القرار الدولي رقم 2254 حول سورية بين رمي الشارع وقراءة الشاعر!

04.06.2020, 20:41, موسكو

 

مصدر الصورة: الجزيرة

 يقول تعالى في كتابه الكريم "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى"، ولكن وبكل أسف فإن من يحاول اجتزاء الجملة أو تغيير الترتيب في الجملة لن يحصل على المعنى الحقيقي لما أراد الله من هذه الآية الكريمة، وبكل أسف فإن الحرب على سورية قامت ليست ببعيداً عن التفسيرات الخاطئة لآيات القراّن الكريم ولم تكن ببعيدة عن الاستناد إلى أحاديث الرسول الكريم محمد بن عبد الله والفتاوي الدينية المحرفة والتي يتم صناعتها بحسب الطلب والحاجة والمكان والزمان الذي يجب ان تستخدم فيه.

 

 وبكل أسف فقد وقع الكثير من العباقرة السياسيين من محللين وأصحاب مراكز دراسات استراتيجية وخبراء وغيرهم الكثيرين في هذه المطبات وهذه التفسيرات وهذه الاجتزاءات لجملة من القرارات الإقليمية والدولية حول الوضع في سورية، فمنذ مقررات جنيف للعام 2012 إلى قرارات الجامعة العربية بتجميد عضوية الجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية وغيرها من مخرجات فيينا ومقررات أصدقاء سورية والكثير الكثير من الاجتماعات والمقررات وعلى مختلف المستويات الإقليمية والدولية وصولاً إلى نهاية العام 2015 عندما تم وبتاريخ 18.12.2015 اتخاذ القرار الدولي تحت الرقم 2254 حول سورية والذي اختلف المحللين والخبراء الاستراتيجيين وأصحاب مراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية حول إمكانية تطبيق هذا القرار "وكما يحلو للكثيرين من المحللين السياسيين استخدام عبارة (بحذافيره)" للوصول إلى انتهاء الأزمة السياسية في سورية" ولايستخدمون عبارة لإنهاء الحرب على سورية".

 

 وهذا الأمر يعتبر الخطأ الأول الذي يقع فيه كل هؤلاء لأنهم لا يريدون الاعتراف بأن ما يجري في سورية ليس أزمة سياسية وإنما هي حرباً معلنة ضد الجمهورية العربية السورية والشعب السوري معاً بغض النظر عن انتماءاته واتجاهاته السياسية والاجتماعية والمادية والدينية والمذهبية والمناطقية فكل الشعب السوري في نهاية المطاف خاسر من هذه الحرب المدمرة، وكل الشعب السوري اكتوى بهذه الحرب المدمرة وكل الشعب السوري ذاق الأمرين من هذه الحرب المدمرة، فماذا لو غصنا في أعماق هذا القرار الدولي ذا الرقم 2254 والذي يطالب البعض تطبيقه وبحذافيره للخلاص من النار السورية التي كوت الجميع وما زالت إلى يومنا هذا ؟

 

بدأت الحرب على سورية "ما يسمونها الأزمة السورية" في مارس/ اّذار من العام 2011 عبر مظاهرات بدت ملامحها من الخارج "سلمية" بعد أن اكتملت الاستعدادات العسكرية وإدخال الأسلحة والإرهابيين إلى أماكن مختلفة من الأراضي السورية حتى انقلبت إلى مظاهرات للتدمير والقتل وإشعال الحرائق في أبنية الأجهزة الحكومية السورية" ومراكز الشرطة والقصور العدلية وصولاً إلى تدمير مراكز الدفاعات الجوية السورية وغيرها" والتي لا تمت إلى السلمية لامن قريب ولا من بعيد وتتطلب من أية دولة في العالم ووفق القوانين الدولية والمحلية التصدي لها وإخمادها والقضاء عليها مهما كانت الخسائر والتضحيات"، على سبيل المثال خروج شارع واحد في بريطانيا جعل من رئيس مجلس الوزراء البريطاني براون إنزال 21000 جندي بريطاني إلى جانب الشرطة وتم إخماد حراك الشارع وبسرعة كبيرة وعندها قال رئيس الوزراء البريطاني براون "عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني أو القومي البريطاني فلا أحد يحدثني عن حقوق الإنسان" وهو ما نراه اليوم أيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية وكيف تتصرف مع المحتجين على مقتل المواطن الأمريكي من أصول أفريقية على يد أحد عناصر الشرطة المحلية الأمريكية"، وبالمناسبة هذه القصة تعيدنا بالذاكرة إلى بداية الحرب على سورية ومقتل "حمزة الخطيب" رغم الشبه بالشكل والاختلاف في المضمون.

 

 بكل الأحوال نجد بأن القرار الدولي 2254 تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجلس الامن بتاريخ 18.12.2015 وتمت مناقشته في نفس اليوم وفي فندق مجاور للأمم المتحدة بين أعضاء مجلس دائمي العضوية  في مجلس الأمن الدولي ومن بعدها تم الاتفاق عليه وإقراره تحت الرقم 2254، وبالطبع وبعد معاناة الشعب السوري لأكثر من أربعة أعوام في مجابهة الغزو الإرهابي لسورية والدعم اللامحدود لهم إقليمياً ودولياً دبلوماسياً وإعلامياً وعسكرياً ومخابراتياً، ورغم كل ذلك استطاعت الدولة السورية الحفاظ على هيكليتها رغم خسارتها مساحات كثيرة خضعت للإرهابيين وخرجت عن سيطرة الدولة السورية والجيش العربي السوري، وتاريخ إقرار هذا القرار واعتماده جاء بعد شهرين ونصف تقريباً من دخول القوات الجوفضائية الروسية لقتال الإرهابيين إلى جانب الجيش العربي السوري ولحماية الشعب السوري والدفاع عن وحدة واستقلالية الأراضي السورية ووفقاً لدعوة من الحكومة الشرعية السورية وبناءً على الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين الروسي والسوري والمتطابقة مع القوانين المحلية الروسية والقوانين الدولية.

 

 فكانت العمليات السريعة للجيش العربي السوري وحلفائه وأصدقائه "روسيا، إيران والمقاومة اللبنانية" التي أدت إلى إعادة التوازن للوضع العسكري وعلى أقل تقدير خلال هذه الفترة القصيرة لمشاركة القوات الجوفضائية الروسية أدت إلى وقف تمدد الإرهابيين وإلى وقف قضم المزيد من الأراضي السورية عندها ما كان من الإدارة الأمريكية إلا أن تتسارع في وضع مسودة قرار دولي كمحاولة منها لمنع تحقيق أي تقدم من قبل الجيش العربي السوري وحلفائه وأصدقائه بمعنى اّخر كانت الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة هذا القرار تحاول رسم خطوط حمراء على الأرض تمنع من خلالها الجيش العربي السوري من تجاوزه وكأنها تقول هذا لي وهذا لكم وبيننا القرار 2254 والذي يقف الكثيرين اليوم للدفاع عنه وتطبيقه بحذافيره.

 

ماذا في مواد هذا القرار؟

 

على الرغم من أن الشكل النهائي للقرار 2254 ليس بالطبع كما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية  "بحذافيره" إذا تمت وبعد المناقشات الطويلة كما أسلفنا في الفندق المجاور لمبنى الأمم المتحدة، إدخال التعديلات الكثيرة عليه وبشكل خاص إصرار الولايات المتحدة على أن يكون هذا القرار تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يشرعن التدخل العسكري كما حدث في ليبيا على سبيل المثال، إضافة إلى المادة الثانية من هذا القرار والتي "تؤكد" ولا "تذكر" الالتزام القوي بسيادة واستقلال ووحدة الجمهورية العربية السورية ووحدتها الترابية وانسجاماً مع أهداف ومبادىء ميثاق الأمم المتحدة.

 

فهذه المادة بمفردها فقط كفيلة وضامنة لكل تحركات الجيش العربي السوري ووعملياته العسكرية وفي مختلف أنحاء الجمهورية العربية السورية ووفق رؤيته وخططه لا بل وملزم بتحقيق وحدة التراب السوري، لذلك فإن كان هدف بعض المحللين السياسيين أو قصدهم "بحذافيره" فأنا اتفق معهم بالكامل وبدون تردد وعلينا عندها مطالبة الحكومة السورية تطبيق القرار الدولي 2254 بحذافيره.

هذه المادة من القرار الدولي 2254 أكثر من رائعة ومهمة للغاية وتعطي المجال للاستمرار في مكافحة الإرهاب الذي استشرى على الأراضي السورية وسلب الأملاك العامة والخاصة ونهب الخيرات والثروات وهجر المدنيين من بيوتهم واغتصب وكفر الحجر والبشر والشجر.

 

المادة الثالثة من هذا القرار تعترف صراحة بوجود عناصر إرهابية ومتطرفة تزعزع الاستقرار في سورية وفي دول الجوار أيضا وتعترف بزيادة انجرار الإرهابيين للقتال في سورية وتعترف بالدمار الحاصل في سورية وانتشار الطائفية ولكن تدس السم بالعسل عندما تقر بكل ما سبق وتربطه في ظل غياب الحل السياسي، وهنا حذافير هذه المادة تتناقض تماما مع حذافير المادة السابقة على اأقل تقدير من خلال ربطها لوقف كل ما ورد في هذه المادة بالحل السياسي في سورية!

 

بالانتقال إلى المادة الرابعة من هذا القرار نجد أن هناك ثمة حلقة مفقودة فالقرار يٌذكر بمطالبة كافة الأطراف باتخاذ الخطوات الملائمة لحماية المدنيين بمن فيهم أبناء المجموعات القومية والدينية والمذهبية ويؤكد في هذا السياق على أن المسؤولية الأساسية تقع على كاهل السلطات السورية في حماية أبناء شعبها، وهنا لم يحدد هذا القرار من هي "كافة الأطراف"؟ فطرف الحكومة السورية مفهوم وهو يقوم بدوره وواجباته وملتزم تماماً بما جاء في هذا القرار وهذه المادة، ولكن ماذا عن الطرف الآخر؟ فهل هو اعتراف بالإرهاب والإرهابيين والمتطرفين الذين أتى على ذكرهم في المادة السابقة هم من يشكلون الطرف الآخر؟

 

لنصل في النهاية إلى النقطة العاشرة من هذا القرار والذي يتحدث فيه اوسع طيف ممكن من المعارضة التي يختارها السورية، والتي ستقرر ممثليها للتفاوض؟ وهنا الكارثة الحقيقية فمن هي المعارضة ومن اختارها ومتى من السوريين، فمن يتصدر اليوم ما يسمى بالمعارضة تم تركيبها وانتقائها بعناية شديدة عن طريق الدول الإقليمية والدولية وأقبية المخابرات الأجنبية لأننا لم نسمع على الإطلاق بأية عملية اختيار "انتخاب" من قبل الشعب السوري وبالتالي فإن الطرف المسمى بالمعارضة فاقد تماماً لشرعية مفاوضاته مع الطرف الحكومي السوري لأنه لم يتم انتخابه واختياره من قبل الشعب السوري ليكون ممثلاً لهم وليس ممثلاً عليهم عبر الدعم الإقليمي والدولي وأن تحدث القرار 2254 بنقطته العاشرة هنا عن ثلاثة جهات هي منصتا موسكو والقاهرة إضافة إلى مجموعة الرياض ولكن القرار 2254 لم ينسَ التذكير وإضافة كلمة "وغيرها" فمن هم هذه "الغيرها" ومتى سيظهرون إلى ساحة التفاوض ومن سيقف خلفهم .... أمر مهم للغاية لم يأتِ على ذكره هذا القرار.

 

في النهاية فإن القرار 2254 جاء في لحظة زمنية معينة مضى عليها أكثر من خمسة أعوام وكانت السلطة السورية وحلفائها وأصدقائها هم الطرف الوحيد الملتزم يتطبيق هذا القرار وبحذافيره التدريجية وخاصة مادته الأولى في الوقت الذي يطالب فيه بعض المحللين السياسيين بتطبيق هذا القرار بحذافيره الانتقائية أي يعتقدون بأن الانتقال السياسي "حسب تعبيرهم" هو السبيل والمدخل إلى إنهاء الأزمة السياسية في سورية وأنه وبكل الأحوال طالما أن السلطة السورية لا تقدم لهم مفاتيح دمشق والقصر الجمهوري فهي تعتبر غير ملتزمة بالقرارات الدولية وخاصة القرار 2254 لذلك فإن الحرب عليها ستستمر إلى ما لا نهاية.

 

وفي الختام أدعو جميع المهتمين بالشأن السوري سواء كانوا من أصحاب الخبرات بالسياسات الخارجية لمختلف الدول أن لايتسارعوا تحت المؤثرات المختلفة ومن ضمنها الدعايات الإعلامية والترويج الإعلامي والدعم السياسي والدبلوماسي لمن يمثل على الشعب السوري ولا يمثله، أن لا يتسارعوا بالإنخراط في الترويج لما لا يتماشى مع السياسات الخارجية للدول التي يدعون الخبرة فيها وأن ينظروا إلى الحرب على سورية بمنظار اّخر بعيد المدى واستراتيجي لأن الحرب على سورية ليس المقصود بها سورية فقط وإنما المقصود بها تدمير محورين أحدهما إقليمي ويسمى بمحور المقاومة والآخر دولي ويسمى بمحور مكافحة الإرهاب.

 

 فالإرهاب الذي تستخدمه دول نشر الديموقراطية الأمريكية مضافة إليها الدول التي تقدم نفسها أنها مدافعة عن حقوق الإنسان هدفه واضح وهو فرض رؤيتهم السياسية والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والجيوسياسية ضاربين بعرض الحائط القوانين الدولية والقرارات الدولية ومتخذين الإرهاب بإسم الشعوب أداة رئيسية لتحقيق تلك الأهداف، وأخيراً .... لا تقتربوا إلى القرار 2254 إلا وأنتم سكارى .... هكذا يقول الشارع ويرفض الشاعر.

 

خاص وكالة "رياليست" – د. فائز حوالة – موسكو.