تعزيز العلاقات بين الهند وإيران

12.09.2020, 17:14, نيودلهي

آنيل تريجونيات:إن تأخر الهند في تنفيذ مشروع سكة حديد تشابهار - زاهدان، وقرار الإيرانيين المضي قدماً بمفردهم أثار الشكوك لدى الهند، في أن إيران المحاصرة قد ترتبط بشكل أوثق مع دول أخرى تفرض عليها عقوبات أمريكية مثل الصين وروسيا وباكستان لإنشاء منطقة جغرافية جديدة قد يقوض القطب السياسي ومصالح الهند الإستراتيجية خصوصاً في ظل الجمود الحالي حول العالم.

مصدر الصورة: أ.ف.ب

خيبة أمل

 

تأمل بلد مثل إيران، الخاضعة لعقوبات شديدة في الحصول على فهم وتعاطف أفضل معها، على أمل أنه على المدى الطويل للمبادئ يمكن أن يشهد الوضع بشكل ما إيجاد ثغرة للنظر بوضع إيران من الناحية الإنسانية في ضوء الجائحة العالمية، فلقد أعرب روحاني عن أسفه بالقول: "على مدار الأشهر الماضية منذ وصول فيروس "كورونا" إلى بلدنا، لم يأتِ أحد لمساعدتنا، وإذا كانت الولايات المتحدة لديها القليل من الإنسانية والحكمة، لكانت قد عرضت رفع العقوبات لمدة عام بسبب الجائحة". وأضاف، "لقد فرض ترامب عقوبات جديدة، مستخدماً أشدها، متجاهلاً دعوة بلاده في مارس/ آذار الماضي لمساعدة إيران في حربها ضد الفيروس، فلقد وصفهم المرشد الأعلى علي خامنئي بـ "الدجالين والكذابين". لكن من جهة أخرى إن خيبة أمل طهران كانت موجهة إلى الأصدقاء لعدم مساعدتهم لها.

 

خيارات إستراتيجية

 

إن العلاقات بين الهند وإيران، على الرغم من كونها تاريخية واستراتيجية وحضارية تتمثل في تعميق التعاون من خلال التواصل البنّاء ومن أجل الطاقة، لم تسلم من العقوبات الأمريكية أحادية الجانب ضد طهران، لكن في مقابل ذلك، لم تعترف الهند من حيث المبدأ بالعقوبات الأحادية الجانب ما لم تدعمها الأمم المتحدة، لكن الجغرافيا السياسية في سياق القوة المفرطة لها ديناميكيتها الخاصة، بالطبع مثل هذه المواقف تعرّض الاستقلال الذاتي الاستراتيجي للهند وتصنيفها الدولي ومصداقيتها للخطر. ومع ذلك، فقد ذكر رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي بوضوح أثناء زيارته إلى المملكة المتحدة "نعم، سأذهب إلى إسرائيل وسأذهب حتى إلى فلسطين". مضيفاً، "سوف أتعاون أكثر مع المملكة العربية السعودية، ومن أجل احتياجات الطاقة في الهند، سأعمل أيضاً مع إيران"، وتشهد الزيارات الأخيرة التي قام بها وزيرا الدفاع والخارجية الهنديان لإيران على خلفية اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون في موسكو، من أجل الخيارات الاستراتيجية، خاصة وأن الهند تتمتع بعلاقات ثنائية ممتازة مع معظم دول غرب آسيا كونها جوارها الممتد.

 

من جانبٍ آخر، تأتي الإستراتيجية الهندية الحالية على الرغم من أن الولايات المتحدة منحتها في البداية بعض الإعفاءات لاستيراد النفط من إيران على أمل أن تعود إيران لإعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي لخطة العمل الشاملة المشتركة، إلا أن الوضع الثنائي بينهما استمر في التناقض يوماً بعد يوم كاد يصل إلى مستويات شديدة التقلب والخطورة من التصعيد في العراق. في أعقاب مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في العراق بغارة أمريكية بطائرة بدون طيار في 3 يناير/ كانون الثاني من العام "2020". لكن ساد الهدوء والتعقل، وتم تجنب خيار الحرب، ليأتي بعد ذلك وباء "كورونا"، لكن على المقلب الآخر، يأمل الإيرانيون في الحفاظ على أرضية ثابتة في تغيير النظام السياسي للولايات المتحدة حتى يمكن إحياء الاتفاق النووي والتراجع عن العقوبات.

 

من ناحيةٍ أخرى، فشلت محاولة ترامب في مجلس الأمن الدولي لتمديد حظر الأسلحة على إيران بهامش مقنع، خاصة وأن موقفها في هذه المسألة كان مشكوكاً فيه نظراً لحقيقة انسحابها من الصفقة التي كانت تحاول استحضارها.

 

مصالح مشتركة

 

تتمتع إيران بأهمية إستراتيجية بالنسبة للهند، حيث توفر لها الوصول إلى أفغانستان عبر باكستان وآسيا الوسطى وعبر ممر النقل الشمالي الجنوبي إلى روسيا وأوروبا، ويعتبر ميناء تشابهار الذي طورت الهند مرحلته الأولى أمراً بالغ الأهمية لأمنه واتصاله، حيث يحقق التواصل الصيني مع ميناء غوادر في باكستان، الذي تم الحصول عليه في إطار مشروع "الصين – باكستان - ممر غوادار"، ولكن على الرغم من إعفاء ميناء تشابهار من العقوبات الأمريكية، إلا أن التقدم كان بطيئاً، وفي الوقت نفسه، سعت الهند أيضاً إلى إدراج هذا في "إن إس تي سي" إصافة إلى ميناء بندر عباس.

 

ومع ذلك، فإن الوباء والعقوبات وكذلك التنافس بين الصين والولايات المتحدة وإيران وتغيير الديناميكية السياسية الإقليمية خلقت معادلات جديدة حيث قررت الصين وإيران التوقيع على اتفاقية اقتصادية وأمنية شاملة، وقد تستثمر الصين بموجبها 400 مليار دولار كجزء من البنية التحتية بما في ذلك تطوير الموانئ المتعلقة بالطاقة، وتجدر الإشارة إلى أن الإمدادات طويلة الأجل من الهيدروكربونات جزء من الصفقة، على هذا النحو، تدعم إيران مبادرة الحزام والطريق.

 

من هنا، إن تأخر الهند في تنفيذ مشروع سكة حديد تشابهار - زاهدان، وقرار الإيرانيين المضي قدماً بمفردهم أثار الشكوك لدى الهند، في أن إيران المحاصرة قد ترتبط بشكل أوثق مع دول أخرى تفرض عليها عقوبات أمريكية مثل الصين وروسيا وباكستان لإنشاء منطقة جغرافية جديدة قد يقوض القطب السياسي ومصالح الهند الإستراتيجية خصوصاً في ظل الجمود الحالي حول العالم.

 

المصالح القومية

 

بالمحصلة، لم يكن هناك ندرة في الاجتماعات والتبادلات رفيعة المستوى خاصة منذ زيارة رئيس الوزراء مودي إلى طهران في عام 2016 عندما تم توقيع اتفاقية ثلاثية مع قادة إيران وأفغانستان، وقد تعزز ذلك أكثر من خلال زيارة الرئيس روحاني في فبراير/ شباط العام 2018 عندما سلط البيان المشترك والذي كان عنوانه "نحو ازدهار من خلال قدر أكبر من الاتصال" أي التركيز على التعاون الاستراتيجي وتوسيع نطاقه. إلا أن وقف الهند لواردات النفط من إيران من 11-12٪ إلى ما يقرب من الصفر، على الرغم من الزيارة غير المتعمدة التي قام بها وزير الخارجية جواد ظريف قبل الانتخابات البرلمانية الهندية، خيب أمل الإيرانيين إلى حد ما حتى وهم يحاولون فهم موقف الهند، خصوصاً إذا ما كانت هناك طرق بديلة أخرى لتفادي الأثر السلبي للعقوبات، هذا الأمر قد يكون متداولاً للنقاش، لكن المصلحة الوطنية لكل دولة هي الأهم، ويتم تحديد معالمها وضبطها بدقة مع معادلات القوة العالمية المتغيرة.

 

مشاريع حيوية

 

في الأسبوع الماضي، في طريق عودته من اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون في موسكو، زار وزير الدفاع الهندي راج ناث سينغ طهران لمناقشة التعاون الثنائي والوضع الإقليمي مع نظيره الإيراني الجنرال أمير خاتمي، ومن المعروف أن إيران عضو مراقب في المنظمة، وكانت الزيارة ذات نتائج مرضية. حيث أبرمت الدولتان اتفاقية تعاون دفاعي وأجريا تدريبات بحرية في الماضي وهما شريكان وثيقان في مكافحة الإرهاب، ناهيك عن تجارة الطاقة ونفوذ إيران على مضيق هرمز الإستراتيجي لأمن الطاقة والتجارة البحرية، كما أن هناك احتمالات أوسع للتعاون الدفاعي والأمني بين الجانبين. ومع ذلك، يجب أن تكون الزيارة قد هدأت المخاوف الإيرانية وأكدت اهتمام الهند المستمر واستثمارها في العلاقة التي تربطها مع إيران.

 

في وقت سابق في موسكو، تحدث وزير الدفاع الهندي عن الوضع غير المستقر في الخليج وحث على حل الخلافات من خلال الحوار على أساس الاحترام المتبادل، ويضاف إلى ذلك، التطور سريع الخطى في أفغانستان، في ضوء انسحاب الولايات المتحدة منها، واكتساب طالبان قوة أكبر، هذا الأمر من شأنه أن يكسب التطابق والأساليب الهندية الإيرانية بروزا أكبر. وبالمثل، سيتطلب التغيير الصيني في المنطقة وخاصة في الخليج العربي استراتيجية أكثر قوة من المشاركة المتنوعة.

 

ومن المثير للاهتمام، أن هذا الزخم أعقبه زيارة قام بها الدكتور إس جاي شانكار، وزير الشؤون الخارجية الهندي، في أقل من أسبوع عندما عقد في 9 سبتمبر/ أيلول الجاري اجتماع غداء مع وزير الخارجية الإيراني وهو في طريقه إلى موسكو، لقد كان هذا تكرارا غير عادي للتفاعل ولكنه مهم للغاية من حيث الجوهر والدلالات خاصة في المستقبل. وكتب ظريف على تويتر "سعيد باستضافة نظيري الهندي الدكتور إس داي شانكار في طهران لإجراء محادثات اليوم، وبحث توسيع العلاقات الثنائية والتجارة، وتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية الهامة، إن مشاركتنا النشطة مع منطقتنا هي أولويتنا القصوى".

 

 ساعدت إيران في إجلاء الهنود بينما قدمت الهند المساعدة فيما يتعلق بـ "كوفيد -19" في الماضي القريب، ووصف، وزير الشؤون الخارجية الهندي المحادثات بأنها مثمرة.

 

من هنا، يتبين أنه وحتى الآن، كانت سياسة الهند وممارستها للإنصاف والاتزان في المنطقة وفي أماكن أخرى موضع تقدير على نطاق واسع، ولكن نظرا لأن الديناميكية الإقليمية تمر بتحول كبير، وستقرر الأشهر القليلة القادمة المسار المستقبلي لتركيز القوة المفرطة، سيتعين على الهند توجيه المسار إلى أقصى ما في صالحها من خلال إعادة بناء الثقة ومحو الشكوك من خلال التأكيد على أن الإرتفاع المتزايد للقوة سيفرض مسارات جديدة، كذلك، تود إيران أيضا المشاركة بشكل أكبر مع الهند مع دخولنا مجلس الأمن الدولي كعضو غير دائم، قد تؤدي هذه التفاعلات في السياق الثنائي إلى اجتماع بين الرؤساء في قمة منظمة شنغهاي للتعاون لإعادة العلاقة إلى المدار الصحيح.

 

خاص "رياليست" – آنيل تريجونيات، سفير الهند السابق في الأردن وليبيا ومالطا.