إدارة التوحش... الإخوان المسلمون وأربع استراتيجيات عربية

13.10.2020, 19:11, الرباط

دراسة لخبيرنا الأستاذ أمين علوي لمعهد أوتاوا لدراسات الشرق الأدنى.

لم يشكل تنظيم ينسب نفسه للإسلام في عصرنا خطورة على استقرار الجغرافيا العربية مثل تنظيم الإخوان بفروعه وتياراته وتسمياته المختلفة، سواء تلك التي اختارت اختراق دول المنطقة عبر الانتخابات أو تلك التي اختارت العنف لإسقاط الحكومات أو تلك التي تقمصت دور المعارضة السلمية ظاهريا لتتسلل خلسة إلى مفاصل الدولة عبر موظفين ينتمون إليها (خلايا نائمة) ويحاولون التأثير من داخل المنظومة لتسريع الانهيار وتهيئتها لما يعرف بـ«إدارة التوحش» وهو مفهوم ظهر في كتيب نشره شخص مجهول باسم حركي )أبو بكر ناجي( وتبنته مواقع ومنتديات الجماعات المتطرفة وتعاملت معه كـ«مانفيستو» للسطو على الحكم عبر ثلاثة مراحل رتبها مؤلف الكتاب بالشكل التالي:

 

ـ مرحلة أولى عرفها بمرحلة «شوكة النكاية والإنهاك» وفيها يتم اضعاف نظام الدولة بطرق مختلفة حتى تنهار.

ـ مرحلة ثانية عرفها بمرحلة «إدارة التوحش» وتعني سيطرة التنظيم الأقوى في مرحلة فوضى سقوط «النظام» على بقية التنظيمات المسلحة وإدارته لشؤون المناطق المسيطر عليها كما تدار الدولة.

ـ أما المرحلة الثالثة والأخيرة وهي مرحلة التمكين ويقصد بها التمكين «للدولة الإسلامية» (1) !

وهنا يمكن التساؤل عن التشابه المريب بين هذا المفهوم وبين مفهوم «الفوضى الخلاقة»، التي دعت إليها كوندوليزا رايس وتقتضي ثلاث مراحل أيضا لتحقيق الديمقراطية تبدأ بإنهاك الدول العربية عبر الأزمات والحروب والثورات حتى تنهار ثم تليها مرحلة «إدارة الفوضى» ثم تأتي مرحلة التمكين للديمقراطية !!

 

أمام استراتيجية الفوضى (Stratégie du chaos) التي انتجتها خلايا التفكير ومراكز الدراسات الجيوسياسية النافذة في القرار الدولي تحت إشراف لوبيات متطرفة تؤمن بنظرية صدام الحضارات مثل  لوبي المحافظين الجدد, تبنت الدول العربية أربع استراتيجيات رئيسية تجاه التنظيمات المتطرفة ذات المرجعية الإخوانية التي كانت أداة لتحقيق الفوضى على أرض الواقع بشعارات دينية مضللة :

 

استراتيجية الاحتضان والتنمر

 

من المثير أن ندرك أن فرع الإخوان القطري الذي تأسس عام 1975 قد حله مؤسسه القطري الدكتور جاسم سلطان عام 1999 ليصبح التوجه الإخواني جزء من استراتيجية الخارجية القطرية لتوسيع نفوذها وتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد (مخطط تقسيم العالم العربي)  عبر تأطير الثورات الدموية المزمع تصديرها للعالم العربي في مرحلة لاحقة.

 

وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر الرهيبة عام2001  وفوجئ الجميع بالتناغم الكبير بين تنظيم القاعدة الإخواني المرجعية الإرهابي التوجه وقناة الجزيرة القطرية، كانت تسجيلات قائد التنظيم الإرهابي تبث حصريا على قناة الجزيرة، كما كانت تحظى الجزيرة بثقة إرهابيي التنظيم مما جعلها القناة الوحيدة التي تلتقي بهم في تلك الظروف فكان صحفي الجزيرة تيسير علوني أول صحفي في العالم يلتقي أسامة بن لادن بعد الأحداث الإرهابية لعام 2001, كما التقى الصحفي الشهير يسري فودة بالإرهابيين خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة وهما من خططا لتلك العملية الإرهابية.

 

استمر دعم قناة الجزيرة بكل فروعها في دعم بروبغاندا الإرهابيين إلى أن جاءت الثورات وظهر تنظيم «داعش» وجبهة النصرة )تنظيم تابع للقاعدة (فوفرت لهم الجزيرة منصاتها الإعلامية مرة أخرى للترويج لأجندتهم الإرهابية عبر بث «كليبات البروبغاندا» والتقارير والحوارات التي تهاجم الدول العربية وتتوعدها بعظائم الأمور, من بينها حوار قدمه صحفي الجزيرة أحمد منصور من داخل سوريا حصريا مع أمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني و لمعه بشكل فج في حلقات من برنامجه بلا حدود (2).

 

 

بالتوازي مع ذلك كانت الجزيرة تقدم برامج وحوارات وتقارير كلها تدعم الإخوان المسلمين وتروج لمفاهيمهم وتتبنى قضاياهم من المحيط إلى الخليج، وكانت قطر إلى جانب دول أخرى تنتمي لحلف الناتو ملاذا آمنا لقادتهم ولإدارة نشطاتهم، فدعمت شيخهم القرضاوي، المحرض على الثورات و الإرهاب والعمليات الانتحارية في تأسيسه لهيئة إخوانية عام 2004 لاختطاف مرجعية المسلمين حول العالم أطلق عليها اسم « الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين » وأنشأت لهم مراكز لتدريب الشباب العربي على إشعال الثورات وإسقاط الأنظمة على رأسها أكاديمية التغيير (4) التي يديرها صهر القرضاوي هشام مرسي…كما أسست لهم قنوات تدعمهم في كل من لندن وتركيا مثل “قناة الشرق و مكملين، قناة مصر الآن، قناة اليرموك، قناة رابعة، قناة الحوار… « وصحف رقمية كثيرة مثل “العربي الجديد، هافينغتن بوست العربية، عربي 21 ، الخليج الجديد، المونيتور، ميدل ايست آي القدس العربي …» ومنصات أخرى موجهة لدول المغرب.

 

استراتيجية الاحتواء

 

اتبعت بعض الدول العربية مثل الأردن والكويت سياسة الاحتواء تجاه تيار الإخوان المسلمين مما جنبها المواجهة المباشرة معه ولكنها في نفس الوقت لم تستطع أن تسيطر عليه لأسباب هيكلية موضوعية تخص تاريخ وتركيبة تلك الدول مما أحدث بعض الإخفاقات في السيطرة عليه وسهل تحولها إلى جماعة ضاغطة تسببت في أزمات داخلية مختلفة.

 

في مقابل هذه التجارب برزت التجربة المغربية، التي نجحت في استراتيجية الاحتواء للتنظيمات ذات المرجعية الإخوانية  بأقل الخسائر على المستوى السياسي والأمني وتمكنت من إيجاد توازن بين سياسة اللين وسياسة الشدة تجاهها، مما ضمن عدم  انفلات الأمور إلى المواجهة المباشرة أو سقوطها في تمكين التنظيمات من التحول إلى جماعة (لوبي) مسيطر على القرار.

 

 

أدرجت موسوعة الإخوان المسلمين الرقمية ويكيبيديا الإخوان المسلمين (الحركات الإسلامية في المغرب التي تدعي انها متعاطفة فقط مع الاخوان المسلمين ولا تنتمي الى التنظيم الدولي ضمن الجماعات الاخوانية وهو اعتراف من الجماعة الأم بانتماء تلك التنظيمات الفرعية إليها. فجماعة العدل والإحسان التي ترفض الانتخابات وتدعي السلمية مثلا منعت من ممارسة نشاطاتها التحريضية وتجمعاتها التي تستغل الدين لتعبئة الجماهير من أجل إخراجهم في ثورة ضد الدولة.

 

وحوصرت حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية سياسيا عبر مواجهة ألاعيبهما السياسية في الانتخابات الجماعية والانتخابات البرلمانية ثم بوضعهما في مرحلة لاحقة أمام مسؤولية إدارة الحكومة إثر ركوبهم موجة ثورات عام 2011 و استقوائهما بالقوى الأجنبية لتنكشف شعبويتهم وليتحملوا نتائج القرارات غيرالشعبية التي أوعزت لهم بها تلك القوى الأجنبية لينالوا رضاها وهو ما أفقدهم تدريجيا بريقهم وتأثيرهم في تعبئة الرأي العام ضد الدولة. وهو نفس الأسلوب الذي أثبت فاعليته في تجربة سابقة مع اليسار الذي طالما استغل بعض المظالم والأخطاء لتحريض الرأي العام وما أن شارك في إدارة الحكومة حتى فقد قدرته على تهييج الجماهير، كما حوصرت أيضا الجماعات الإرهابية التي تتبنى العنف والإرهاب عبر ضربات استباقية للاستخبارات المغربية التي استطاعت بشكل ملفت تفكيك خلاياها ومحاكمة أعضائها.

 

مكنت خبرة المغرب الكبيرة في ترويض الجماعات المتطرفة منذ فجر الاستقلال من امتصاص تعاطف الشارع معها سياسيا وقد ظهر ذلك جليا خلال موجة ثورات 2011 عبر انتهاجه استراتيجية الإحتواء التي أغنته عن اللجوء إلى العنف الذي كانت تكلفة اللجوء إليه باهضة الثمن في دول عربية أخرى، كما أنه قطع الطريق على تدخلات القوى الكبرى التي تستثمر في تلك الجماعات لتحقيق مصالحها الجيوسياسية ثم تتدخل لحمايتهم بحجة «الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان» إذا تعرضوا لمضايقات.

 

لكن رغم نتائج سياسة الاحتواء الفعالة في إدارة الصراع السياسي مع هذا التيار إلا أنها تركت بعض الفجوات تسلل منها الفكر الإخواني الثوري المعادي للدولة وروج لطروحات أورثت الرأي العام انفصاما في الرؤية لإيديولوجيا الإخوان المسلمين، فنجد مثلا أن الرأي العام قد تخلى عن اندفاعه لدعم حزب العدالة والتنمية بعد أن انكشفت شعبويته السياسية حينما وضعت على المحك، كما خفت بريق جماعة العدل الاحسان بعد أن تراجعت عن دعم حركة عشرين فبراير الثورية التي خرجت مدعية الدفاع عن حقوق المواطنين, إلا أن جزء من الشارع ما يزال يثق في طروحاتهم السياسية والإيديولوجية التي امتزجت بالحقد المزمن على الدولة واتهامها بالعلمنة ومحاربة الدين وطروحات مؤامراتية مثل«التطبيع مع الصهيونية العالمية»!.

 

ولعل أبرز تلك الثغرات يكمن في ضعف التأطير الإعلامي وغياب حملات العلاقات العامة، التي تركت المكان شاغرا للهجمات المنظمة التي تشنها منصاتهم التعبوية ومواقعهم وصفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تعتمد بروبغاندا مدروسة لنشر اليأس والعدمية بشكل مستمر عبر فبركة الأخبار الدراماتيكية وتهويل الحوادث وإطلاق الشائعات التي تشكك في إنجازات الدولة من جهة وتصورها كدولة محاربة للدين من جهة أخرى، وفي نفس الوقت تقدم عبر أسلوب المقابلة نماذج موهومة لتقدم دول أجنبية يديرها الإخوان المسلمون مثل تركيا وماليزيا كنماذج تقارن بها الحكومات العربية! .

 

وما زاد تلك المنصات خطورة هو الدعم والترويج الذي تتلقاه من خارج الحدود عبر قنوات دولية تسعى لإحياء الثورات (قناة الجزيرة) بكل فروعها، فرانس 24، بي بي سي، العربي الجديد، عربي 21 ، العربي الجديد, عربي بوست، قناة الحوار، قناة الشرق، مكملين، صفحات رصد… )، وبمزجهم الملتوي بين انفعالات التذمر المزمن في القضايا الاجتماعية والسياسية وبين الريبة في التوجهات الدينية الرسمية للدولة تمكنوا من تهييج الجماهير وحولوا قطاعات كبيرة منها خاصة في الفئات العمرية الشابة إلى مجموعات قابلة للتطرف الديني والتمرد السياسي والرغبة في التخريب والانبهار بشخصيات إخوانية أجنبية دعوية وسياسية تم تلميعها بشكل مبالغ فيه لتعوض الرموز الوطنية.

 

استراتيجية المواجهة المسلحة

 

هناك دول عربية أجبرت على المواجهة المسلحة بعد أن تدخلت دول كبرى لعسكرة الثورات وتسليح الإخوان المسلمين بكل فروعهم سواء تلك التي تدعي السلمية أو تلك التي تنتهج الإرهاب مثلما حدث في ليبيا وسوريا هي مرحلة متقدمة في المواجهة مع التنظيمات الإخوانية، جدير بالذكر أن التجارب الفاشلة التي أوصلت تلك الدول للمواجهة المسلحة تسبب فيها عاملان أساسيان, الأول أن تلك الدول كانت أنظمتها شمولية يسارية معادية للتدين بشكل فج مما أكسب الجماعات الإخوانية المتطرفة تعاطف الجماهير المتدينة بطبعها و الجاهلة بحقيقة إيديولوجيا الإخوان المسلمين فسهل عليها تجنيدها لمواجهات مسلحة واسعة النطاق بعد أن ضيقت عليها حكوماتها المجال الديني ولم تقدم لها نموذجا دينيا معتدلا غير مميع مصادم للثوابت.

أما العامل الثاني فيكمن في بنية تلك الدول السياسية الجامدة التي ورثت أساليب المنظومة الشيوعية وبقيت متكلسة حول تلك المرجعية المعادية بشكل مطلق «للغرب»، رافعة الشعارات اليسارية الثورية رغم انتهاء صلاحيتها مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشيوعي ولم تستوعب المتغيرات كما لم تغلب المصالح العليا للدولة  (raison d’État)  مما جعلها في عداء «دونكشوتي» مزمن مع دول الناتو التي جندت الإخوان المسلمين في حروب بالوكالة عنها ـ مثلما حدث في تجارب سابقة كالحرب الأفغانية الروسية وحرب البلقان ـ ودعمتهم سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا لقلب أنظمة الحكم بحجة حقوق الإنسان ومواجهة الدكتاتورية و التطرف .

 

استراتيجية الحرب الاستباقية

 

تهدف إلى اجتثاث الإرهاب من جذوره الفكرية واستئصال خلاياه التنظيمية قبل أن تتحول لخلايا سرطانية تجبر تلك الدول على المواجهة المسلحة وقد اختارت الإمارات هذه الاستراتيجية لمواجهة التطرف الإخواني فكانت المواجهة ابتداء مع فرع الإخوان المسلمين الإماراتي المحظور  (جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي والمؤسسات التابعة لها)،  حيث أعلنت عليهم الحرب المباشرة بمعاقبة المصرين على الانتماء إليها بالسجن ومطاردة أعضائها عبر العالم لتجفيف منابعهم بعد اتهامهم بمحاولة قلب النظام  قادتها الجماعة داخل الإمارات مغتنمة ظرفية فوضى الثورات، ثم انطلقت بعدها لإغلاق مواقعهم وحظر القنوات والمنصات التي تدعمهم ثم  طاردتهم عبر العالم لسببين اثنين أولهما حماية نفسها من تهمة تمويل الإرهاب التي ما فتئت تستغلها  جهات معادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ضد الدول التي تريد تقسيمها ونشر الفوضى داخلها وقد رأينا كيف حاولت بعض اللوبيات داخل الولايات المتحدة الأمريكية تلفيق تهم تمويل الإرهاب للسعودية مثلا عبر مشاريع قوانين عقوبات عرضت على الكونغرس مثل «قانون جاستا»  ويبدو أن الإمارات قد تجنبت بخطوات استباقية الوقوع في مثل هذه الورطة منذ مدة طويلة بعد أن قامت بتجميد عمل جمعية الإصلاح الإخوانية عام 1994 عند تلقيهم شكوى من مصر ضدها بعد اكتشاف تورط أعضاء من الجمعية في تمويل إرهابيين منتمين لجماعة الجهاد المصرية. (6) أنظر تقارير راند كوربوريشن وخاصة اخر تقاريرها (بناء شبكات مسلمة معتدلة).

 

حظرت الإمارات عام 1994  جمعية الإصلاح و التوجيه الاجتماعي وهي فرع الإخوان المسلمين بالامارات بعد أن تلقت شكوى من مصر ضد الجمعية التي كشفت أجهزة الأمن المصرية تمويلها عبر لجنة الإغاثة و الأنشطة الخارجية لأفراد من جماعة الجهاد المصرية متورطين في عمليات إرهابية. وقد أمر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بتشكيل لجنة أمنية للتحقيق في صحة الاتهامات المصرية ، وبعد ستة شهور أصدرت اللجنة تقريرا يؤكد صحة الاتهامات المصرية .

 

أما السبب الثاني الذي جعل الإمارات تطارد الجماعة خارج حدودها هو الرغبة في إضعافها كي لا تستمر في تهديدها من الخارج والتأليب عليها عبر وسائل إعلام تمولها جهات معادية ومنظمات تتدثر بقناع حقوق الإنسان بعد أن قضت عليها داخليا، وهي نفس الاستراتيجية التي انتبهت إليها السعودية مؤخرا بعد أن تم اتهامها بتمويل الإرهاب (قانون جاستا) بناء على تورط بعض المواطنين السعوديين في عمليات إرهابية كانوا أعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين أو متأثرين بالحركة السرورية (تيار الصحوة ) وهو تيار يدعي السلفية ولكن في حقيقته حركة اخوانية بحثة أسسها أحد أقطاب تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا اسمه محمد سرور (10) فر إلى السعودية وأنشأ فيها تياره وتتلمذ عليه دعاة مثل سفر الحوالي وسلمان العودة وناصر العمر… وتأثرت به شخصيات دعوية كثيرة مثل العريفي وعايض القرني وعوض القرني …عرفت بخطابها المتطرف تارة وبمراجعات فكرية تارة أخرى، تزعم فيها أنها تتبرأ من ماضيها الداعم للتطرف مع استمرارها في دعم الثورات ! وجدير بالذكر أن أشهر دعاتها هم اليوم في السجون السعودية بعد أن ثبت تواطؤهم مع قطر في التحضير لإطلاق ثورات في دول الخليج وخاصة داخل السعودية، وهي من بين الأسباب التي تفسر الخلاف السعودي الإماراتي مع قطر حيث وضعت حركة الإخوان المسلمين على رأس قائمة شروط المصالحة.

 

إلا أن استراتيجية الإمارات وإن أثبتت فاعليتها في تقزيم دور الإخوان عبر العالم، لكنها وضعتها في مواجهة وجودية مباشرة مع الدول الداعمة للإخوان المسلمين وهو ما عرضها لحملة بروبغاندا إعلامية تركية، قطرية وإيرانية كثيفة مدعومة من لوبي المحافظين الجدد الأمريكي وشبكات الإعلام التابعة له، رسخت في عقلية الجماهير العربية «نظرية مؤامرة» جديدة تتهم الإمارات بالوقوف خلف عذابات كل المستضعفين في الأرض وتصورها ككيان يقف ضد مصالح الشعوب!.

 

خاتمة

لا شك أن تنظيم الإخوان المسلمين يعيش اليوم أسوأ مراحله التاريخية مند تغير دفة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية إثر قدوم ترامب عام  2017 وإيقافه للدعم اللامحدود، الذي حظي به التنظيم  الدولي للإخوان والدول الداعمة له ( قطر ، تركيا ، إيران ) في عهد أوباما، كما أن تحالفه مع القوى العربية التي واجهت الإخوان المسلمين قد مكنها من التسريع في اتخاذ إجراءات عملية لإيقاف المد التخريبي للتنظيم وإلجام القوى الإقليمية، التي تقف خلفه دون الوقوع في مواجهة مع أكبر دولة في العالم كانت إلى وقت قريب تستخدم الإخوان المسلمين في تحقيق الفوضى تمهيدا لتقسيم الدول العربية.

 

أربع سنوات من حكم ترامب كانت فرصة للعرب لإيقاف انتشار سرطان فوضى «الثورات الإخوانية»، التي كادت أن تجهز على المنطقة العربية ككل إذا كان تنظيم الإخوان المسلمين قد خسر سياسيا في هذه المرحلة إلا أنه استمر في الإبقاء على جزء من التعاطف الشعبي خاصة في المناطق العربية، التي لم يتمكن إعلامها من مواجهة بروبغاندا وسائل الإعلام المعادية للعرب التي أعادت ترميم صورة التنظيم المتهالك عبر تسويقها لمظلوميته الزائفة واستغلال عواطف الجماهير، التي لا تملك أدوات التحقق من الأخبار والشائعات التي تنشرها بكثافة وسائل إعلام «مستعربة» وصفحات وحسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي صممت ومولت لدعم الإخوان المسلمين.

 

إذا تمكن ترامب من الفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة ستكون أمام العرب فرصة ثانية لتثبيت استقرار المنطقة وحماية ما استطاعوا الحفاظ عليه من مكتسبات جيوسياسية وتبقى أمامهم أربع سنوات أخرى لإعادة تقييم الاستراتيجية الإعلامية وأدوات الاتصال، التي اعتمدت عليها لتصبح أكثر دينامية وقدرة على التكيف مع مواجهة حملات التضليل التي تتطور يوما بعد يوم في الوسائل والأساليب، ولا بأس في الاعتماد على تكنولوجيا البيانات الضخمة Big Data التي تعين على فهم سلوك الجماهير و تفكيك شيفرة المؤثرات الرقمية التي استخدمتها الجهات المعادية في السنوات الأخيرة لتشكيل رأي عام عربي يعاني من متلازمة كره الذات أكثر من أي وقت مضى مما جعله أداة تخريب طيعة في أيدي الجماعات المتطرفة والمخربين، لكن إذا فاز بايدن فستكون مهمة تحقيق هذا التوازن أكثر صعوبة  بالنسبة للدول العربية التي أفلتت من الثورات الأولى وستكون المواجهة مع محاولة القوى الأجنبية لإحياء ثورات جديدة يسميها الإخوان المسلمون موجة «الربيع الثاني»، وهو ما يستوجب على الدول العربية التي تعاني من حروب الإخوان الموجهة أن تتقارب لإيجاد تناغم بين استراتيجيتين للمواجهة (استراتيجية الاحتواء واستراتيجية الحرب الاستباقية) في أسرع وقت ممكن قبل الانتخابات الأمريكية القادمة لكي لا تكون جهودها متنافرة ولتكون محصنة من تقلبات السياسات الأمريكية.

 

المصدر الأصلي للموضوع: معهد أوتاوا لدراسات الشرق الأدنى