ما وراء زيارة بوتين للرياض- الظروف و الأهداف

10.10.2019, 07:24, موسكو

بدأت العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعوية، مثل العائلات الحاكمة في الدول المجاورة، أي الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وحتى دولة قطر الخليجية التي هي على خلاف معهم جميعاً منذ سنتين تقريباً، تدرك بأن هناك عملية لإعادة تهيئة السوق النفطية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي المملكة العربية السعودية بشكل خاص، كما أدركت الرياض بأنها لن تستطيع القيام بذلك بمفردها، وأنها تحتاج إلى شركاء جدد في الفترة القادمة، وستكون مشاركة موسكو خطوة مهمة جداً إلى الأمام.

مصدر الصورة:  AFP

على ضوء الهجوم الذي تعرضت له منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة (آرامكو) النفطية السعودية في المملكة العربية السعودية يوم السبت 14 سبتمبر 2019، بطائرات مسيرة بدون طيار، وبعد التغيير الذي شهدته أسواق النفط العالمية نتيجة هذا الحادث، والذي يأتي قبل وقت قصير من الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرياض قريباً:

أكد الكرملين، في أول تعليق من روسيا على استهداف منشأتي النفط لـشركة "أرامكو" السعودية، أن مثل هذه التطورات لا تسهم في استقرار الأسواق النفطية، وأن الرياض لم تطلب مساعدة من موسكو في هذا الصدد. حيث قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف: "إن الهجوم الذي نفذ فجر السبت بواسطة طائرات مسيرة واستهدف البنية التحتية السعودية، هو حدث مقلق بالنسبة إلى سوق النفط العالمية، وأن مثل هذه الأحداث بالطبع، لا تسهم في إرساء الإستقرار في أسواق الطاقة العالمية". وأشار بيسكوف إلى أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يتابع آخر التطورات المتعلقة بهذا الصدد، وأن الجانب السعودي لم يطلب أي مساعدة من روسيا الإتحادية على خلفية هذا الهجوم.

لكن، وبالرغم من هذه التصريحات الحكومية الروسية، إلا أن العديد من الخبراء في دول الخليج العربية، من المتخصصين في مجال العلاقات الدولية، يرون أنه وبالرغم من تبني ما يعرف بجماعة الحوثيين في اليمن لهذا الهجوم على المملكة العربية السعودية، إلا أن الجهات المستفيدة من هذا الحادث تتجاوز الحوثيين أو إيران من خلفهم، حيث يرى بعض الخبراء، أن بعض الأعداء والمنافسين للإتحاد الروسي هم من المستفيدين أيضاً من هذا الحدث الكبير، ولذلك فإن الحكومة الروسية وأجهزتها الأمنية لم تستبعد إمكانية وجود من ساعد في تخطيط وتنفيذ هذه العملية الإرهابية، أو حتى من غضَّ النظر عن تنفيذها في هذا الوقت بالذات.

ولذلك فإن أجهزة الإستخبارات الروسية كثفت تقاريرها الأمنية أكثر فأكثر، وبدأت تراقب تطورات الأوضاع عن كثب نظراً لأن هذه العمليات الإرهابية، وبلا أدنى شك أفسدت الكثير مما كان الفريق الرئاسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطمح إليه ويخطط له. فقد ذكر مدير جهاز الإستخبارات الخارجية الروسية، سيرغي ناريشكين، أن الجهاز يجمع المعطيات حول الهجوم الذي تمَّ على منشأتي شركة "أرامكو" السعودية، معتبراً أنه من السابق لأوانه تحميل إيران مسؤوليته.

ولو عدنا إلى الخلف قليلاً، إلى يوم 11 سبتمبر 2019، سنتذكر تصريحات وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، الذي أعلن بأن روسيا والمملكة العربية السعودية يستعدان لتوقيع عشرات المشاريع المشتركة الجديدة، وأن الرياض قد تبدأ بالإستثمار في المشاريع الروسية قريباً، وبالذات في مجال البتروكيماويات وإنتاج الغاز الطبيعي المسال، وإنشاء مراكز بحث مشتركة بين موسكو والرياض، وهي من القضايا التي سيبحثها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، وبالذات مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين احتراماً وتقديراً كبيرين للغاية.

هل تمثل هذه الهجمات التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية  حجر عثرة في طريق تطوير العلاقات (الروسية – السعودية)، من أجل إعاقة تطوير علاقاتهما ومشاريعهما المستقبلية ؟

للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نتفهم موقف الفريق الرئاسي الروسي في الكرملين، حيث يعلم هذا الفريق تماماً، كما تعلم وزارة الخارجية الروسية، بأن المملكة العربية السعودية هي شريك (معقد للغاية) للإتحاد الروسي، لأن القيادة السعودية دائماً ما تتحرك وفق بوصلة مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى، لكن، وفي الوقت نفسه، فإن موسكو باتت مدركة بأن الرياض تسعى الآن للحصول على دعم من موسكو لحماية مصالحها من الأعمال غير الودية التي يمكن أن تتعرض لها المملكة العربية السعودية، كما حصل مؤخراً، وقد بدأ السعوديون يدركون بأن الوضع السياسي والعسكري للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط قد تغيير كثيراً، وأن الوضع الجيوسياسي في الخليج في العام 2019 ليس كما كان في عام 1990 أو 2003.

ففي العام 1990 كانت الولايات المتحدة الأمريكية تستفيد من تفكك الإتحاد السوفيتي، وكانت تتحرك في المنطقة العربية بحرية، لأن واشنطن كانت تعلم بأن موسكو لن تزعجها ولن تقف في طريقها، أو تعرقل خطواتها لإخراج الرئيس العراقي صدام حسن من الكويت. وفي العام 2003، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت بتنفيذ مخططها الإقليمي العالمي المعروف بإسم (الشرق الأوسط الكبير) حيث قامت واشنطن بحربها الثانية ضدَّ العراق من أجل الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، وكانت هذه الحرب هي الثانية لها في منطقة الخليج والثالثة لها بعد قصف أفغانستان في العام 2001.

أما الآن، فإن الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد عشرين عاماً من العمل ومن جهود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أدركت القيادة الأمريكية، ومن خلفها المؤسسات الأمريكية التي تدعمها بأن الإتحاد الروسي في العام 2019، ليس الإتحاد الروسي في العام 1999، ولذلك، فإن كافة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن تتعامل مع روسيا من منظور مختلف.

ولهذا السبب، فقد أدرك السعوديين، وكذلك إخوتهم في الإمارات العربية المتحدة وفي مملكة البحرين، بأن روسيا ستفتح أبواب جديدة للتعاون التكنولوجي مع المملكة العربية السعودية، فضلاً عن أن موسكو تتمتع بعلاقات طبيعية مع كبار اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط، ويمكنها أن توفر للمملكة العربية السعودية بعض الضمانات الجغرافية السياسية للمساعدة في حماية رأس المال المتدفق (من وإلى) المملكة العربية السعودية. و في الوقت نفسه فإن روسيا الإتحادية ترغب بأن تقوم المملكة العربية السعودية بمساعدة موسكو في التغلب على تأثير العقوبات الغربية، لأن القيادة الروسية مدركة للثقل الإقليمي والعربي والإسلامي للمملكة العربية السعودية، والذي يمكن أن يجعل منها عاملاً مساعداً لروسيا الإتحادية في التخلص من الـتأثير السلبي للعقوبات الغربية المفروضة ضدَّ موسكو.

ولهذا، فإن بعض الخبراء العرب في دول الخليج، وبالذات في المملكة العربية السعودية، يرون بأن هذه الأحداث التي شهدتها بلادهم، ستدفع بالقيادة السعودية للتفكير ملياً لحفظ أمن العاصمة السعودية، ووضع أمنها على محمل الجد، خاصةً وأن الجانبان الروسي والسعودي، قد أدركوا أهمية التعاون بينهما، أي أن الجانبان قد أدركا أنه من الأفضل أن يكونا أصدقاء لعدة أسباب، منها أسباب سياسية، ومنها أسباب اقتصادية، ومنها يعود إلى أن منطقة الخليج مقبلة على تغيير كبير في مطلع العام 2020، وهو ما يفهمه الأمريكيون وما يفهمه الروس، وحتى السعوديون أنفسهم.

لقد كان هناك خلاف واضح وكبير بين السعوديين والأميركيين، وقد أدى ذلك إلى حرب في أسعار النفط بين أعوام 2014-2017، هذا من الناحية الإقتصادية التي تشكل أساساً للتعاون بين واشنطن والرياض. أما من الناحية السياسية فإن القيادة الروسية وعلى رأسها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد أدركوا جميعهم في الوقت المناسب، بأن هناك خطط أمريكية لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط، وكذلك منطقة الخليج، وهو الأمر الذي أثار سخط بعض السياسيين في المملكة العربية السعودية لأن التوجه الأمريكي الجديد قد أثار قلق الرياض فعلاً.

فضلاً عن هذا وذاك، فإن القيادة الروسية، ومنذ فترة، وكما يعتقد الخبراء الروس، تراقب عن كثب  عمل الشركات الأمريكية والبريطانية، التي كانت تعمل في وقت سابق ومنذ فترة طويلة في منطقة الشرق الأوسط، وبشكل رئيسي في تطوير حقول النفط، وقد أدركت القيادة الروسية منذ عام 2003 بأن هناك لاعبين من دول أخرى بدأوا يأتون إلى العراق وإلى المملكة العربية السعودية، لسبب بسيط، هو أن هذه الشركات الغربية، وجميعها تقريباً، لم تعد تفتتح مشاريع جديدة في هذه المنطقة.

ولهذا السبب، بدأت العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعوية، مثل العائلات الحاكمة في الدول المجاورة، أي الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وحتى دولة قطر الخليجية التي هي على خلاف معهم جميعاً منذ سنتين تقريباً، تدرك بأن هناك عملية لإعادة تهيئة السوق النفطية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي المملكة العربية السعودية بشكل خاص، كما أدركت الرياض بأنها لن تستطيع القيام بذلك بمفردها، وأنها تحتاج إلى شركاء جدد في الفترة القادمة، وستكون مشاركة موسكو خطوة مهمة جداً إلى الأمام.

وهنا تبرز النقطة الأكثر أهمية، بلا أدنى شك، لكل من المملكة العربية السعودية و الإتحاد الروسي، وذلك لأن هذه التغييرات الحاصلة حالياً، ستؤثر أيضاً على صناعة النفط الروسية بشكل واضح، تماماً كما ستؤثر على الصناعات النفطية العربية في السعودية وفي البلدان المجاورة لها.

لكن قسماً آخر من الخبراء والمحللين في دول الخليج العربية، يرون أنه كان من الأفضل لحكومة المملكة العربية السعودية، في هذا الوضع السياسي الإقليمي والدولي الصعب، أن تعمل وفق المقولة الروسية الشعبية الشهيرة: (المال والسعادة يحبان الصمت والهدوء)، وذلك لأن تصريحات وزير الطاقة السعودي الأخيرة، قد تكون هي النقطة التي أفاضت الكأس لدى بعض من لا يرغبون برؤية أي تقدم في العلاقات بين (موسكو والرياض).

فقد أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز،  بأن الرياض وموسكو تعتزمان بالفعل حالياً إقامة علاقات قوية، وأن البلدين يريدان الحفاظ على هذه العلاقات، وأن الهدف الرئيسي من تطوير العلاقات مع موسكو وتحسينها، هو الحصول على تحالف أقوى وأكثر استقراراً وأكثر شمولاً، لأن الرياض ودول الخليج العربية، بالإضافة إلى 10 دول نفطية أخرى تقودها روسيا الإتحادية، يريدون تعديل الإتفاقية المتعلقة بعمليات إنتاج النفط العالمي.

ولهذا السبب فإن اللقاء الأخير الذي جمع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك مع نظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، لم يكن حول أسعار النفط فحسب، بل كان قد بحث التحضير لعقد اجتماع بين الرئيس فلاديمير بوتين وقيادة المملكة العربية السعودية، وبالذات بشأن الإكتتاب العام الأولي لشركة أرامكو السعودية، حيث تعتبر القيادة الروسية، بأن هذه اللحظة مهمة للغاية لسوق النفط العالمية، نظراً لأن المملكة العربية السعودية ستسمح بالوصول إلى احتياطياتها، والتعاون في تنميتها، ولذلك اعتبرت القيادة الروسية بأن هذا الإكتتاب العام، هو عبارة عن تذكرة دخول، في حين أن المشاريع المستقبلية، والمشاركة في هذه المشاريع، سيعتمد بلا أدنى شك في المستقبل على الإتفاقيات السياسية التي سيتوصل إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارته إلى الرياض ومباحثاته مع المسؤولين في المملكة العربية السعودية.

ولهذا السبب، فإن جدول الأعمال الذي يتم إعداده حالياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل زيارته إلى المملكة العربية السعودية، سيتأثر بلا أدنى شك بالأحداث الإرهابية الأخيرة التي شهدتها المملكة العربية السعودية، لكن هذا الـتأثير لا يمكن له أن يصل إلى المرحلة التي يمكن أن تلغى فيه هذه الزيارة، خاصةً وأن الزيارة قد تمَّ الإعلان عنها، وأن الكرملين  يضع الخطوات النهائية للقيام بها خلال شهر أكتوبر تشرين الأول للعام الجاري 2019.

والجدير بالذكر أن العديد من المحللين والمراقبين والخبراء العرب، يعتقدون بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سيحاول في المملكة العربية السعودية بأن يوسع الدور الروسي في منطقة الخليج، ولذلك سيبدأ من المملكة العربية السعودية، ومن بعدها من دولة الإمارات العربية المتحدة، لأن جميع القيادات السياسية في دول الخليج العربية، باتت تعلم بأن الأمريكيين يمكنهم أن يغيروا مواقفهم السياسية حسب مصالحهم، أما الروس فإنهم مختلفون، لأن لديهم برنامج سياسي مستقل لا يخضع لتحكم رؤوس الأموال كما هو الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فقد بدأت كافة دول الخليج العربية بتحسين وتطوير علاقاتها الدبلوماسية والسياسية والإقتصادية مع موسكو.

وهنا، تثار العديد من الأسئلة التي تنتظر الإجابة عليها قبل زيارة فلاديمير بوتين إلى الخليج، مثلاً:

  • هل سينجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذه الزيارة التاريخية إلى المملكة العربية السعودية بفتح آفاق جديدة لهذه العلاقات التاريخية ؟
  • هل يمكن للقيادة الروسية أن تغيير مسار السياسة السعودية والخليجية التي ما زالت منذ عقود تعتبر بأن دول الخليج العربية هي دول حليفة للولايات المتحدة الأمريكية ؟
  • هل ستعود روسيا الإتحادية لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية في الدول العربية بعد ان تمكنت موسكو من الإنتصار على واشنطن في الجمهورية العربية السورية ؟

والجدير بالذكر أن كل هذه الأسئلة ستتم الإجابة عليها بعد الزيارة التاريخية التي سيصل فيها  فلاديمير بوتين إلى العاصمة السعودية الرياض، وذلك لأن هذه الزيارة ستكون الفرصة الأخيرة لوقف التصعيد الحاصل في منطقة الخليج قبل أن ينفجر الوضع الأمني هناك بين المملكة العربية السعودية وإيران.

وتجدر الإِشارة إلى أن الإتحاد الروسي، هي الدولة الأكثر قدرة في العالم حالياً، على حماية دول الخليج، ومنع حدوث أي حرب وأي تصعيد هناك، لأن بعض عواصم الغرب ترغب بنشوب الحرب في منطقة الخليج بين السعودية وإيران. ليس فقط من أجل إضعاف المملكة العربية السعودية اقتصادياً، وليس من أجل إضعاف إيران عسكرياً، وإنما من أجل خلق مشكلة إقليمية جديدة في الإقليم لتهديد الإتحاد الروسي.

 

حسام الدين سلوم- دكتوراه في تاريخ العلاقات الدولية، خبير في العلاقات الدولية و متخصص في العلاقات الروسية-الخليجية، خاص لـوكالة أنباء «رياليست»