روسيا وتركيا.. الخلافات ليبية.. والإنتقام في إدلب

26.06.2020, 18:00, موسكو

هناك تباينات كثيرة بين روسيا وتركيا مؤخراً، فمن حيث الشكل يلتقيان في الملف السوري، ومضموناً هناك إستثمار تركي واضح لطرد الروسي من الملف الليبي بشكل غير مباشر، فما هو إحتمال أن ترد موسكو على التطورات الليبية في سوريا، وتحديداً في الشمال السوري؟

من المعروف أن روسيا حاولت ولا تزال تحاول حجز مقعداً لها في ليبيا، أسوةً بسوريا، فهي أملت نجاحها في ذلك لوجود تركيا شريكها الرئيس في الملف السوري، لتصطدم بحائط عزلها من قوى كبرى، وتكون أنقرة أول المستفيدين من خروجها، لكن الواقع يقول إن هناك تراخٍ روسي واضح في الملف السوري، فهي التي تدخلت وأنهت معركة إدلب بطلب من أنقرة، وأعطت زخماً كبيراً لإتفاق موسكو في الخامس من مارس/ آذار الماضي، وبالنظر إلى هذا التاريخ وما جاء من بعده، زادت الخروقات من قبل التنظيمات الإرهابية التي في غالبيتها هي موالية لتركيا، إلا أن الاتفاق صمد لكن ليس لوقتٍ كثير في ضوء التطورات الأخيرة خاصة في جبهة الشمال السوري.

 

ومنذ العام 2015 أي منذ تدخل روسيا رسمياً في الملف السوري، وصولاً إلى ما قبل التدخل التركي في ليبيا، أبرمت موسكو وأنقرة عشرات الهُدن والتي أوقفت العمليات العسكرية لصالح تركيا والتنظيمات الإرهابية، ولم تأتِ هدنة واحدة لصالح الدولة أو الشعب السوري، فكانت الدولة الروسية تتعامل بناءً على تحالفاتها الاقتصادية مع شريكتها أنقرة، وبالتالي كان لروسيا موافقات كثيرة تتعلق بالعمليات العسكرية التركية أي منذ العملية الأولى درع الفرات وغصن الزيتون ودرع السلام وآخرها عملية إدلب التي حملت إسم درع الربيع، وهذا ما كان ليتم ويتحقق لولا التحالف الروسي – التركي التي بموجبه خسرت سوريا مناطق وأراضٍ من جغرافيتها، لنقل مؤقتاً لكنه تم بمباركة روسية غير مباشرة وهذه حقيقة ليست خافية على أحد.

 

في موازاة ذلك، وبعد النجاح التركي في ليبيا، بدأت فعلياً بإستقدام تعزيزات عسكرية إلى الشمال السوري على الرغم من شموله بإتفاق موسكو الأخير، لكن تعي القيادة في أنقرة أنه من المحتمل أن تقوم روسيا بتصعيد ما في سوريا، كنوع من الرد على مسألة ليبيا، فبدأت تركيا بتحصين الشمال بالتعزيزات العسكرية وأقامت نقاط مراقبة جديدة لها خاصة في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب، لتكون على أهبة الإستعداد إن ما بدأت معكرة إستكمال التحرير والتي من المتوقع أن تتم مع أي خرق جديد يحدث.

 

وبالتالي، بعد سنوات من الشراكة الروسية – التركية ورغم ما يقال عن الدبلوماسية الروسية التي تتمتع بذكاء منقطع النظير، إلا أنها فشلت أمام التركي، فهي التي لمحت في وقت سابق مباركتها لأي طريقة تضمن بها الانسحاب الإيراني من سوريا بالإضافة إلى حزب الله بالطبع، وذلك أيضاً بطريقة غير مباشرة، فضلاً عن المعلومات التي تحدثت عن خلافات بينها وبين الدولة السورية، وعلى الرغم من نفيها لذلك، لكن ربطاً مع الواقع اليوم، يجعل من هذه المعلومات حقيقة وليست مجرد تسريبات أو إشاعات لا أساس لها، فها هي موسكو اليوم تتقرب من إيران مجدداً وقالت بعض الأوساط إن الوجود الإيراني في سوريا لم يعد أولوية روسية، وهنا أولويتها بالنسبة لإسرائيل، فهي لا مشكلة معها بشكل مباشر، بل يبدو أن ذلك إرضاءً لتل أبيب، فمحاولة موسكو عودة إحياء أو إنعاش علاقتها مع إيران الشريك لتركيا أيضاً والداعم لحكومة الوفاق، هو رد غير مباشر للبدء بلملمة أوراق الضغط في مواجهة الدولة التركية.

 

إلا أن دولة بحجم روسيا، جعلت منها تركيا لعبة بيدها في إدلب، فالجميع يعلم أن الفصائل الإرهابية هي بيد أنقرة، من هيئة تحرير الشام إلى حراس الدين إلى السلطان مراد والقاعدة والأوزبك والإيغور أو الحزب الإسلامي التركستاني والجيش الحر وأحرار الشام والكثير غيرهم، هم أدوات تركيا في الشمال السوري، وموالين لها، فبالرغم من محاولة الدولة الروسية السماح لطلبة الشهادتين الإعدادية والثانوية المرور عبر معبر الترنبة بريف إدلب، إلا أن الفصائل الإرهابية لم تسمح لهم رغم أخذ الموافقة من الضامن التركي، وهنا بداية تأرجح الشراكة الروسية – التركية.

 

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل برزت مؤخراً محاولة تركية واضحة لإقصاء روسيا من الطريق الدولي المسمى "إم -4"، عبر إستهداف الدوريات العسكرية الروسية مؤخراً من قبل التنظيمات الإرهابية وتحديداً هيئة تحرير الشام "تنظيم جبهة النصرة سابقاً"، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون بتنفيذ فردي من قبل تلك الفصائل، فبإقصاء روسيا من منطقة الشمال السوري، وكذلك الشرق، حيث تتعرض الشرطة الروسية لإستفزازت مستمرة من قبل القوات الأمريكية، يبين أن ثمة محاولة تركية واضحة لإبعاد روسيا من ملفات حيوية وإبقاءها في مناطق تواجدها المعروفة كالساحل السوري على سبيل المثال.

 

أخيراً، هذا الأمر، إن لم تتداركه روسيا، فهي في طريق خسارة ثانية بعد ليبيا، ويبدو أنها تنبهت لهذا المخطط، فلقد أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً تندد فيه بالإستهدافات الإرهابية على سوريا، وهي سابقة لم تحدث خلال العشر سنوات من عمر الأزمة السورية، فإن أرادت موسكو حقيقةً كسر شوكة تركيا، عليها التنسيق مع المصدر مباشرةً أي مع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد يختلفون في كثير من الملفات، لكنهم سيلتقون في البعض منها، خاصة المتعلقة بإيران والأزمة اليمنية وحتى الصين وكوريا الشمالية، فإن لم تفعل ذلك، سيقول التاريخ أن حفيد السلطان سليم، قوّض القيصر وجعله موقع الضعيف بعد أن كان متزعم رئيس في كل الملفات.

 

فريق عمل "رياليست".