جائحة كورونا تكشف شوفونية و فوضوية النظام العام العالمي

11.05.2020, 21:58, القاهرة

بروفيسور أيمن سلامة: لقد فضحت الجائحة "كورونا " مكامن النظام العام  العالمي جهارا نهارا ، وكشفت المداهمة "كورونا " عن مدي  الاهتزاز و الاضطراب و الافتقار للانسجام الذي يعتري الجماعة الدولية.

ضرب  الطاعون الأسود "كورونا " المعمورة بأسرها ،و تعدي الحدود و التخوم ،و لم تتشبث  دولة قطبية أو "ماكرونوزية" بأهداب سيادتها حيال ذلك الخطر  المداهم ، و لم تسلم منه حاملات الطائرات  الأمريكية و  الفرنسية ،ولم يميز  الفيروس بين  الأجناس و الأعراق و القوميات و الأقطار ، وبالرغم من تشبيهه بالوحش  الكاسر المفترس ،من قبل مسؤولين أوربيين ،بيد أن قارات  العالم ،و في الصدارة منها القارة العجوز – أوربا – أشاحت بوجهها ، وغضت نظرها،  و ألقت بنظاراتها عن  حقائق   الوباء  الكاسح ، و تجاهلته في جهل فاضح ، و إهمال كالح في الأيام  الأوائل للهجمة الصاعقة للكارثة  المداهمة .

 

يكاد يجمع الشراح و الخبراء و  المتخصصين  علي  أن مفهوم النظام الدولي "الويستفالي"  بدأت أماراته تتبدي بإقرار معاهدة "ويستفليا"  التي أنهت الحروب  الدينية 1618-1648 ، تلكم الحرب  التي طحنت  القارة الأوربية بقدها و قديديها ، و أسست نظاما جديدا للعلاقات الدولية يتأسس و يتمحور علي سيادة الدولية كمبدأ  حاكم للعلاقات الدولية ، وأضحي ذلك  المبدأ يتصدر ديباجات المواثيق ، و  المعاهدات، و الاتفاقيات  الدولية .

 

جلي  أن المجتمع الدولي لا يقتصر علي أشخاص  القانون الدولي ، و هما الدول  ذات السيادة و المنظمات الدولية ، لكن يضم  ذلك المجتمع في ثناياه الكيانات من غير الدول ، فضلا عن المنظمات و الهيئات الخاصة ، و الأفراد ،  الذين أصبحوا  من موضوعات القانون  الدولي و المخاطبين  بذلك القانون منذ انشاء  عصبة الأمم المنظمة السلف للمنظمة  الأممية الحالية.

 

لا مراء أن ميثاق  منظمة  الأمم  المتحدة يعد  معاهدة دولية ملزمة تؤطر  للعلاقات الدولية القائم و القادمة إلي حين ،  لكافة  الدول  أعضاء  المنظمة ، لكن  في أحايين  وظروف معينة تهدد السلم و الأمن الدوليين تمتد أهلية وولاية  ذلك الميثاق   للدول  التي  لم  تنضم بعد لهذه المعاهدة الدولية .

 

تصدرت ديباجة ميثاق منظمة الأمم المتحدة عبارات إنسانية صاغها قانونيون يحاكون في  مهارتهم – دون تهويل - صائغي المجوهرات  النفيسة، فقد استهلت  ديباجة  ميثاق الأمم المتحدة مثل  هذه  العبارات الآسرة و  الأسرة  في عين الوقت : "  نحن  شعوب  الأمم المتحدة و قد آلينا  علي أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة ------------" ، " و أن نؤمن من  جديد إيماننا بالحقوق  الأساسية للإنسان و بكرامة الفرد و الأمم  كبيرها و صغيرها "  ، " و أن ندفع بالرقي  الاجتماعي قدما و أن نرفع مستوي  الحياة في جو من الحرية أفسح " ، " وأن  نعيش  معا في سلام وحسن جوار " ، "و أن تستخدم  الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية و الاجتماعية للشعوب جميعها " .

 

تكشف القصفة الضارية المتوحشة للفيروس الكاسح ، حقيقة العبارات الطوباوية المثالية السابق  ذكرها ، و التي أجمعت علي قبولها الدول  الخمسين المؤسسة  لمنظمة الأمم المتحدة في عام 1945،  و الآن كافة الدول  الأعضاء  في المنظمة التي صارت  مئة و تسع و ثلاثين دولة ، فصار التبر الذي صيغت به مواد الميثاق  الأممي ترابا صدأً .

 

كشفت الجائحة المداهمة أن ميثاق الأمم  المتحدة ليس فرقانا من  لدن  الديان ، و أفصحت قوائم الضحايا للنائبة - " كورونا " -المرعبة أن  ما ذكرناه  من  سالف  العبارات  لا تعدو أن  تكون عبارات رنانة و  مصطلحات رطًانة ، وأن التعاون و التضامن الإنساني  الدوليين  بين  شعوب  الأمم  المتحدة الذي ابتغاه الميثاق،  لم يعد حقيقة  واقعة بعد أن  وقعت الواقعة ، فنار الجائحة استطار شرها فأحالت الأخضر إلي اليابس ، ولم تعد بيانات و تصريحات الدول  و المنظمات قبل  اجتياح الجائحة إلا أصوات  زاعقة صارخة ، وذئاب غادرة  في البرية .

 

فضحت الجائحة  الشوفينية القومية الكريهة لعديد العدول و التنظيمات الدولية ، وأماطت  اللثام بكل بيان و تبيان ،عن غلبة الذاتية  النرجسية  للدول و المنظمات ، علي ناموس  السلوك الإنساني و الأخلاقي و القانوني أيضا ، ووصلنا  للسمت بعد أن استبد الصمت و النكوص الأوربيين ،  لأن تكفر أكبر  الدول الأوربية  المكلومة بالضحايا و المكروبة بالجائحة ، بمحيطها و تتنصل من جوارها ، و تتنكر لتأسيسها  لأفعل اتحاد دولي بين  كافة المنظمات الدولية القائمة  قاطبة و  هو  الاتحاد  الأوربي ، وهذه الحقيقة القانونية والواقعية ليست مجرد إشارة تاريخية عابرة ، لكنها مسلمة بدهية يجب اعتبارها و  المرور  عليها  مرور  الكرام .

 

لا جرم ان عبارات  السب و القذف و القدح  التي وجهها  المسؤولون و  الأفراد  الإيطاليون  علي حد السواء لم  تتحاوز  الحد ، حين وصموا النكوص الأوربي عن  نجدتهم أنه "أخون من ذئب " ،  فقطار  الاتحاد  الأوربي الحالي بدأ  الانطلاق من روما العاصمة الإيطالية التي عقد  فيها اتفاقية روما عام 1957  المؤسسة ، و النواة الباعثة  للتكتل الاقتصادي و السياسي الأوربي الحالي ، وهي الحقيقة التي كانت  تزدهي بها إيطاليا ، وكانت تدونها في  كافة  الأدبيات و  الأسفار  الإيطالية ، وكان الإيطاليون يستسيغونها في الأيام الخوالي ،  وكأنها أحلي  من العسل منذ نيف وستة عقود ، لكنها الآن وبفعل "كورونا " صارت  أمر من علقم  الصبار .

 

نضرب  المثال الإيطالي لأنه يذكي ما أطرحه حول  العورات التي تعتري   النظام  العام العالمي ، الذي صارت مبادئه  القانونية و قواعده الراسخة و أخلاقه  المثالية " رواية دينكوشوتية " ، فالنفعية الميكا فيلية ردتها أوربا لإيطاليا عند انبجاس  الجائحة ، وخلعت  أوربا عنها عباءة الحضارة ،و تجردت من قيم  التضامن، و كشرت عن وجهها  القبيح ، وتبنت  قانون البحر و شريعة الغاب ، وتنكرت للدولة التي أرست قاعدة  الأساس للاتحاد  الأوربي الحالي ، ولم  تمد دولة واحدة  أوربية أي أيادي وحتي " رمادية"،  قبل أن تمد لها الدول اللاتينية " كوبا" ،و العربية "مصر وتونس "، و  الأسيوية "  الصين الشعبية " أياديها البيضاء بالغوث و العون و النجدة .

 

لا  مرية أن  الأوربيين يدركون الحقائق و الوقائع المختلفة التي جعلت الإيطاليين يستبد بهم  اليأس من الخذلان  الأوربي لهم ، فإيطاليا الأن  الدولة التي تقود دول  الإتحاد  الأوروبي في  العملية " إيريني " لتطبيق الحظر  الذي فرضه مجاس  الأمن  علي  توريد  السلاح إلي ليبيا ، وإيطاليا أيضا  هي  التي قادت عشرة دول أوربية في عام 1999 في عملية متعددة  الجنسيات لحفظ السلم  الأمن  في " ألبانيا " ، و إيطاليا أيضا  هي الدولة  التي تستضيف قواعدها الجوية طائرات حلف  الناتو  ، ولكن تظل  الحقيقة الدامغة الصادمة التي خلفتها و خلقتها الجائحة "كورونا " ، فاكتساح الجائحة  الأسرع من  البرق و الطرف و السهم ،  و علي مدار تسعين يوما حصدت من أرواح  الإيطاليين أكثر مما تكبدت  إيطاليا في كافة حروبها الدولية الخاسرة في أوربا، و  إفريقيا، و الشرق  الأوسط في  تسعة أعوام 1936-1945 ، ومن ثم يعدو غض  الطرف عن هذه  الحقائق نطق بالهوي .

 

ما برحت القارة  الشمطاء أن تكشف عن قبح سوءاتها ، ولن تفلح في أن تداري ما كشفته الجائحة ، فتجلت أفظع  عبارات الشوفينية حين أعلن الرئيس الفرنسي "ماكرون " مؤخرا ،  أن دول  الاتحاد  الاوربي قررت دخول  مواطني الدول  غير الأعضاء بالاتحاد  الأوربي إلي  منطقة "شينجن " ، وهذه  القرارات التمييزية المناهضة بل  الخارقة لعالمية حقوق  الإنسان لا يعوزها منا ثمة تدليل .

 

صفوة القول ، لقد فضحت الجائحة "كورونا " مكامن النظام العام  العالمي جهارا نهارا ، وكشفت المداهمة "كورونا " عن مدي  الاهتزاز و الاضطراب و الافتقار للانسجام الذي يعتري الجماعة الدولية ، وبالنظر  لكثير العورات وعديد  المثالب  التي خرقت كل  القيم، و تخطت كل  منطق ، و حلت بكل  المناطق ، صار لزاما علي  المجتمع الدولي أن يحيل المثاليات الطوباوية إلي مبادئ قانونية ملزمة لكافة عناصر  الجماعة الدولية ، ويجب أيضا و بعد أن تضع الجائحة  أوزارها أن تعيد الدول و المنظمات الدولية صياغة نظاما عالميا  جديدا يكون عمود  الرحي الذي يدور حوله  ذلك النظام  "التضامن  الإنساني  الحقيقي" ، وأن تعلو في  ذلك النظام حفظ الجنس  البشري علي إرادات  الدول .

ختامًا ، يجب أن يصنع  القانون الدولي دوما من قبل الأخيار و لا يجوز بحال من  الأحوال أن  يصير منحة من  الأشرار .

 

البروفيسور أيمن سلامة " أستاذ القانون الدولي العام – مصر