الأزمة الليبية على مفترق طرق

06.06.2020, 22:00, بيروت

 

أخذت الأزمة الليبية منعطفاً تصاعدياً، بدأ يحدد الأدوار الدولية والإقليمية المنخرطة فيه، فمن جهة أصبح التدخل الدولي علني بعد أن كان ينادي بالحل السياسي، ومن جهةٍ أخرى، تكشفت أدوار بعض الدول الإقليمية، خاصة الجارة لليبيا، التي لا حول لها ولا قوة، على الرغم من الخطر الكبير على أمنهم القومي.

 

خطأ إستراتيجي

 

إعتقد البعض في بداية الربيع العربي، أن سوريا أخذت الزخم الأكبر من الاهتمام الدولي، خاصة مع يقينهم من إسقاط نظامها بالقوة أسوةً بما حدث في مصر وتونس وليبيا، فكان الاهتمام منصب عليها على جميع الأصعدة، فيما يبدو أن المكائد الدولية تعمل عملها لكن بهدوء أو على الأقل تقسيم أدوار خفي تركز بتهيئة الأرضية المناسبة وتعيين الأشخاص المناسبين حتى يحين دور الدول الأخرى، لكن مع تعقيدات المشهد السوري وتشعباته ومده وجزره، ودخول روسيا على خط مكافحة الإرهاب، عرقل تلك المخططات، ومن هنا بدأت الحرب الفعلية، فالدور الروسي كان حاضراً في أغلب دول الشرق الأوسط، سلباً أو إيجاباً، فإن كان موقفها من إستهداف ليبيا في العام 2011، وإسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، خطأً إستراتيجياً، تم تعويضه في سوريا، أصبح الدرب ممهد أمامها لتصحيحه في ليبيا.

 

ولا يخفى على أحد أن كل أطراف الصراع في ليبيا، تخضع لإرادات سياسية معينة ولها مصالحها والتي هي إقتصادية في المقام الأول، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى تحليلات أو فرضيات، فلقد أسس الراحل القذافي بنية إقتصادية قوية من خلال إتحاده ودول الساحل والصحراء، ليصبح ملك القارة الأفريقية بالمعنى المجازي، ولإيطاليا تجربة طويلة مع الليبيين وصراعها هناك، من هنا أخذت روسيا دور "المصلح" و"المعاقب" في آنٍ معاً، لإعادة برمجة التوازنات الدولية، بدأت في سوريا وستنتهي في الشمال الأفريقي.

 

دور خجول

 

عندما تنحرف الثورات أياً كانت جنسيتها، وتخرج عن طابعها السلمي يتبين حجم المؤامرة المُحاكة ضد البلاد التي خرجت منها، فبعضها أخذ أبعاداً مذهبية وبعضها الآخر، ذات طابع إقتصادي، وبعضها إتخذ شكلاً إرهابياً نمّى الحركات الجهادية فبرزت السلفية والوهابية والإخوانية إلى إنخراطها بتلك الثورات ضمن إطار "العمل المسلح"، وإتجاه العقائد الدينية لتكون ديانات إسلاموية متطرفة، كإنبثاق تنظيم داعش وجبهة النصرة والقاعدة وبوكوحرام وغيرهم من الحركات التي رأت في تلك الثورات فرصة للإنطلاق وتخريب الدول من قاعدة نشر الإرهاب، وبالطبع بتحريك من المخابرات الغربية، وأيضاً هذا أمر واضح وجلي، فحتى الآن سوريا والعراق ومصر وليبيا وبعض الدول الأفريقية لم تتخلص من هذه المفرزات، بل وتشتد تبعاً لأهمية الدول التي تعمل وتنشط فيها.

 

وبرز الإسلام السياسي كمكون أساس في مفاصل الحكم، لا بل وصل البعض منهم إلى سدّة الرئاسة كالرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، والغنوشي في تونس، وفي ليبيا أيضاً، بدا جليّاً أن حكومة الوفاق من هذا الصنف، وبنت تحالفاتها مع الدول ذات الطابع الإخواني كتحالفها مع تركيا، وإشتد الإقتتال بين أطراف الصراع الليبي من منطلق الحرب الإسلامية المتشددة، ليدخل التحالف الدولي ويضرب أهدافه بحجة محاربة تلك التنظيمات تحت ذريعة التخلص منها، الأمر الذي شكل خطراً كبيراً على الجوار الليبي، كمصر والجزائر وتونس وبعض الدول الأفريقية، التي شهدت حركة نزوح كبيرة من الداخل الليبي، ما يعني أن الخطر توسعت دائرته، ولم يعودوا في منأى عنه.

 

وبالنظر إلى هذه المخاطر، نلاحظ إقتصار دور تلك الدول على الوقوف في وجه الإرهاب نظرياً، إما خوفاً من مصير مشابه لليبيا، أو أصبح المشهد العربي مشهداً يتغنى بالأخوة العربية من الباب النظري، وفي التطبيق، لا حياة لمن تنادي، فإجتماع رئيس الجزائري والتونسي مع القيادات التركية خير دليل، على أنهم يريدون إقتصار دورهم في حدوده الدنيا، تاركين الأوضاع تأخذ مجراها بحسب التدخلات الخارجية، وسط ضبابية عامة في مواقفهم تجاه شقيقتهم المنكوبة.

 

محاولات ضبط 

 

مع التباينات العربية تجاه الأزمة الليبية، وحتى السورية نرى إنقساماً إلى معسكرين، معسكر يؤيد إسقاط النظام وآخر يدعم صمود النظام، ومع الخلاف الخليجي – الخليجي بين قطر وشقيقاتها، برز دور دولة الإمارات ومصر وحتى السعودية ولو بشكل غير معلن، فالعالم الإسلامي يحتاج إلى قيادة وقيادته في الرياض لا في أنقرة، فحاولت تلك الدول دعم قوات شرق ليبيا، لأن النموذج الإخواني غير مستساغ في أروقتهم، لظروف خاصة بهم وتجارب هم أدرى بها، فبات التدخل التركي في شؤون دول الشرق الأوسط، تدخلاً سافراً غير مقبولاً، وصل إلى درجة الاحتلال، فليبيا ليست دولة جارة لتركيا ولا يربطها بها أي شيء إلا الأطماع الخارجية بثروات هذا البلد، وهذا تعيه القاهرة وأبو ظبي جيداً، فرأينا التقارب الإماراتي – السوري مؤخراً، وإن كان يصب في مصلحة سوريا، لكنه أيضاً رسالة مباشرة وواضحة لتركيا.

 

لقد إنتهجت تركيا الإنخراط مع حكومة الوفاق عبر دعمها، وتترجمت في الإتفاقية البحرية والأمنية التي اعتبرتها اليونان أنها إنتهاك لحدود الجرف القاري لجزيرة كريت، وترد أنقرة بأن الإتفاقية تحترم القانون الدولي، وهذا الرد جاء من منح الغرب الشرعية لحكومة الوفاق، مستغلين هذا الأمر لتقويض كل مساعي قوات شرق ليبيا والأطراف الداعمة لها.

 

تضييق التمدد الروسي

 

مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة، إلى سوريا وإعلانه منها، بداية الحل السياسي، يؤكد أن المعارك القادمة في المناطق المتبقية من الأراضي السورية ان تكون بزخم العام 2015 – 2019 مع بداية دخول روسيا الرسمي، وبذلك تكون موسكو متفرغة للساحة الليبية، فلقد جمعت في أكثر من مناسبة أطراف الصراع في محاولة لعقد هدنة بطريقة أو بأخرى مشابهة للحالة السورية، نظراً لعلاقتها الوثيقة مع تركيا في الملف السوري، ومن الممكن الإستفادة من ذلك في ليبيا، وكان يبدو أنه من الممكن تحقيقها لبعض التوازن، إلا أن الغرب ضغط على حكومة الوفاق ففشلت تلك المساعي، وعادت الأوضاع إلى المربع الأول.

 

ولمنع التمدد الروسي المقلق بعض النجاحات التي حققتها في سوريا، خرج الغرب بسيناريوهات كثيرة، يحاولون فيها منع روسيا من تأدية الدور الريادي لدولة عظمى، في محاولة لإخراجها من المشهد ككل، فجاء إتهام الأمم المتحدة بأن الدولة الروسية ترسل قوات ومقاتلين من شركة فاغنر الروسية للقتال في ليبيا بصورة غير شرعية في تقرير وصفته الأمم المتحدة بالسري والمؤلف من 46 صفحة، لتخرج بعد وقت قصير جداً القوات العاملة في أفريقيا "أفريكوم"، بإتهام موسكو بإرسال مقاتلات حربية من طراز "ميغ -29" و "سو -35"، الأمر الذي نفته روسيا، ونفاه المتحدث باسم القوات المسلحة الروسية أحمد المسماري، معللاً بأن الطائرات روسية لكنها موجودة منذ زمن الراحل القذافي، وتم إصلاحها مؤخراً.

 

وعلى الرغم من اليقين بأن هذا الأمر غير صحيح، خاصة وأن قوات أفريكوم ذكرت أن تلك الطائرات حلقت من سوريا بعد أن تم طلائها، فبالأمس تحديداً، أعلن مصدر عسكري سوري، عن تسلم الجيش السوري الدفعة الثانية من مقاتلات "ميغ -29" الروسية المحدثة، ليتم ضحد رواية الغرب الذي يحاول إخراج روسيا من الملف الليبي بعدة ذرائع.

 

الأمر المؤكد، أن روسيا لن تخرج من هذا الصراع، ولن تترك الساحة للقوى الغربية، خاصة وأن هناك معلومات تتحدث عن أن وجهة الولايات المتحدة القادمة هي أفريقيا، وهذا لا يعني أنها غير موجودة، بل تريد اليوم أن تكون بشكل واضح بعد أن عمدت إلى تخفيف أعداد الجيوش الأجنبية المتواجدة في افريقيا، خاصة الفرنسية منها.

 

أخيراً، إن الحديث عن هذا الملف واسع جداً، ففيه ملف الطاقة الذي تصيدته تركيا ظاهرياً، بضوء اخضر أمريكي، وفيه برز الخلاف اليوناني – التركي ،التركي – المصري، والتركي – الإماراتي، ما يعني خروج جملة من الملفات، فمن المتوقع أن تكون الحرب القادمة بين اليونان وتركيا، والأمر الأكثر تأكيداً أن روسيا متنبهة جيداً إلى الدور الخطير في ليبيا والقارة السمراء ككل، والأمر الآخر، تعي بخطورة التمدد التركي، إلا أن هدوءها الحالي سينتهي مع ترتيب البيت الداخلي السوري، لتبدأ بمنح الشرعية لقوات شرق ليبيا، وبالتالي دخولها طرفاً أساسياً بطلب من المشير خليفة حفتر في المستقبل القريب.

 

المصدر: مركز سيتا.

 

سمر رضوان – نائب رئيس تحرير وكالة "رياليست".