيدة التي وقفت بجانب باكو بشكل قوي وواضح فأذربيجان بالرغم من قوة اقتصادها القائم على تصدير النفط والغاز لم تستطع طوال فترة وجود هذا الصراع الحصول على دعم أي من الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة.

 

وهذا يرجع بالطبع إلى قوة اللوبي الأرمني في هذه الدول، أما بالنسبة لروسيا فكان من مصلحتها تجميد هذا الصراع بأي شكل وهذا ما نجحت فيه خلال 25 عام الماضية. تركيا في الفترة الأخيرة وبسبب الصعوبات التي تواجه مشروعها الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط كما أوضحنا، كان عليها تحريك المياه الراكدة في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، والتي تعتبر الجزء الأهم في سياستها الخارجية، فهذه المنطقة لا ترتبط بتركيا فقط طبقاً للعامل الإسلامي ولكن يضاف إليها عامل اللغة والثقافة التركية.

 

أسباب بدء العمليات القتالية

 

اختيار توقيت اشعال النزاع بين أذربيجان وأرمينيا ليس صدفة، فالعمليات القتالية بدأت بعد شهر وأيام من انتهاء المناورات العسكرية التركية – الأذربيجانية التي بدأت بعد العمليات القتالية الفاشلة للجيش الأذربيجاني في يوليو الماضي، وباختصار بعد هذه المناورات بقيت قوات تركية على الأراضي الأذربيجانية، الأمر الذي أعطى نجاح نسبي للجيش الأذربيجاني في العمليات القتالية الجارية.

 

كما أن التوقيت يأتي في فترة التحضير للانتخابات الرئاسية الأمريكية، أي أن العامل الأميركي في هذا النزاع غائب بشكل كبير، ويضاف لأسباب التوقيت هذا المعارضة الفرنسية للتحركات التركية في شرق المتوسط و ليبيا، أدت بالقيادة التركية للبدء في تحريك الأمور في هذه المنطقة المهمة جداً والتي تهتم بها فرنسا بشكل خاص.

 

نفس الأمر هنا نجده في أن قرار أنقرة بتصعيد الموقف في ناغورنو قره باغ في هذا التوقيت يأتي بسبب تعنت روسيا و إيران ضد تركيا في الشمال السوري فمسألة اشعال المنطقة بحرب يمكن بدون شك أن يؤثر على النفوذ الروسي في القوقاز، فروسيا كما ذكرنا يهمها تجميد الصراع وعملية تحريكه يدفع بروسيا أن تقف مع جانب أرمينيا ضد اذربيجان أو أن تصمت وبذلك تخسر أرمينيا.

 

أما ايران، فمسألة اشعال حدة الصراع ووجود عمليات قتالية على حدودها، أمر يختبر بشدة حيادها، وكثيراً خلال الأيام الماضية ما سمعنا بسقوط طائرات داخل الأراضي الايرانية، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الحدود هي المتنفس الاقتصادي المهم لطهران بسبب العقوبات الأمريكية. إذن اشعال الموقف في أذربيجان من جانب أنقرة هو يمثل عقاب تركي لكل من فرنسا، روسيا و إيران، كما يمثل وهذا هو المهم ورقة تعاون تركي – بريطاني  خاص بتطبيق مشروع «طوران الكبرى» كما سنوضح لاحقاً.

 

قيرغيزستان– ثورة ملونة ثالثة

 

 إذا كان الصراع في ناغورنو قره باغ يستهدف روسيا وإيران بالأساس، فإن إطلاق يد الفوضى في قيرغيزستان من خلال استخدام سلاح الثورات الملونة فيستهدف الاتحاد الروسي والصين (المدين الأهم للاقتصاد القرقيزي). في 16 تشرين أول/ أكتوبر، وافق البرلمان على استقالة سورونباي جينبيكوف، ورفض رئيس مجلس النواب، الذي كان من المقرر نقل صلاحيات هذا المنصب نتيجة لذلك أصبح صادير جابروف رئيسًا، والذي تولى في وقت سابق، وإن كان بصعوبة، منصب رئيس الوزراء وهكذا،أصبح جابروف صاحب أعلى منصبين في البلاد.

 

جديرا بالتنويه أنه في 5 تشرين أول/ أكتوبر، كان صادير جابروف يقضي عقوبة بالسجن بعد صدور حكم قضائي بأخذ رهينة خلال تجمع حاشد في قرية سارو بمنطقة إيسيك كول عام 2013، طالب المشاركون فيها بتأميم منجم الذهب «كومتور»، خلال الاحتجاجات الأخيرة تم اخراجه من هناك على يد حشد من المؤيدين الذين وصلوا إلى بيشكيك للاحتجاج على نتائج الانتخابات البرلمانية.

 

ومن المقرر إجراء انتخابات برلمانية جديدة في نهاية ديسمبر من هذا العام وانتخابات رئاسية في بداية يناير 2021، على الرغم من ارتفاع تكلفة الأحداث الانتخابية، يمكن عقدها في يوم واحد، بما في ذلك التشكيل المبكر لحكومة منتخبة شعبيا جديدة. ومع ذلك ليس من الواضح ما هي الأموال التي سيتم إنفاقها على الانتخابات، حيث أن الميزانية تعاني من عجز وقد جمدت روسيا تقديم المساعدة المالية لقيرغيزستان.

 

يتم تفسير الأحداث الجارية في هذه الدولة بطرق مختلفة ، ولا نرى هنا أي مكونات ثورية حقيقية. السبب الأساسي للاحتجاجات في بيشكيك كان مراجعة نتائج الانتخابات البرلمانية، فقد طالب 13 حزبًا (من أصل 16 مشاركًا في الانتخابات) بإلغاء نتائجهم ، وفي 5 أكتوبر لم يطالب أحد باستقالة الرئيس، علاوة على ذلك، طالب حزبان أيضًا بإعادة الانتخابات (احتل بوتون قرغيزستان ومكينشيل المركزين الرابع والخامس) ، عندما بدأت عملية إعادة الفرز اليدوي للأصوات، أتيحت لهما فرصة للتغلب على نسبة الحصول على الأصوات والدخول إلى البرلمان.

 

يشير هذا الوضع برمته إلى أنه على عكس الثورتين الملونتين في 2005 و 2010 ، لم يكن هناك  سبب لتغيير قوي في السلطة، بل كانت مواجهة سياسية مع تلك الأحزاب التي احتلت المركزين الأولين (بيرمديك ومكينيم قيرغيزستان)، وبالتالي كانت ستحصل على ما يقرب من 90٪ من المقاعد البرلمانية. بمرور الوقت سنكتشف أن من يقف وراء حزب ميكينشيل، الذي انطلق منه صادير جابروف هي بريطانيا العظمى وتركيا من أجل التأثير على النفوذ الروسي والصيني في هذه الدولة، ولذلك أود أن أقول مرة أخرى أن ما يحدث وما سيحدث في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى مرتبط بالعامل البريطاني والتركي من أجل محاولة تنفيذ مشروع طوران الكبرى، لذلك لا ينبغي لنا أن ننظر لأحداث ناغورنو قره باغ و قيرغيزستان بشكل منفصل وانما يجب النظر إليها بشكل عام من خلال مشروع طوران الكبرى وداعمينه البريطانيين.

 

الدور البريطاني–التركي

 

 في نهاية عام 2017 – بداية عام 2018، في ذلك الوقت، بدأت شركات النفط والغاز الأمريكية العملاقة العاملة في أذربيجان الاستعداد لبيع أصولها، في عام 2019 ، استحوذت شركة   MOL   المجرية على حصة شركة شيفرون في مشروع  Azeri-Chiraz-Cuneshli   في نفس الوقت تقريبًا، استحوذ المجريون على حصة من الشركة الأمريكية في خط أنابيب النفط باكو – تبيليسي – جيهان.

 

حتى قبل ذلك ، بدأت شركة إكسون موبيل في التخلص من أصولها في أذربيجان، بقيت شركة BP البريطانية فقط من اللاعبين الرئيسيين في سوق الطاقة الأذربيجاني، إذن الدولة الغربية الوحيدة التي بقيت في سوق الطاقة الأذربيجاني هي بريطانيا. وهذا الأمر واضح فالغاز والنفط الأذربيجاني سيمر من خلال الأراضي التركية والنفوذ التركي في أذربيجان لا يحتاج تأكيد، لذلك مسألة التعاون البريطاني- التركي بشكل خاص في أذربيجان أمر  طبيعي، أما بشكل عام في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى فتفرضه طبيعة المصالح البريطانية- التركية في آخر قرنين.

 

لأكثر من قرنين من الزمان كانت تركيا نوعًا من «حلقة الوصل» للتاج البريطاني إلى الشرق الأوسط والقوقاز، منذ عشرينيات القرن التاسع عشر كانت لندن تروج لمشروع طوران، ومن اسطنبول عملت المخابرات البريطانية في القوقاز وحتى في آسيا الوسطى وهذا يعني توريد الأسلحة للشركس  وإرسال المدربين  والمال – كل شيء مر عبر اسطنبول .

 

فهناك دعم بريطاني واضح لمشروع «طوران الكبرى» القائم على أساس القومية التركية، فمسألة تعيين ريتشارد مور مرتبطة باحتمال تكثيف المخابرات البريطانية لعملها في جنوب القوقاز.

 

نظرًا للعلاقات الشخصية الوثيقة مع النخب التركية والأذربيجانية، لن يتردد ريتشارد مور، كما هو متوقع، في نشر مشاريع لزعزعة استقرار القوقاز، مما سيتيح لمؤيدي مشروع «طوران العظمى» البدء في إعادة تشكيل المنطقة لصالحهم ولا ننسى وجود شخص تشارلز جاريت- السفير البريطاني في قرقيزستان، وهو بالمناسبة موظف في الاستخبارات البريطانية ويعمل تحت غطاء دبلوماسي، ويبدو أن وجود هذين الشخصين ستعني الدعم البريطاني لأحلام أردوغان.

 

تولى ريتشارد مور، الرئيس المعين حديثًا لـ MI6 ، مهامه في سبتمبر، وهذا يعني أن أردوغان، الذي خرج بالفعل من نفوذ بروكسل، حصل في الخريف، بدعم من المخابرات البريطانية، على زخم إضافي في أنشطته التوسعية في جميع مناطق طموحات سياسته الخارج، وبالفعل هذا ما رأيناه في الشهر الأخير من إشعال الأوضاع في ناغورنو قره باغ وتغيير هيكل السلطة في قيرغيزستان الأمر الذي أدى إلى تهديد مصالح كل من روسيا، الصين وإيران، وهذه الدول الثلاث هي أعداء مشروع «طوران الكبرى» التاريخيين لأنه إذا ما كُتب له النجاح سيقتطع أراضي من هذه الدول الثلاث.

 

د. عمرو الديب- مدير مركز خبراء رياليست

المصدر الأصلي: معهد أوتاوا لدراسات الشرق الأدنى