التحالف مع "مسيحي الشرق" سبيل التخلص من "طوران الكبرى"

10.09.2020, 16:00, موسكو

عمرو الديب:  المشروع الطوراني منذ بدايته في منتصف القرن التاسع عشر موجه ضد الاتحاد الروسي بشكل واضح، ففي حالة تنفيذه يمكن للروس مواجهة ليس فقط فقدان النفوذ الروسي في آسيا الوسطى والقوقاز بل حقيقة خروج الجمهوريات المسلمة، وعلى رأسها تتارستان من الاتحاد الروسي، هنا لا يوجد أي استغراب (فقط انظر الى حجم النفوذ التركي في جمهورية تتارستان الروسية).

 

لم يكن لديه أي فرصة للنجاة من الموت، الخطأ الأول الذي ارتكبه، أنه كان يبحث عن الطعام وحيداً؛ فربما الأمور كانت ستأخذ مجرى آخر لو كان برفقة شخص آخر، الخطأ الثاني والأكبر كونه يتجول بعيداً جداً في منطقة خطرة أقصى الوادي. الأبطال المذكورون في قصة رواها جون ميتاني الباحث في مجال عالم القردة العليا، ليسوا من البشر وإنما هم من فصيلة الشمبانزي التي تسكن في المتنزه القومي بأوغندا.

 

غريزة الإنتماء

 

من خلال هذه الكلمات تظهر لنا أهمية الانتماء إلى مجموعة تربطها لغة واحدة ومصالح واحدة، إنها القومية والتي أصبحت شعار المرحلة في العالم ككل، وبالطبع أنا لست فيلسوفاً أو منظراً لكي أقوم بمحاولة شرح المعنى العميق لمصطلح القومية، ولكن يمكن للجميع الوقوف على مظاهر هذا المصطلح. اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، خروج الولايات المتحدة من عديد من المنظمات الدولية وانسحابها من الاتفاقيات الدولية وحربها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي والصين، هي نزعة قومية واضحة.

 

مصطلح العالم الروسي "الناطقين بالروسية" وتحركات روسيا منذ عام 2008 في منطقة دول الاتحاد السوفيتي السابق والشرق الأوسط، وأخيراً تغيير مواد الدستور الروسي والتأكيد على سمو القانون الروسي على القانون الدولي هي أيضاً قومية. بدء دول الاتحاد الأوروبي في تحقيق مصالحها بشكل منفصل، تحركات فرنسا الأخيرة على المستوى الأوروبي وعلى صعيد الشرق الأوسط وإفريقيا بعيداً عن الاتحاد والناتو هي قومية، وكذلك الأمر بالنسبة لألمانيا وإيطاليا.

 

كما أن النزعة القومية كانت هي أساس خروج بريطانيا العظمى من الاتحاد الأوروبي، إذاً نحن أما عالم يتجه إلى الأنانية المطلقة، المتمثلة في النزعة القومية وكلما زادت مستويات هذه النزعة، كلما ارتفعت حدة الصراعات. دولة أخرى مهمة جداً خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، أصبحت تنتهج القومية من أجل تحقيق أهدافها الخاصة بها وهي تركيا.

 

إستراتيجية جديدة

 

حتى وقت قريب، كانت القيادة التركية، برئاسة رجب طيب أردوغان، تحاول تنفيذ استراتيجية العثمانية الجديدة، واستعادة النفوذ على كامل المساحة التي كانت تحتلها الإمبراطورية العثمانية، ومن خلال تلك الاستراتيجية سعت أنقرة إلى دمج "العثمانية الجديدة" في المشروع الأمريكي العالمي "الشرق الأوسط الكبير"، لكن سقوط الإخوان المسلمين في مصر وتعزيز مواقف التشكيلات الكردية في مناطق شمال سوريا، وتعزيز روسيا لوجودها العسكري السياسي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ذلك بدأ تأثير الصين في الظهور بشكل ملحوظ، فقد ظهر ضعف الوزن الأيديولوجي والعسكري والسياسي لأنقرة في العالم الإسلامي بأكمله تقريباً من خلال هذه الاستراتيجية.

 

كما أن حرمان الأتراك من آفاق حقيقية للاندماج في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تذبذب العلاقات مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة، أدى بالقيادة التركية للعودة إلى القومية التركية غير القائمة على العنصر الإسلامي أو ما يسمى بالعالم التركي أو بـ "طوران العظمى". القومية التركية، حركة سياسية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي كان هدفها الاتحاد السياسي لجميع الشعوب الناطقة باللغة التركية في الإمبراطورية العثمانية وروسيا والصين وإيران وأفغانستان، سعت الحركة، التي بدأت بين الأتراك في شبه جزيرة القرم وفولغا، في البداية إلى توحيد الأتراك التابعين للإمبراطوريتين العثمانية والروسية ضد الهيمنة الروسية القيصرية المتزايدة، وهذا هو تعريف Encyclopaedia Britannica

 

القومية التركية هي نظير الوحدة الجرمانية أو السلافية، وينظر مؤيدو هذا الاتجاه إلى الأتراك على أنهم "أمة واحدة"، استقرت من الصين وآسيا الوسطى إلى منطقة الفولغا والبلقان.

 

بنو طوران

 

يقول رشيد رضا في صفحة 501 من المجلد رقم (19) ربيع أول – 1335هـ بمجلة المنار، "ظهرت في تركيا حركة جديدة عرفها القوم باسم "بني طوران" أعني، طوران الجديدة، وقد نبتت في الآستانة سنة 1331 هجرية ثم أخذت تنتشر في أجزاء كثيرة من السلطنة، وقد امتازت هذه الحركة بكونها مقصورة على فئة مخصوصة غايتها توحيد القومية التركية بالعنصرية الجنسية دون الروابط الدينية الإسلامية"، وإليك بيان الغايات التي ترمي إليها في مساعيها وأعمالها:

 

أولها، أن تجعل الأتراك أمة قائمة بذاتها مستقلة عن الدين الإسلامي تمام الاستقلال حتى يتهيأ لها أن تربي فيهم ذلك الشعور القومي؛ ثانيها، ترقية الروح العسكرية التركية فقط؛ ثالثها، إنشاء العلاقات التجارية وغيرها من الصلات بين مسلمي بلاد العجم الشمالية "أذربيجان"، وبلاد روسيا في آسيا والأجزاء الجنوبية منها؛ رابعها، تطهير اللغة التركية من الألفاظ العربية والفارسية ومن آداب هاتين اللغتين.

 

ولهذه الجمعية التركية مَطمع آخر ترمي إليه وإن لم تجهر به رسميّاً وهو "تتريك العرب" وإدغامهم في الترك حتى لا تبقى لهم قومية قائمة بذاتها، وأكبر آمال هذه الجمعية أن تجعل التركي العثماني يعد نفسه تركيّاً قبل كل شيء، وأما كونه مسلماً فيعد عنده من المسائل الثانوية التي لا تهمه كثيراً.

 

الأهداف التي ذكرها رشيد رضا منذ ما يقرب 107 سنوات، هي أركان السياسة الخارجية التركية الحالية، والتي من خلالها تتعاطى تركيا مع كل الدول التي تمتلك فيها نفوذ.

 

بدء التنفيذ

 

إذا نظرنا لقمة الذكرى السنوية السابعة لمجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية التي عقدت في نهاية عام 2019 في باكو، والتي شارك فيها رؤساء أذربيجان وتركيا وكازاخستان وقيرغيزستان، ولأول مرة كعضو كامل – أوزبكستان، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي تتمتع بلاده بوضع المراقب، نجدها المرحلة الأوضح على طريق تحقيق حلم "طوران الكبرى". وذلك لعدد من الأسباب المهمة، أولها، اقتراح نزار باييف الرئيس الأول لكازاخستان بالتخلي عن مصطلح "الناطقين بالتركية" وتحويل المجلس إلى "منظمة الدول التركية"، وتطوير برنامج "رؤية تركية 2040". ثانياً، قول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في خطابه بالقمة إن "حلمه هو قيام ست دول وأمة واحدة".

 

جدير بالذكر أن مفهوم "دولتين – أمة واحدة"، الذي يخص تركيا وأذربيجان فقط، قد نجح حتى الآن والدليل مستوى العلاقات الثنائية والذي رأيناه في المناوشات الأذرية – الأرمنية الأخيرة، وبكل المؤشرات نحن نتحدث عن إحياء أفكار القومية التركية، في محاولة لبدء تنفيذها في ظروف سياسية وجيوسياسية حديثة محددة.

 

عَلم دول المجلس التركي، هو العلم الإجباري الثاني بعد العلم الوطني في دول المجلس.

 

من خلال هذا المشروع التركي الجيو – سياسي، نجد أنه موجه إلى دول المنطقة العربية بالأساس، من خلال محاولة الاتحاد مع إيران التي يمكن أن تواجه ضعف مما هي عليه الآن ومن خلال العمل على تنفيذ الهدف المهم الذي ذكره رشيد رضا وهو تتريك العرب، وهذا الأمر نجده في موجة حب قطاع ملموس من الشعوب العربية للتجربة التركية الأردوغانية ونجده في النفوذ التركي في العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، الصومال وقطر.

 

خوف روسي

 

بالإضافة لذلك فهذا المشروع منذ بدايته في منتصف القرن التاسع عشر موجه ضد الاتحاد الروسي بشكل واضح، ففي حالة تنفيذه يمكن للروس مواجهة ليس فقط فقدان النفوذ الروسي في آسيا الوسطى والقوقاز بل حقيقة خروج الجمهوريات المسلمة، وعلى رأسها تتارستان من الاتحاد الروسي، هنا لا يوجد أي استغراب (فقط انظر الى حجم النفوذ التركي في جمهورية تتارستان الروسية).

 

لذلك نجد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، متحدثًا في منتدى "إقليم المعاني"، بتصريح مثير حول استعداد موسكو "للنظر" في مسألة الانضمام إلى مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية (المجلس التركي)، وهذا التصريح دليل كبير على استشعار روسيا خطر هذا المشروع، فإذا لم تكن روسيا قادرة على مواجهة هذا المشروع بشكل عملي، فيمكنها الانضمام للمشروع، من أجل إضعافه وإبعاده عن أهدافه.

 

في العشر سنوات الأخيرة تحاول روسيا دائماً الإرتماء في حضن تركيا، من أجل عدم اكتساب عدو يمكنه إضعافها بشكل كبير، فبالرغم من إسقاط الطائرة السو-24 وعدم الاعتراف بضم القرم وإثارة المشاكل في آسيا الوسطى والقوقاز وسوريا وليبيا ومقتل السفير الروسي، لم تقم روسيا باتخاذ خطوات عدوانية ضدها. بشكل عام نحن لا نتحدث عن مشروع يمكن أن يظهر خلال 100 عام لكن نتحدث عن مشروع بدأت بالفعل الخطوات في تنفيذه، والهدف منه هو الاتحاد الروسي والدول العربية.

 

الكنيسة ومواجهة المشروع

 

بالنسبة لنا، نرى بالفعل هذه الحقيقة، الصراعات في المنطقة العربية، تعمل على منع أي اتحاد في المستقبل القريب، بل على العكس تستهدف هذه الصراعات تقسيم الدول ذاتها، الصراعات في منطقة شرق أوروبا (أوكرانيا، والصراع المحتمل في بيلاروسيا) أصبحت مسألة يمكن أن تنتهي معها أي أحلام للكرملين في توحيد الإخوة السلافيين، خصوصا مع تقسيم الكنسية الروسية باستقلال الكنيسة الأوكرانية ومحاولة تقسيم الكنيسة الصربية بمحاولة استقلال كنيسة الجبل الأسود.

 

نلاحظ في الصراعات التي تم ذكرها في الفقرة السابقة وجود العامل التركي في كل هذه الأزمات، فتركيا التي لها يد في كل صراعات المنطقة العربية ولها حضور مخابراتي وعسكري في كل أزمات المنطقة العربية (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، قطر، لبنان والصومال) نجد أن لها يد أيضاً من خلال كنيسة القسطنطينية في تقسيم الكنسية الأرثوذكسية الروسية ومحاولة تقسيم الكنيسة الصربية، وأيضاً الموقف التركي في نزاع "ناغورنو قره باغ"، تجعلنا نؤمن بوجود فكرة إثارة النزاعات في كل المناطق الجغرافية المحيطة بمنطقة "طوران العظمى".

 

من تصرفات تركيا الحديثة على الساحة الدولية، يمكننا أن نستنتج أن القومية التركية ليست مجرد شعار للنخبة التركية، بل هي دليل للعمل، ولا يجب أن نستهين بتأثير هذه الفكرة على النظام الإقليمي والعالمي، فيجب ألا ننسى أن الأوروبيين كانوا يعتبرون أدولف هتلر مجرد حالم شيطاني، وكانت نظريته عبارة عن هذيان بجنون العظمة لا يمكن تنفيذها.

 

وأد المشروع!

 

أولاً، بالرغم من عودة جميع الدول الكبرى إلى مصطلح القومية وتحقيق المصالح الذاتية فقط لها، دون اعتبار لأي اتحاد دولي قائم، إلا أنني أخاف أن أذكر مصطلح القومية العربية، فالاتهام جاهز (شخص حالم لا يفهم شيء)، لذلك سأنطلق من فكرة وجود مشروع القومية التركية وبدء تنفيذه، فلماذا لا يكون لدينا مشروعنا القومي الخاص؟

 

الحديث هنا ليس عن انتظار رفاهية من محاولة تنفيذ مشروع القومية العربية كما في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ولكن الحديث عن هذا المشروع هو مسألة وجود أو انقراض ونحن في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين.

 

ثانياً، إذا كنا غير قادرين على تنفيذ مشروع القومية العربية، فيجب البحث عن كيان آخر مهدد بنفس الأخطار، المسيحيين الشرقيين أو الاتحاد الروسي، فالأمة العربية والروس تهددهم تركيا ومن ورائها بريطانيا العظمى.

 

لذلك، إذا كان لدينا الشجاعة على التعاون مع دولة إسرائيل بسبب وجود الأخطار المشتركة، فنحن أمام ضرورة وجود تعاون وثيق بين الروس وبين العرب بأي شكل وبأي طريقة، من أجل الوقوف ضد خطر "طوران الكبرى"، فمن مصلحتنا الاتحاد مع مسيحي الشرق، إذا ما تم تحالفنا معهم سننهي أحلام القومية التركية، وهي خطر فظيع بنجاحها في الاتحاد مع إيران.

 

*د. عمرو الديب – مدير مركز خبراء رياليست.

 

المصدر: معهد أوتاوا لدراسات الشرق الأدنى.