موسكو تختبر نوايا أنقرة في ليبيا عبر سوريا… هل تسقط التفاهمات؟

05.06.2020, 19:24, عمان

مالك الحافظ: التفاهمات بين الروس و الأتراك في الملف السوري لن تكتمل ما دامت القوى الجهادية المتطرفة تتواجد على بقعة واسعة من منطقة إدلب لخفض التصعيد.

مصدر الصورة: سبوتيك

كثيرة هي الملفات المتشابكة  داخل إطار العلاقات الروسية-التركية، التي قد يكون تشابك بعضها إيجابي لدفع هذه العلاقات وتعزيزها ولكن بعضها "الطارئ" قد يهدد بتراجع خطوات التفاعل داخل حزمة التفاهمات المشتركة. رغم التطور التدريجي للعلاقات بين البلدين منذ بداية الألفية الجديدة، إلا أن تاريخ العلاقات التركية-الروسية شهد فترات متعددة من التوتر، لكن عام 2016 كان يمكن اعتباره "المحطة النوعية"  لنقل هذه العلاقات نحو مسار استراتيجي؛ كانت محطته الرئيسية في سوريا -سياسياً- وتوسعت لتمتد وتتعمق أكثر في مجالات مختلفة.

 

تقدمت العلاقات بشكل مضطرد منذ أكثر من عشرين عام، إلى اليوم الذي سقطت فيه الطائرة الروسية في تشرين الثاني 2015 (بعد شهرين من التدخل العسكري الروسي في سوريا)، وخلال الفترة التي سبقت إسقاط الطائرة، تقاربت موسكو مع أنقرة بالشكل الذي سمح بترقية علاقاتهما. لقد تسارعت العلاقات الثنائية بين الجانبين بشكل مستمر منذ أن بعث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برسالة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معرباً فيها عن حزنه لإسقاط الطائرة.

 

أردوغان الذي قام بزيارته الأولى إلى الخارج في أعقاب المحاولة الانقلابية في تركيا (تموز 2016) إلى سانت بطرسبرغ (9 آب 2016)، حيث شكّلت تلك الزيارة "علامة بارزة" في العلاقات الثنائية بين البلدين بعد توقف دام تسعة أشهر تقريباً. اتفق الزعيمان -آنذاك على ضرورة حل المشاكل الإقليمية من خلال مبادرات مشتركة. سعت روسيا جاهدة خلال الفترة الماضية لضمان تمرير رؤيتها في سوريا بالتشارك مع تركيا بمعزل عن تشابكات ملفات أخرى قد تُعقد مهمة إنجاز ذلك، ليس أولها وجود تركيا في حلف "الناتو"، و الذي يرتبط بشكل مباشر بتعقيد إتمام صفقات الأسلحة الروسية إلى تركيا.

 

التصعيد المتزايد في ليبيا

 

المساعي الروسية في تمرير توافق مشترك مع تركيا -قدر الإمكان- في الملف السوري، لا يعني بالمقابل أن ترضخ الرئاسة الروسية لتمدد نفوذ تركي يضرب المصالح الروسية في بلدان أخرى في المنطقة. كان وصول روسيا إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط (قاعدة حميميم وميناء طرطوس بسوريا) هدفاً استراتيجياً، داخل منطقة تغص فيها القواعد الأميركية، غير أن خسارة نفوذ -قد يتوسع- في ليبيا لن يكون مقبولاً لدى موسكو، بخاصة وأنها تريد عودة نفوذها إلى هناك بعد إقصائها عام 2011 إثر تدخل حلف الناتو.

 

لم تتضح صورة الموقف الروسي بشكل تام في ليبيا قبل اصطفاف واشنطن وأنقرة إلى جانب قوات "حكومة الوفاق الوطني"، وقد كان الرئيس الروسي قد صرّح بخصوص ذلك في وقت سابق أنه على تواصل مع القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بشأن الأزمة الداخلية الليبية، مؤكداً -آنذاك- أنه من الصعب تحديد من هو على صواب، ومن يقع عليه اللوم في ليبيا، لكن الأكثر صحة هو إيجاد حل لوقف الأعمال القتالية، وقد يكون ذلك الحل الذي دعا إليه بوتين هو الأنسب بالنسبة لموسكو، فهو الحل الذي يعبر عن رغبتها في عدم التصعيد في ملفات عديدة خوفاً من انهيار التوافقات جميعها مع أنقرة.

 

يُمكن النظر إلى أن موسكو ترى بأن التوافق مع تركيا وحدها في سوريا لن يضمن حسم الأمور فيها، رغم أن هذا الملف كان جامعاً بين الطرفين على مشتركات عديدة، لكن ذلك بالمقابل لا يعني أن تقبل روسيا بأن يتمدد الأتراك في ليبيا بينما تراقب موسكو خسارة حكومة طبرق لمزيد من الأراضي وتسلم محور "الإخوان المسلمون" زمام الأمور مجدداً هناك. قد تكون خسارة كل من قاعدة "الوطية" الاستراتيجية ومن بعدها مطار طرابلس ومن ثم مدينة ترهونة آخر معاقل قوات الجيش الليبي بزعامة خليفة حفتر في غرب ليبيا، ساهمت بتحريك العجلة العسكرية في الشمال السوري مجدداً، حيث يعود التصعيد الروسي في منطقة إدلب لخفض التصعيد.

 

معارك ليبيا تدور في سوريا

 

بات الصراع في ليبيا نسخة تابعة لصراع التوازنات في سوريا، دخلته واشنطن إلى جانب أنقرة، ولتكون ليبيا "الحديقة الخلفية" للملف السوري. فمع اشتداد حدة الصراع في ليبيا بين طرفي النزاع هناك، يمكن أن نرى ازدياداً أكبر في زخم التصعيد العسكري في الشمال الغربي من سوريا، ليسمع دوي المدافع في الدولة الإفريقية بشكل جيد في سوريا.

 

من المستبعد تطبيق "تمنّيات" بعض المتابعين لشؤون الشرق الأوسط، واعتبار أن كلا الجانبين يرون المنطقة على امتداد جغرافيتها كلاً واحداً، فنظرة روسيا إلى المنطقة نظرة ذات أبعاد استراتيجية أكثر ما تكون نظرة توسعية كما هو الحال لشريك روسيا "المؤقت" في سوريا، ولا يمكن على ضوء ذلك اعتبار أن تسليم طرابلس والنفوذ هناك سيكون مقابله رفع يد تركيا عن إدلب، ذلك يكون خطأ تقديري كبير في النظر إلى أن الرؤى في المنطقة بين روسيا وتركيا متشابهة.

 

الاتفاق الروسي-التركي في آذار الماضي والذي قضى بضمان وصول روسيا إلى الطريق الدولي "M5" بشكل كامل ولاحقاً إلى "M4" بشكل نسبي، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأمور بين الطرفين بسببه وصلت إلى أعلى مستويات الشراكة، فرغم أنهما اتفقتا -مثلاً- على تسيير دوريات مشتركة على امتداد طريق حلب-اللاذقية الدولي "M4" خلال الفترة الماضية، فإن ذلك لا يعني الكثير بالنسبة لروسيا أمام تطورات الملف الليبي، فسيطرة تركيا هناك تضرب حكماً المصالح الروسية على البحر المتوسط و تؤدي إلى ضياع مسائل أخرى مترابطة هناك ستتأثر وتضر بالاستراتيجية الروسية في المنطقة.

 

التفاهمات بين الروس و الأتراك في الملف السوري لن تكتمل ما دامت القوى الجهادية المتطرفة تتواجد على بقعة واسعة من منطقة إدلب لخفض التصعيد (هيئة تحرير الشام، الحزب التركستاني الإسلامي، جماعة حراس الدين) وهو الملف الذي لم تتجه تركيا إلى حله بشكل يرضي روسيا، حيث ما يزال مصيره مُعلّقا ومجهولا وتريده تركيا ورقة أخرى رابحة بيدها تسعى للعب به في ردهات توازن النفوذ في الشمال السوري.

 

تستغل تركيا ملف تلك التنظيمات المتطرفة لفرض نفوذها بشكل أكبر في مناطق الشمال الشرقي من سوريا، وهو أمر يبدو أن روسيا بات يزيد من انزعاجها تجاه الأتراك.

 

يبدو أن موسكو ترى أن أنقرة تتغلغل أكثر في كل من سوريا وليبيا وتعمل على زيادة أوراق تقوي موقفها، لذلك قد يشي عودة التصعيد في الشمال السوري مؤخراً وازدياد حدته قريباً مرتبطة بذلك، ولو أن عودة التصعيد يبدو أنه بمثابة اختبار كشف نوايا أنقرة ومدى توافقها وعودتها إلى مربع التوافقات مع روسيا ما سيؤدي إلى التراجع عن تمددها، وإلا فإن عودة التصعيد العسكري الروسي مجددا في الشمال السوري بذريعة مقاتلة "التنظيمات الإرهابية" التي تشدد دائما على ضرورة إنهاء وجودها؛ بشكل رئيسي في محيط الطريق الدولي "M4"، وهو ما لم تستجب له تركيا بشكل مناسب حتى الوقت الحالي.

 

مالك الحافظ- باحث و محلل سياسي، خاص لوكالة أنباء "رياليست"