عبد الله عيسى الشريف: النفوذ الإيراني في شرق إفريقيا.. الأدوات والاستراتيجيات

06.03.2020, 18:00, القاهرة

تأتي الأحداث والتطورات المتعاقبة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية، ومحاولات بعض القوى الإقليمية تنفيذ مشروعاتها الإقليمية، في إطار إعادة ترسيم الخريطة الإقليمية في المنطقة، والتي تتصادم أهدافها، لتلقي بظلالها على منطقة شرقي إفريقيا التي تشهد هي الأخرى إعادة هندسة إقليمية كونها ميدانًا للتنافس الإقليمي والدولي بين العديد من القوى الإقليمية والدولية. فقد أضحت تلك المنطقة، وفي القلب منها القرن الإفريقي ساحة كبيرة للتنافس الإقليمي بين القوى الإقليمية في المنطقة، كما أنها بيئة خصبة لنشر الأفكار والأيديولوجيات لعدة عوامل داخلية تجعل من السهل نشرها بين الأفارقة، فهي ساحة جاذبة للقوى الإقليمية لا سيما إيران.

 

ويرجع اهتمام السياسة الخارجية الإيرانية بالقارة الإفريقية إلى ستينيات القرن العشرين؛ تزامنًا مع حصول الدول الإفريقية على استقلالها. ولكن مع قيام الثورة الإسلامية الإيرانية وما أعقبها من اضطرابات، وانشغال إيران بحربها مع العراق، أصُيبت العلاقات الإفريقية – الإيرانية بنوع من الخمول والضعف. واستمر هذا الضعف حتى بداية عقد التسعينيات الذي شهد مزيدًا من انفتاح السياسة الخارجية الإيرانية على المستويات الدولية والإقليمية والقارية كافة. فجاءت دوافع التوجه نحو إفريقيا، نظراً لما لها من أهمية استراتيجية؛ حيث تضم 54 دولة يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، وهي ثاني أكبر قارة من حيث المساحة وعدد السكان، إضافة لكونها غنية بالموارد والثروات. وهي القارة الأكثر شبابًا من حيث أعمار السكان. وكانت إيران تهدف من ذلك التوجه الجديد تجاه القارة الإفريقية – بوجه عام ـ إلى تحقيق أهداف محددة، أعدت لتنفيذها خططًا جاهزة تؤديها بصفة مدروسة لتحقيقها، ومنها الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. ونظرًا للضغوط الغربية والأمريكية على الدولة الإيرانية بسبب برنامجها النووي، انتهجت السياسة الخارجية الإيرانية استراتيجية جديدة تسعى من خلالها لتوطيد علاقات مع دول القارة الإفريقية، وذلك لتحشيد دعم دبلوماسي إفريقي في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لكسر طوق العقوبات الاقتصادية المنفذ على اقتصادها ونظامها السياسي.

 

أسباب اختيار منطقة شرقي إفريقيا

 

يُشير مصطلح “شرقي إفريقيا” إلى المساحة الجغرافية التي تضم الدول السبع الأعضاء في الهيئة الحكومية الدولية المعنيـة بالتنميـة؛ وهـي: جيبـوتي، أريتريـا، أثيوبيـا، كينيـا، الصومال، السودان، وأوغندا، كما أنها تشمل أيضا تنزانيا ً نظرا إلى ما لها مـن تفـاعلات تاريخية وسياسية قديمة مع كل من كينيا وأوغندا، ضمن إطار جماعة شرقي إفريقيا. وجاء اختيار منطقة شرقي إفريقيا إلى كونها ذات أهمية بالغة لما لها من مكانة استراتيجية عالمية، فضلاً عن الجوار الجغرافي، والتداخل البشري، والتفاعل التاريخي والحضاري مع دول منطقة الشرق الأوسط بحيث تحتل أهمية كبيرة في مقاربات الأمن القومي لكل دول المنطقة. إضافة إلى الوجود الإيراني الملموس في تلك المنطقة، بكل ما يستتبع ذلك من تداعيات وما يفرضه من فرص وتحديات. وترتبط المنطقة بمصالح كل القوى الدولية بسبب قربها من منابع الطاقة وممرات نقلها؛ حيث تطل على ممرات مائية ذات أهمية تجارية وعسكرية مثل خليج عدن ومضيق باب المندب، وتتحكم بالدخول إلى البحر الأحمر. ولذا فهنالك تنافس بين القوى الإقليمية والعالمية على التحكم في الجزر التابعة لدول المنطقة. وبالطبع، فإنه من الطبيعي لدولة مثل إيران تسعى للعب أدوار أكبر في الساحة الدولية والإقليمية أن تفتح علاقات أوسع مع دول منطقة شرقي إفريقيا التي احتلت مكانة مهمّة في أجندة اهتمامات السياسة الخارجية الإيرانية. وهذا ما حفّز الباحث على دراسة يحاول فيها التعرض للنفوذ الايراني في شرقي إفريقيا في الفترة من 2015-2020، والوقوف على مظاهره – ادواته- مناطق التمدد والانكماش- مدى قوة التغلغل – هل هو خيار شعبي ام حكومي – ومستقبله. من الإجابة على عدد من التساؤلات البحثية؛ على النحو التالي:

 

  • ما هي طبيعة النفوذ الإيراني ومظاهره في شرقي إفريقيا؟
  • ما هي أدوات النفوذ الإيراني في شرقي إفريقيا؟
  • ما مدي قوة تغلغل النفوذ الإيراني في شرقي إفريقيا؟ وما هي مناطق التمدد والانكماش؟
  • هل نجحت الجمهورية الإيرانية في تحقيق أهدافها في تلك المنطقة؟
  • ما انعكاسات النفوذ الإيراني في شرقي إفريقيا وتداعياته على الأمن القومي العربي؟
  • ما هي الاستراتيجية التي يجب اعتمادها لمواجهة النفوذ الإيراني في شرقي إفريقيا؟

 

الإطار الزمني للدراسة

 

رأى الباحث أن تكون الفترة محصورة بين عامي 2015 و2020؛ وهي الفترة التي شهدت توقيع اتفاق بشأن برنامج إيران النووي؛ حيث توصلت القوى الدولية (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين وألمانيا)، إلى جانب إيران إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يشمل تقليص النشاطات النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها؛ فيما عُرف بخطة العمل الشاملة المشتركة[1]. وتنتهي فترة الدراسة بالعام الحالي.

 

ففي فبراير 2015، استهل وزير الخارجية الايراني جولته الإفريقية بزيارة كينيا ومن ثم زار اوغندا متوجها بعدها بوروندي واختتم جولته بزيارة تنزانيا. وجاءت زيارات وزير الخارجية الايراني الدول الإفريقية الاربع تلبية لدعوات من نظرائه فيها. وكان ظريف قد التقي خلال زيارته الي اوغندا رئيس الجمهورية ووزير الدولة وكيل وزارة الخارجية ورجال الاعمال والايرانيين المقيمين. وشارك وزير الخارجية الايراني في مؤتمر صحفي مشترك مع وكيل الخارجية الاوغندية ومن ثم تفقد مقر جمعية الهلال الاحمر التابعة للجمهورية الاسلامية الايرانية في العاصمة كمبالا. والتقي ظريف في بوروندي نظيره وعددا اخر من المسؤولين فيها للبحث معهم بشان العلاقات الثنائية والقضايا الاقليمية والدولية. بما يوضح أهمية دول شرقي إفريقيا في الرؤية الاستراتيجية الايرانية[2]. وفي 2018 أكد رئيس رواندا عزم بلاده علي تطوير العلاقات مع ايران في مختلف المجالات[3].

 

وفي ضوء ما تقدم تتناول الدراسة النقاط والمحاور التالية:

 

تنطلق الرؤية الإيرانية في نظرتها الإقليمية والدولية من عدة مرتكزات لا يزال تأثيرها قائماً على صانع القرار الإيراني، بل ودافعاً له باتجاه اختيار الوسائل والطرق التي من شأنها بروز إيران بوصفها قوة إقليمية ودولية؛ ورقماً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تعني بمنطقة الشرق الأوسط. وتسعي إيران منذ انتهاء عصر الحرب الباردة تسعى لتكثيف وجودها في العديد من الدول الإفريقية خاصة جنوب الصحراء لتحقيق العديد من المصالح وكسب حلفاء جدد لها. وقد شهدت السياسة الإيرانية تجاه إفريقيا أربعة مراحل[4]:

 

  • مرحلة الثورة (1979-1989)، حيث سادت الشعارات الثورية وضعفت علاقات إيران الثورة مع إفريقيا، تلك العلاقات التي أقامها نظام الشاه السابق، وذلك بسبب الأوضاع الداخلية والحرب مع العراق.
  • مرحلة إعادة النظر بالسياسة الخارجية (1989-1997)، حيث تبينت إيران حاجتها للتواصل مع الخارج بعد القطيعة، ورفعت شعار إعادة البناء، فإفريقيا تمثل ثلث مقاعد الأمم المتحدة، ونصف مقاعد حركة عدم الانحياز، ولذلك قام الرئيس الإيراني آنذاك، هاشمي رفسنجانى بزيارة السودان سنة 1991 على رأس وفد كبير، باعتبار السودان مفتاح إيران لإفريقيا العربية وإفريقيا الإفريقية، وكانت الظروف مواتية لإيران فهي تبحث عن موطئ قدم في إفريقيا. وفي سنة 1996 كرر رفسنجاني زيارته لإفريقيا فزار 6 دول، هي: كينيا، أوغندا، تنزانيا، زيمبابوي، جنوب إفريقيا.
  • مرحلة إزالة التوتر في السياسة الخارجية (1997-2005)، وهي مرحلة رئاسة محمد خاتمي وقد رفعت شعار التنمية الشاملة، وهو يشير لبعد خارجي إقليمي ودولي.
  • العودة للثورية في السياسة الخارجية (2005 وللآن)، وذلك مع وصول أحمدي نجاد للرئاسة، حيث جعل إفريقيا في قائمة أولوياته، فتأسست (منظمة تطوير التجارة مع الدول العربية والإفريقية).

وهذه هي مراحل السياسة الإيرانية في إفريقيا، ويتضح منها الإصرار على التعاطي السياسي مع إفريقيا، وجعلها بوابة إيران للعالم، كما أنها سعت لكسب حلفاء لها في حقها بامتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، كما أن إيران سعت من خلال هذه العلاقات مع إفريقيا للحفاظ على سعر جيد وثابت للبترول لتقوي اقتصادها المنهار بسبب الثورة والحرب العراقية، فضلا عن فتح باب للتبادل التجاري للتحايل على العقوبات التجارية المفروضة عليها، كما سعت إيران للاستفادة من الجالية اللبنانية القديمة التواجد في إفريقيا بما لها من ثقل تجاري لدعم حركة التشيع من جهة ودعم تغلغلها السياسي في الدول الإفريقية. ولإيران أهداف متنوعة من هذه العلاقات منها مثلاً: تعزيز وجودها العسكري في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويمكن ربط هذا الأمر اليوم بتسهيل دعمها للحوثيين في اليمن في مشروعهم الانفصالى، ولذلك تطورت فكرة مصفاة البترول الإيرانية في أرتيريا لتصبح قاعدة عسكرية بحرية. ومنها الحصول على اليورانيوم لمشروعها النووي، ومنها كسب حلفاء في تصويتات الأمم المتحدة أو تحييدهم.

 

طبيعة النفوذ الإيراني في شرقي إفريقيا ومظاهره

 

يرجع الانفتاح الإيراني على إفريقيا إلى فترة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، الذي أَولى القارة السمراء اهتمامًا كبيرًا، وذلك بعد زيارته السودان عام 1991، أي بعد عامين من إطاحة عمر البشير بحكومة الصادق المهدي. فمثَّلَت تلك الزيارة، دعمًا كبيرًا لحكومة البشير التي كانت تعيش حالة أشبه بالعزلة جرَّاء الحصار الذي يفرضه عليها المجتمع الدولي. وبالنسبة إلى إيران، فقد كانت هذه الزيارة إيذانًا بعصر جديد في عَلاقاتها مع إفريقيا، ونقطة انطلاق لتوسيع دائرة اهتمامها بهذه القارة، إذ تَمدَّد هذا التوسُّع ليشمل دولًا إفريقية أخرى مثل جنوب إفريقيا وكينيا وتنزانيا وزيمبابوي وأوغندا ونَيجِيريا والنيجر والكاميرون والسنغال وجزر القمر والصومال وجيبوتي وغانا.[5]

 

وكانت إفريقيا ضمن أجندة كلِّ من تَعاقَب على الرئاسة في إيران، فبعد زيارة رفسنجاني للسُّودان، التي أردفها بزيارة أخرى في 1996، جاءت زيارات محمد خاتمي لعدد من الدُّوَل الإفريقية، التي أعطَت دفعة جديدة للعَلاقات مع هذه الدُّوَل من خلال تأسيس أُطُر ولجان مشتركة ألقى على عاتقها مَهَمَّة متابعة الاتفاقيات بين إيران وهذه الدول، وبعده محمود أحمدي نجاد الذي أجرى هو الآخر عدة زيارات لإفريقيا اتَّسَمَت بطابع آيديولوجي في أغلبها[6]، مرورًا بالرئيس الحالي حسن روحاني الذي أوفد وزير خارجيته محمد جواد ظريف في عدد من الزيارات لشرقي إفريقيا في شتاء 2015. وقد ظهرت هذه الزيارات المتعاقبة للمسؤولين الإيرانيين، في شكل لجان مشتركة بين هذه الدُّوَل وإيران، وأسفَرَت عن معاهدات ثنائية واتفاقيات في مجالات إنشاء السدود وصناعة السيارات والطاقة والشؤون المالية والمصرفية، إضافة إلى التعاون الثقافي والتعليمي، كما قدَّمَت إيران وعودًا اقتصادية جاذبة اضطَرَّت من خلالها كثيرًا من الدُّوَل الإفريقية إلى تقديم تنازلات في مَلَفَّات استراتيجية وأمنيَّة. وتتمثل أدوات وآليات التغلغل الإيران في منطقة شرقي إفريقيا فيما يلي:

 

ــ دور السفارات والمراكز الثقافية: تلعب الملحقيات الثقافية التابعة للسفارة الإيرانية، دورا كبيرا في دعم التغلغل الإيراني داخل منطقة شرقي إفريقيا عن طريق استغلال المال في نشر التشيع، وذلك بدعم الجمعيات والأنشطة الثقافية والفنية الهادفة للتعريف بالثقافة الإيرانية، والتأثير على الفئات الفقيرة والمهمشة، ويُمثل المركز الثقافي الإيراني أهم آليات هذا المسار الناعم، وذلك بتدعيم المشاركات في معارض الكتاب والأسابيع الثقافية.

 

ــ تأسيس تيارات شيعية: لا يقتصر دور المراكز الثقافية الإيرانية في دعم الأنشطة الثقافية لنشر التشيع، وإنما يتعداها لتمويل تيارات فكرية بهدف إعدادها للتأثير مستقبلا في سياسات دول شرقي إفريقيا، ويعتبر التشيع في الوقت الحاضر هو السلاح الإيراني لكسب الدعم والتأييد في الشوارع السنية، وهو وسيلة تستخدم من قبل إيران للترويج لأيديولوجيتها ونموذجها في السياق الأوسع للشرق الأوسط.

 

ــ البروباجاندا الشيعية: ففي مؤتمر تحت شعار «الأطروحة المهدَوية، وواقع أتباع أهل البيت- عليهم السلام – في إفريقيا، جمعت إيران في 12 مايو 2016 طلابًا من 30 دولة[7]. ومن المبادرات الجديدة في هذا الصدد تأسيس «رابطة عموم إفريقيا لآل البيت» يوم الأربعاء 10 أغسطس [8]2016؛ وإعلان زعماء الحوزات الشيعية في إفريقيا بدء نشاطها بعد خمسة أيام من التأسيس في ندوة صحافية في العاصمة السنغالية (داكار) التي تعتبر مقرًا للرابطة، وقد أكد (أبو جعفر)، الأمين العام للرابطة، للصحافة أن «الرابطة أصبحت الإطار الجامع للشيعة الأفارقة ، وأن الرابطة انتخبت مكتبًا مؤقتًا سيدير نشاطها إلى أن ينعقد المؤتمر العام للشيعة الأفارقة قريبًا لانتخاب قيادةٍ دائمةٍ . وتحاول إيران استثمار الأسلوب الحالي في تهويل التمدّد الشيعي بالمزيد من النفخ في الأرقام والإحصاءات التي تنشرها أطراف سنية معتمدة على ذات المصادر لإثبات وجودها موهمة أن هذه الأرقام صحيحة؛ لأنها من فم العدو، إضافة إلى الروابط والمكاتب التي تكثف من فتحها في بلدان عدة؛ لتثبت حضورها، وبتغطية قنواتها الفضائية التي فاقت الثمانين قناة كلها بتمويل حكومي ونفقات ضخمة. وقد زعم أحد قادة “المبشّرين”  الشيعة، وهو محمد دار الحكمة، أن «التوجه نحو الانسلاخ عن مذهب أهل السنة والجماعة، واعتماد المذهب الشيعي في تنام مطّرد بدول غرب إفريقيا، وفي نفس منحى «البروبجاندا» الإيرانية ادّعى أن «التشيّع يسير بخطى ثابتة، وأن هذا السير سيمكن من إعلان دولة ساحل العاج للمذهب الجعفري مذهباً رسمياً في أفق السنوات العشر المقبلة». وبهذا يمكن القول : إن (البراباغاندا) الإيرانية قائمة على مبدأ الإغراق بالمعلومات المضخمة، وليس مهماً تصديقها، أو تكذيبها، المهم أنها أرقام صدرت من مكاتب في إفريقيا يمكن الترويج للتمدّد الشيعي بها. عموماً يبقى موضوع التشيع  بإفريقيا محطّ كثير من الإشاعات التي تروّجها إيران وبعض المؤسسات التابعة لأجندتها، خصوصا ما يتعلق بعدد المتشيّعين، وانتشار المذهب ومؤسساته. غير أن هذا لا ينفي الخطورة التي أخد يكتسبها الاختراق الإيراني الطائفي للنسيج الاجتماعي السني بغرب إفريقيا.

 

ــ المعونات والحوافز الاقتصادية: تهتم إيران باستخدام المساعدات الاقتصادية والإنسانية واستغلال العلاقات الاقتصادية باعتبارها أداة من أدوات السياسة الخارجية، واستغلال حالة الفقر والمجاعة في هذه الدول الفقيرة لتوطيد علاقاتها بالدول ونشر التشيع. وقد سعت إيران لتعميق علاقاتها الاقتصادية استجابة للضغوط الدولية بشأن برنامجها النووي المثير للجدل في محاولة منها لتوسيع العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف مع الآخرين من أجل التجارة. ويبدو أن إيران سعت في بناء علاقاتها على الصعيد الدولي إلى إقامة شبكة مناهضة للغرب. وقد تنامت هذه الجهود الإيرانية مع زيادة المشاعر المعادية للغرب مثل الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربي، وهذه الرابطة ليست شبكة تحالف رسمي، لكنها انعكاس لسياسات التقارب بين إيران وبين تلك الدول من خلال شبكة المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، وذلك لأن طهران لا تسعى فقط لمواجهة الولايات المتحدة، بل تسعى للتأثير في الأحداث الدولية لتحقيق مصالحها الخاصة[9].

 

كان الهدف الإيراني الرئيس هو تصدير الثورة إلى الشرق الأوسط، لكن الإيرانيين نظروا كذلك إلى إفريقيا على أنها منطقة إستراتيجية مهمة لأسباب عدة. حوالي 45% من سكان القارة البالغ عددهم 1,2 مليار نسمة هم مسلمون، وقد أدركت طهران أن عدم توسيع نفوذها هناك سيشكل عقبة خطيرة أمام سعيها للسيطرة على العالم الإسلامي. وأدركت إيران كذلك أن كسب الدعم الشعبي داخل المجتمعات المسلمة سيؤثر على سياسات الحكومات الإفريقية تجاه إيران. علاوة على ذلك، لطالما كانت الجاليات الشيعية في إفريقيا مصدرًا للدعم المالي لحزب الله، وكيل طهران. وفي الوقت نفسه، من شأن الوجود الإيراني القوي في القارة الإفريقية أن يوفر شبكة ومسارات دعم لوجستي للجماعات المتطرفة التابعة لإيران في الشرق الأوسط. وفيما يتعلق بشرقي إفريقيا، فالغرض الأساسي هو تطويق السعودية من الغرب بعد الحرب التي تديرها في الجنوب عبر وكلائها الحوثيين لتعزيز وجودها في اليمن. استمرت إيران في تحقيق طموحها بإيجاد نفوذ لها في القرن الإفريقي، واستمرت في تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر من مضيقي عدن وباب المندب. ويأتي هذا في إطار سعيها لأن يكون وجودها على امتداد البحر الأحمر والتقائه مع البحر الأبيض المتوسط عبر حلفائها التقليديين “حزب الله” في لبنان وبشار الأسد في سوريا.

 

ويبرز هذا الحزام بشكل أوسع مما تنبأ به وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق هنري كيسنجر.  وقد كانت فوضى انهيار نظام الحكم في اليمن حافزاً للالتفات إلى الجهة الأخرى من البحر الأحمر. تقابل اليمن بموقعها المهم وتركيز الصراع المنطلق من قضايا تنموية وقبلية وسياسية مستغلة العنصر المذهبي، منطقة القرن الإفريقي لما تمثله هذه الجهة المقابلة من أهمية استراتيجية متصاعدة نسبة لنشاط صناعة نقل النفط البحري، ثم الشاغل الأمني المتمثل في إمكانية التحكم في الممرات المائية في هذه المنطقة[10].

 

وقد استخدمت إيران قوتها الناعمة ودخلت معترك الاستقطاب لهذه الدول، وإن لم تستثن معظم دول القارة، فإنها خصَّت شرقي إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي على الرغم من الاختلاف المذهبي، لما تمثله هذه المنطقة من بعد استراتيجي مهم. وكما لإيران أذرعها السياسية الطويلة، فإن لديها وسائل أخرى للسيطرة على الدول الإفريقية تمتد بين الفكر والدين والاقتصاد والثقافة، مستخدمة في ذلك مجموعة من المؤسسات الرسمية والمنظمات الخيرية لتنفيذ أهدافها. كما أنشأت العديد من الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية الشيعية بهدف خلق أنظمة وهيئات وشخصيات موالية للنظام الإيراني في إفريقيا. وبعد السيطرة عليها، تستطيع التحكم بوكلائها في الدول المجاورة، وحراسة هذه المنطقة التي تحيط بحدود غرب آسيا وتشكل بوابات لمناطق نفوذها. وتمتلك القارة الإفريقية الكثير من المحفزات من حيث المخزون الاحتياطي لخام اليورانيوم المنتشر في عدد من الدول الإفريقية، الذي تحتاجه إيران لبرنامجها النووي. كما أن نشاطات مثل تبييض الأموال وتهريب وتجارة السلاح والمخدرات خلقت نوعاً من النشاط الاقتصادي الأسود في جزء من مناطق النزاعات والحروب.

 

ولذا تسعى إيران في سياستها في إفريقيا عمومًا وشرقي إفريقيا على وجه الخصوص، إلى نشر المذهب الشيعي تمهيدًا لتصدير الثورة الإسلامية، وذلك من خلال المؤسسات الإيرانية والمراكز الثقافية الإيرانية التي تنشر المذهب الشيعي، وهو ما شهدته دولة السودان قبل قرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية للاشتباه في تورطها في التبشير بالمذهب الشيعي في البلاد.

 

التغلغل الإيراني في شرقي إفريقيا: كينيا نموذجاً

 

تجسد كينيا نموذجاً لمحاولة إيران استمالة بعض الدول الأقل احتمالاً للتحالف معها، فهي دولة ذات غالبية مسيحية، ولكن بها أقلية شيعية يمكن أن تكون أداة للتغلغل فيها، كما أن كينيا تحتل مكانة كبيرة في أجندة السياسة الإيرانية في إفريقيا، وذلك يعود إلى الأهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافي لكينيا، ولاسيما الأهمية الاستراتيجية لميناء مومبسا. ويمكن أن نعرض لأهم آليات التغلغل الإيراني في كينيا على النحو التالي:

 

أولاً: التغلغل السياسي

 

قال لاريجاني خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الكيني جوستين موتوري، الذي زار إيران في سبتمبر 2016، إنه في ضوء الرؤية الإيجابية لإيران تجاه العلاقات الودية والشاملة مع كينيا، فإننا نعتبر زيارة رئيس البرلمان الكيني فرصة سانحة بهذا الشان. وأكد لاريجاني أنه بحث مع نظيره الكيني سبل تعزيز العلاقات البرلمانية، وقال: لقد استعرضنا التعاون في المجالات الاقتصادية والصناعية والزراعية والنفطية والغازية والمعدات الطبية والأدوية، ونظرا لرغبة رئيس البرلمان الكيني فقد تقرر إجراء المزيد من المحادثات مع الوزراء المعنيين لتطوير التعاون بين البلدين في هذه المجالات. وأوضح رئيس مجلس الشورى الإيراني بأن الجزء الآخر من المحادثات مع رئيس البرلمان الكيني تناول قضية الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأضاف، إن كينيا تقوم حاليا بمحاربة بعض الجماعات الإرهابية، وإن رؤانا في مجال مكافحة الإرهاب وعزم البلدين متقارب جدا ونأمل بالمزيد من التعاون بين البلدين في هذا المجال. وأعرب لاريجاني عن أمله في أن تشكل زيارة رئيس مجلس النواب الكيني لإيران، منطلقا لتعزيز العلاقات في جميع المجالات[11].

 

وقد التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني مع جوستين موتوري، رئيس الجمعية الوطنية في كينيا، في طهران، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات بينهما. وخلال المحادثات، قال روحاني إن توثيق العلاقات مع كينيا يعتبر على رأس أولويات أجندة السياسة الخارجية الإيرانية، مشيرا إلى أنه على الجانبين اغتنام الفرصة التي بعد رفع العقوبات عن طهران لتوسيع التعاون بينهما[12].

 

ومن خلال الدبلوماسية اللينة؛ تمتلك طهران شبكات اجتماعية تمارس “الدبلوماسية الناعمة” على شكل مشاريع إنسانية في الدول الإفريقية، تحت إشراف مباشر من الهلال الأحمر الإيراني. لكن ما جرى ملاحظته بشكل وثيق هو أن النشاطات “الإنسانية” حملت طابعًا إيرانيًا دينيًا صريحًا، على مرأى من الحكومات الإفريقية، التي غضت البصر بعد أن شعرت بحاجة ماسة إلى المساعدات في ظل الأوضاع المعيشية المأساوية. ويمارس الهلال الأحمر الإيراني هذه الدبلوماسية في 12 بلدًا إفريقيا، هي السودان وتنزانيا وغانا وزمبابوي وجزر كومورو والنيجر ومالي وساحل العاج وجزر القمر والصومال وأوغندا وكينيا.

 

ثانياً: التغلغل الاقتصادي

 

أعلنت الحكومة الكينية عن برنامج رؤية 2030، وهو برنامج شامل لتحويل كينيا إلى دولة متقدمة بحلول عام 2030. وفي الوقت الراهن، لا تنتج كينيا سوى 1300 ميغاواط من الطاقة، وسوف تحتاج من أجل تحقيق أهدافها في برنامج رؤية 2030، إلى تطوير إمدادات الطاقة الكبيرة، والاستفادة من احتياطيات إيران النفطية الكبيرة. بالإضافة إلى صفقات الوقود[13]. وقد شهدت العلاقات التجارية تطورا ملحوظا في مجالات تجهيز المنتجات الزراعية والمنسوجات والجلود والإدارة والخدمات الفنية، والنفط والغاز والتعدين ومواد البناء، وتسعى الدولتان للاستفادة من الفرص المحتملة لتوسيع العلاقات التجارية والاستفادة من المزايا التنافسية في الصناعات المختلفة لما فيه مصلحة الطرفين، حيث تعتبر إيران من أهم الدول المستوردة للشاي الكيني، بينما تعتبر إيران مصدرا رئيسيا للنفط بالنسبة كينيا[14].

ومن شأن استمرار طهران في تصدير نسختها الشيعية من الإسلام إلى القارة الإفريقية أن يشكل تهديدًا حقيقيًا للإسلام الحنيف. لقد أقامت إيران وجودًا قويًا في إفريقيا من خلال الدعم المالي والتجاري للحكومات الإفريقية الضعيفة اقتصاديًا، أو من خلال الرشاوى للقادة الفاسدين، الذين يتجاهلون أو يقللون من شأن التهديد طويل الأجل، الذي تشكله النسخة الإيرانية من الإسلام.

 

ثالثاً: التغلغل الثقافي

 

وفي حين أن الجهود الإيرانية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأميركا اللاتينية حظيت بتغطية دولية واسعة النطاق، إلا أن النشاطات الإيرانية في إفريقيا حظيت باهتمام ضئيل، برغم استثمار النظام الإيراني بموارد كبيرة من أجل توسيع قوته الناعمة ونفوذه عبر القارة. بل ويمكن القول إن طهران تعمل على إعادة تشكيل الإسلام الإفريقي وسياسة القارة السمراء.

 

أما المنظمتان الرئيستان اللتان تقودان القوة الإيرانية الناعمة، فهما: منظمة “الثقافة والعلاقات الإسلامية”، التي تعمل من خلال الملاحق الثقافية في السفارات الإيرانية، وكذلك “جامعة المصطفى العالمية”، التي تدرب رجال الدين الأجانب والمبشرين في جميع أنحاء العالم. في الحقيقة، تعمل هاتان المنظمتان إلى جانب منظمات أخرى على نشر الأيديولوجية الأصولية الإيرانية، وتجتهدان لحشد الدعم الشعبي لسياسة طهران الخارجية، لا سيما في العالم الإسلامي الإفريقي، وكذلك في الشرق الأوسط. ومن خلال دراسة هاتين المنظمتين، نجد أنهما تزودان النظام الإيراني بحلقة تجنيد مهمة لصالح قوة القدس التابعة للحرس الثوري، وغيرها من المؤسسات الإيرانية المسؤولة عن الأنشطة الإيرانية العسكرية في الخارج.

 

وفيما يلي المجموعات الرئيسة التي تعمل تحت مظلة “منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية” في إفريقيا[15]

ــ جمعية أهل البيت العالمية: تروج للفِكر الشيعي، وتشرف على العلاقات بين الشيعة الأفارقة وشيعة العالم.

ــ تصدير “جامعة المصطفى” إلى إفريقيا[16]، والتي تأسست عام 2007، وهي المؤسسة الدينية التعليمية الأبرز في طهران، وتتولى بشكل رئيس مهمة تصدير الأيديولوجية الثورية الإيرانية إلى الخارج. لدى الجامعة أكثر من 40,000 طالب، وتخرج منها أكثر من 45,000 شخص، جرى إرسالهم بعضهم إلى إفريقيا على شكل علماء دين وباحثين إسلاميين ومبشرين. ولدى جامعة المصطفى 17 فرعًا رئيسًا في جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية، وتدير نحو 100 مدرسة ومسجدًا في ثلاثين دولة إفريقية. في عام 2015، أكد رئيس الجامعة خلال مقابلة صحفية على أهمية القارة باعتبارها عمقًا إستراتيجيًا لـ”الإسلام النقي” الذي يمارسه الإيرانيون الشيعة. وأضاف أن هناك أكثر من 5000 طالب إفريقي على مقاعد الدراسة في الجامعة، وتخرج منها أكثر من 5000 آخرين. علاوة على ذلك، هناك أكثر من 2000 طالب إفريقي يدرسون التعاليم الإسلامية الإيرانية في حرم مشهد في طهران، ووفقًا للصحافة الإيرانية، يجري إرسال من يتخرج منهم كمبشرين إلى بلادهم الأصلية. ووفقًا للمعلومات المتوفرة، شكلت جامعة المصطفى أداة رائعة في يد النظام لتجنيد مرشحين لتنفيذ أنشطة عسكرية في الخارج، بما في ذلك المشاركة المباشرة في حروب الوكالة الإقليمية. فمنذ قيام الحرب الأهلية السورية، صدرت العديد من التقارير في وسائل الإعلام الإيرانية حول جنازات لطلبة الجامعة ممن قتلوا في سوريا. ففي مارس 2018، أعلن أحد مسؤولي الجامعة أن “بعض المقاتلين الأجانب الذين أرسلتهم إيران إلى سوريا كانوا طلابًا ورجال دين في جامعة المصطفى”.

 

ومن بين مهام الجامعة اللافتة في إفريقيا، تنفيذ نشاطات دعائية حول “تحرير فلسطين” و”القضاء على إسرائيل” من أجل غلغلة الأيديولوجية الإيرانية داخل نفوس المسلمين من غير الشيعة، وذلك من خلال “تجمعات القدس” في بلدان إفريقية، مثل غانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا ومدغشقر وزيمبابوي وكينيا وأوغندا وبوركينا فاسو. وقد أطلقت الجامعة فرعها في تنزانيا، وبالتحديد في دار السلام، إلى جانب مدرسة إسلامية شيعية تدعى مدرسة الإمام صادقي. وفي أوغندا تحت مسمى “كلية المصطفى الإسلامية”. وفي كلمته أمام موظفي وطلاب الجامعة، قال آية الله علي خامنئي إن “طهران تنشر الأفكار الإسلامية الخاصة” عبر الجامعة إلى إفريقيا، وتحرر الأمة الإسلامية من “يد الاستبداد والقهر والقمع”[17]. كما أعلن عميد كلية اللغة والثقافة في الجامعة أن “هدفنا هو تصدير الثورة إلى إفريقيا”، بينما اعترف مسؤول آخر في الجامعة أن “حسن نصر الله في لبنان، والشيخ نمر النمر في السعودية، والشيخ زكزاكي في نيجيريا، جميعهم من ثمار تعاليم جامعة المصطفى”.

  • المنتدى العالمي لتقارب أفكار المدارس الإسلامية: مسؤول عن العلاقات مع المسلمين غير الشيعة في إفريقيا والعالم.
  • المنظمة الإسلامية للتنمية IDO: تتولى مهمة نشر المواد الدينية والدعائية، وإرسال المبشرين الدينيين إلى إفريقيا والدول الأجنبية.
  • مكتب قم الديني للدعاية الإسلامية: يتولى مهمة إرسال المبشرين ورجال الدين الشيعة من وإلى إفريقيا.
  • قسم الشؤون الخارجية في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي: يدير الملحقين الثقافيين في السفارات الإيرانية في الخارج، ممن ينسقون النشاطات الدينية التبشيرية في إفريقيا. يوجد حاليًا 16 ملحقًا ثقافيًا إيرانيًا في البلدان الإفريقية، يتولون مهمة متابعة الأنشطة الدينية، التي تنفذها منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية[18].
  • مركز الحوار بين الأديان والحضارات (CID): مسؤول عن إجراء الحوار الفلسفي والقانوني والاجتماعي والسياسي والثقافي مع الشخصيات الدينية الإقليمية الإفريقية والدولية، وكذلك مع الأقليات الدينية داخل وخارج إيران.
  • المكتب الإفريقي الإقليمي التابع لمنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية: يتولى مهمة إيفاد المرسلين الدينيين والمبشرين إلى إفريقيا لتعزيز “الإسلام الحقيقي” كما يراه النظام الإيراني، فضلًا عن تعزيز أهداف النظام السياسية الممزوجة بالدين. يجري تنفيذ هذه النشاطات بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية المحلية. ومن الملاحظ أن تلك النشاطات تحمل طابعًا إيرانيًا فريدًا، تشمل ما يلي:
  • ذكرى الثورة الإسلامية: يجري تنظيمها في الدول الإفريقية، في شهر شهر فبراير، من قبل الملاحق الثقافية الإيرانية.
  • ذكرى وفاة آية الله الخميني: يجري تنظيمها، في شهر يونيو، من قبل الملحقين الثقافيين أو من قبل المنظمات التابعة.
  • الأحداث الدينية الإسلامية: تعقدها منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية بانتظام في جميع أنحاء إفريقيا، بما في ذلك ذكرى مولد النبي محمد، الذي يعطي طهران فرصة الوصول إلى المسلمين الأفارقة غير الشيعة. وبخصوص الشيعة الأفارقة، فتستهدفهم المنظمة في مناسبات مثل عاشوراء ووفاة الإمام الحسين.
  • أحداث الوحدة الإسلامية: بما أن الغالبية العظمى من المسلمين الأفارقة هم من السنة، تقوم المنظمة الإيرانية ومؤسساتها التابعة بتنظيم مؤتمرات مختلفة حول “الحوار الديني” و”الوحدة الإسلامية” في مختلف الدول الإفريقية. جرى تصميم هذه المؤتمرات لخلق علاقات ودية مع المجتمعات السنية الإفريقية، وتقديم إيران كمدافع عن الأمة الإسلامية ككل.

 

ولقد تورطت إيران في محاولة شن هجمات على أهداف متعددة في القارة السمراء؛ ففي عام 2016، أدانت محكمة كينية اثنين من الإيرانيين، بتهمة جمع معلومات استخبارية لتسهيل هجمات مميتة، وعثرت بحوزتهما على مقاطع فيديو وصور للأماكن المستهدفة. وكذلك في عامي 2012 و2015، ألقت السلطات الكينية القبض على عناصر إيرانية أخرى تسعى لاستهداف أهداف غربية. وقد قامت السلطات الكينية في نوفمبر 2015 بالكشف عن مخطط تجسس إيراني[19]، وذلك بعد القبض على خلية تتكون من شخصين إيرانيين وعدد من الكينيين كانوا يخططون للقيام بتفجيرات في العاصمة نيروبي، وقبل ذلك بنحو عام ألقي القبض على إيرانيين آخرين اتضح بعد ذلك ارتباطهم بالخلية ذاتها بعد أن حاولا الدخول للبلاد باستخدام وثائق هوية إسرائيلية مزيفة. كما سبق للسلطات الكينية عام 2012 أن ألقت القبض على إيرانيين بتهمة التخطيط لتفجير عدد من المصالح الغربية، لتبلغ محاولات إيران استهداف المصالح الغربية في نيروبي ثلاث محاولات في أربعة أعوام فقط.

 

وتمتلك إيران مكتبا ثقافيا كبيرا في كينيا يعمل إلى جانب سفارتها، وهو مسؤول عن النشاط الثقافي والديني، وأيضاً عن تحديث المعلومات عن الأحداث في إيران. وهناك فرع لـ «منظمة العلاقات والثقافة الإسلامية» في كينيا، وهو واحد من بين عدد من المراكز في كينيا. وقد انتشر المذهب الشيعي في كينيا حوالي عام 1867 وكانت لاتزال مستعمرة بريطانية. من خلال بعض رجال الدين الآسيويين، من الهند وزنجبار الذين استقروا في مومباسا ولامو. وجاء معظم الوافدين من المدن الهندية ومن المستوطنات القديمة الواقعة على طول الساحل الشرقي لإفريقيا مثل باجامويو وزنجبار وكيلوا. وقد كانوا في مجموعات وكل مجموعة لها مجلسها التنفيذي، بينما كانت كل مجموعة تتبع الزعيم الروحي الشيعي في العراق أو إيران. ومع مرور الوقت، امتلكوا الأصول وإدارة العديد من الأنشطة التجارية مثل صناعة الصلب، والحديد ومعظم شركات الشحن خلال الستينيات من القرن العشرين. وبالإضافة إلى ذلك، قاموا ببناء المدارس الخاصة والمستشفيات لأنفسهم. واعتبرت المدارس والمستشفيات من بين أفضل المؤسسات في كينيا في العهد الاستعماري مثل أكاديمية الجفري. وبالاضافة إلى ذلك، كانوا يحتفلون بالاحتفالات والمهرجانات الشيعية على طول نيروبي ومومباسا. وقد وصلت جماعة شيعية أخرى في كينيا من آسيا. هم من الطائفة الإسماعيلية[20].

 

وتنقسم الفرق الشيعية في كينيا إلى فرقتين رئيسيتين وهما الاثنا عشرية والإسماعيلية (البهورة). وتعتبر الفرقة الاثني عشرية هي الأكثر نشاطاً في الترويج للمذهب الشيعي رغم قلتهم، ويتركز معظمهم في نيروبي ومومباسا وكوسومو وبعض المدن الرئيسية الأخرى. ويوكل هذا النشاط الشيعي للمنظمات الشيعية وأبرزها منظمة بلال المسلم الخيرية التي أسسها السيد سعيد اختر رضوي، حيث تتركز أنشطتها في السواحل الشرقية، وتستهدف وتستقطب الشباب السني لا المسيحي في تلك المناطق عن طريق البعثات التعليمية والأنشطة الدينية المختلفة، ويعود ذلك للدعم الذي تقدمه إيران لهذه المنظمات. وبالنظر لتاريخ المنظمة التي تنشط فروعها في الشرق الإفريقي، تجد أن السيد رضوي أسس هذه المنظمة بعد زيارته للمرجع العراقي السيد محسن الحكيم في سبعينيات القرن الماضي. وقد تأسست المؤسسة في عام 1964 عندما انعقد مؤتمر اتحاد الشيعة الاثني عشري في ديسمبر كانون الأول عام 1964، في طنجة، تنزانيا، وأصدر قرارا بالإجماع تعهد بنقل التعاليم الإسلامية الشيعية إلى الأفارقة الأصليين في شرقي إفريقيا. وبذلت الجهود الشيعية لنشر التشيع في أوساط الأفارقة[21].

 

وتعد شبكة الآغا خان للتنمية من بين أهم المؤسسات التنموية والتعليمية الشيعية في كينيا: وهي مجموعة تطوير خاصة، وتسعى إلى تمكين المجتمعات المحلية والأفراد لتحسين الظروف المعيشية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط. تركز الشبكة على الصحة، والتعليم، والثقافة، والتنمية الريفية، وبناء المؤسسات، وتعزيز التنمية الاقتصادية ومكرسة لتحسين الظروف والفرص المعيشية،تتجاوز ميزانيتها السنوية للمساعي 500 مليون دولار وتعمل في 30 دولة حول العالم. أما مؤسسة البرهاني، فهي مؤسسة خيرية مقرها في الهند التي أسسها الزعيم الروحي للشيعة الداوودي، الدكتور محمد برهان الدين، لنشر الوعي والبحوث والأنشطة التنموية الأخرى. وعلى غرار أعمالها في الهند، أنشأت البرهاني العديد من المشروعات التنموية في كينيا، بينما تعمل أكاديمية الجفري الشيعية التي تأسست في عام 1954 لتقديم الخدمات التعليمية من الحضانة إلى مستويات التعليم الثانوي لجميع الطوائف، وتقدم أنواعاً مختلفة من ورش العمل وبرامج التدريب المهنية قصيرة الأجل.

 

يعتبر مركز أمير المؤمنين قرب مومباسا الذي بدأ في عام 1992 كمركز الشيعي تديره مؤسسة الإمام المهدي، من المراكز الثقافية الهامة، ويتألف من ثلاثة مستويات تعليمية تركز على الدراسات الشيعية الاثني عشرية، فيما يقع مركز الصفا في لامو وافتتح في عام 1969 كمركز ديني يديره شريف مزي مويني، يدرس العلوم الدينية وفقا للمذهب الشيعي. وقد تخرجت من المركز الدفعة الأولى لطلاب المرحلة الابتدائية في عام 2012. أما مركز أهل البيت فيقع في مقاطعة كيلي قرب مومباسا في المنطقة الساحلية الكينية. ويتكون من مكتبة تضم الكتب الشيعية بالإضافة إلى المكاتب الإدارية. ويدير نشاطه الشيخ عبد الله ناصر، الذي كتب وترجم العديد من الكتب عن الشيعة.

 

ولقد ساعد انتشار هذه المراكز على تمكين إيران وتغلغلها في كينيا، حيث تلعب المؤسسات الدينية دوراً مهماً في عملية التشيع منها على سبيل المثال “مجمع شباب آل البيت”، كما تلعب السفارة الإيرانية دوراً رئيسيا أيضا في نشر التشيع من خلال تجنيد العملاء من السكان الأصليين الذين يتقاضون اجورا مغرية، وتعمل إيران على تحريك عناصر من سفارتها في كينيا لنشر التشيع في جزر القمر من خلال الطلبة الذين يقصدونها للدراسة[22].

ومن ثم تعتبر كينيا محطة رئيسية لنشر التشيع في الدول المجاورة، مثل جزر القمر، وعلى هذا الأساس تحظى كينيا بأهمية خاصة في المشروع الإيراني في منطقة شرقي إفريقيا والقرن الإفريقي.

 

المآرب الإيرانية في شرقي القارة الإقريقية

 

منذ الثورة الإسلامية، جعلت إيران القارة الإفريقية واحدة من وجهاتها المفضلة، لتوسيع نفوذها السياسي والمالي، وبالتالي التحايل على الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليها من قبل القوى الغربية وجيرانها العرب. وتسعى إيران إلى أن تكون حاضرة في معظم البلدان الإفريقية الإستراتيجية أو الغنية بالموارد. وتدعم مشاريعها منظماتٌ حكومية وغير حكومية، مجتمعة في شبكة تعرف باسم “شبكة الأعمال الإيرانية” (AYAN ). ويقوم أعضاؤها بإنشاء وتنفيذ العناصر السرية التي تسهم في تحقيق السياسة الخارجية الإيرانية. وتتكون AYAN من ثلاثة أجهزة قوية[23]:

  • كتيبة حراس الثورة التابعين للثورة الإيرانية، وتسمى فيلق القدس (كتيبة القدس).
  • وزارة الأمن والاستخبارات الإيرانية.
  • حزب الله اللبناني.

وتشرف وزارة الأمن والاستخبارات، بالتعاون الوثيق مع فيلق القدس، على جميع عمليات الترويج والتصدير الدولي للثورة. وتتعاون هذه الوزارة تعاوناً وثيقا مع حزب الله اللبناني، وكذلك مع شبكة من الوكلاء والمنظمات المعتمدة، مثل الجماعات الشيعية، والإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة.

 

إنّ توسع إيران في إفريقيا يستجيب إلى حد كبير لرغبتها في الاستثمار والتعاون الاقتصادي بقدر رغبتها في السيطرة على بعض الموارد الطبيعية في إفريقيا واستغلالها. وتعج إفريقيا باحتياطيات النفط الخام والغاز والفحم واليورانيوم. وهذه الموارد تثير شهية أي دولة تطمح إلى القيام بدور على الساحة الإقليمية والدولية. ووفقاً لدراسة أجريت مؤخراً من قبل مركزين للبحثوث، وهما ” Africa Investor ”  (إفريقيا للإستثمار) و” Africa Group ”  (مجموعة إفريقيا)، تقدر الثروة الطبيعية في إفريقيا بأكثر من 13.5 تريليون دولار وأكثر من 1.7 تريليون دولار في قطاعات أخرى مثل المياه والزراعة والسياحة. وبلغت التبادلات الاقتصادية بين إفريقيا وإيران ما قيمته مليار دولار أمريكى. هذا المبلغ لا يبدو هائلاً، ولكنه يسمح للإيرانيين بتحقيق أهداف أخرى، لا تتم إلا من خلال الاستثمارات المالية والتعاون التجاري.

 

ولقد فتحت إيران أكثر من ثلاثين سفارة في القارة السوداء. وقد منحها هذا الحضور الدبلوماسي المكثف دور المراقب في الاتحاد الإفريقي. ومعظم هؤلاء السفراء هم قادة في الحرس الثوري، ويعملون على نشر المذهب الشيعي الإيراني في إفريقيا. وتتمثل أهداف السياسة الإيرانية وأدواتها وآلياتها للتغلغل وتحقيق أهدافها في منطقة شرقي إفريقيا، فيما يلي:

 

1 ـ أهداف سياسية، تتمثل في[24]:

  • ترسيخ نفوذها السياسي كجزء من المحور المعادي للغرب الذي تسعى إلى إنشائه في دول العالم الثالث، فهي تحاول أن تنمو لتقلل من النفوذ الغربي؛ وبخاصة الأميركي.
  • كسر حاجز العزلة الغربية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، وإظهار نفسها كقوة عالمية منافسة يحسب لها حسابها في المنطقة[25].
  • السيطرة على الممرات المائية تحسباً لأي انفجار محتمل مع الغرب حول ملفها النووي، ناهيك عن طموحات فتح ممرات بحرية وبرية تسهل الوصول إلى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط عبر تأمين وجود إيراني قريب من هذه المناطق وتوفير أوراق ضغط جديدة للمساومة في الشرق الأوسط.
  • كسب تأييد تلك الدول في الأمم المتحدة، وتدعيم الشراكات التي تمكن إيران من الوصول إلى القواعد البحرية الاستراتيجية.
  • التواصل الدبلوماسي مع تلك الدول والالتفاف على النفوذ الأميركي والإسرائيلي في جميع أنحاء إفريقيا.
  • مواجهة السعودية: حيث يأتي التوجه الإيراني في منطقة شرقي إفريقيا في سياق عدد من المتغيرات الإقليمية والدولية التي طرأت على المنطقة، وفي سياق التحول في أهداف السياسة الخارجية للبلدين خلال الفترة الأخيرة؛ الأمر الذي دعا الطرفين إلى إيجاد موطئ قدم في المنطقة للحيلولة دون سيطرة الآخر وتمديد نفوذه في شرقي إفريقيا. ولما كانت منطقة القرن الإفريقي هي محط أنظار الدولتين وساحة جديدة أمامهما من أجل بسط النفوذ والسيطرة، كما أنها ساحة تنافس قد يصل في بعض الأحيان إلى صراع بين الأيديولوجيتين التي تتبناهما الدولتان في منطقة الشرق الأوسط، ثم انتقلت إلى أنحاء إفريقيا، هنا يمكن الإشارة إلى دوافع كلا البلدين للتواجد في شرقي إفريقيا والقرن الإفريقي، والتي تعتبر في ذات الوقت أسباب الصراع والتنافس بين البلدين في شرقي إفريقيا.[26]

2 ـ أهداف دينية وأيديولوجية، وتتمثل في:

  • تصدير الثورة الإسلامية من خلال المؤسسات الإيرانية أو المراكز الثقافية التي تنشر الفكر الشيعي، وتعزيز نفوذها من خلال نشر جهودها في البلاد الإسلامية والمجتمعات الإسلامية التي تعيش في شرقي إفريقيا.
  • نشر المذهب الشيعي، ودعم وتحريك الشيعة في المنطقة بهدف خلق قواعد محلية موالية لإيران باعتبارها مرجعية حوزتها الدينية، من أجل الضغط على الحكومات الوطنية والعمل في مواجهة المصالح الغربية في شرقي إفريقيا.

3 ـ أهداف أمنية، حيث تعمل إيران على:

  • أن تكون منطقة شرقي إفريقيا إحدى المحطات الاستراتيجية المهمة لها في مواجهتها للقوى الغربية، وخاصة إسرائيل، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام عسكرية ضد المصالح الغربية إذا ما قررت الأخيرة تدمير قدرات إيران النووية.
  • تصدير الأسلحة إلى مناطق الصراعات الإفريقية، بالإضافة إلى تعزيز وجودها العسكري البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وقُبالة السواحل الصومالية تحت ذريعة محاربة القرصنة.

4 ـ أهداف اقتصادية، وذلك على النحو التالي:

  • ‌تملك إيران أيضاً العديد من المصالح الاقتصادية، في شرقي إفريقيا. وقد دعا نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الإفريقية، محمد رضا باقري، القطاع الخاص في إيران إلى زيادة التعاون مع شرقي إفريقيا، معتبرا أنه يمثل فرص واعدة للشركات الإيرانية.
  • وفي أكتوبر 2017؛ صرح الرئيس الإيراني “حسن روحاني” بأن العلاقات بين تنزانيا وطهران تشكل ثروة قيمة في مسار تطوير التعاون المشترك لافتا الى ان تنزانيا بوابة لدخول ايران الى أسواق إفريقيا، عرب عن رغبته بارتقاء العلاقات والتعاون بين البلدين في جميع المجالات سيما الاقتصادية، مبينا ان تنزانيا بوابة لدخول ايران الى اسواق إفريقيا، وان الحكومة الايرانية عازمة على تطوير العلاقات مع الدول الصديقة في كل ارجاء العالم لا سيما مع إفريقيا. وقال روحاني ان تنزانيا بلد صديق يرتبط بعلاقات تاريخية وثقافية مع الشعب الايراني تعود الى 900 عام ، هذه العلاقات بين الشعبين، تشكل ثروة قيمة في مسار تطوير التعاون. وأكد استعداد الشركات الايرانية العاملة في المجالات الفنية والهندسية، على تطوير المشاريع التنموية في إفريقيا بمافيها تنزانيا وقال ان التعاون الاقتصادي ينبغي تطويره بموازاة العلاقات التاريخية والثقافية والسياسية بين ايران وتنزانيا، والخطوة الاولى في هذا المسار دعم العلاقات المالية والمصرفية بين البلدين. ولفت روحاني الى ضرورة تشكيل اللجنة الاقتصادية المشتركة بين ايران وتنزانيا لمناقشة فرص تنمية التعاون التجاري والاقتصادي وكذلك سبل تطوير العلاقات العلمية والتقنية[27].

 

تحديات النفوذ الايراني في شرقي إفريقيا

 

تُعاني السياسة الإيرانية في إفريقيا بحالة من “العجز الهيكلي”[28] تجعل من المستحيل لها أن تنجح في تحقيق أي من أهدافها الرئيسية، هذا العجز الهيكلي مرده كون سياسة إيران في إفريقيا محصلة للصراع بين جهتين داخليتين مختلفتين في التوجه والأهداف والأدوات. فظاهرة “الاثنينية”[29] التي تُميز مؤسسات صنع القرار الايرانية تلقي بظلالها على مسارات الحركة الايرانية بالقارة السمراء. فمن ناحية، تتبنى الخارجية الإيرنية توجهات تسعى للحفاظ على موقع مهم لإيران بين دول الجنوب العالمي في مواجهة السياسات الأمريكية والأوروبية وهو ما يفرض بناء علاقات متكافئة مع مختلف دول الجنوب بغض النظر عن حجمها وقوتها، وفي المقابل تظهر السياسات التي يتبناها الحرس الثوري لتقيم علاقات قائمة على منطق التبعية بتجنيد بعض الشخصيات السياسية النافذة في الدول الإفريقية للقيام بتنفيذ الأجندة الإيرانية.

 

وفي الوقت الذي تحرص فيه الخارجية الإيرانية على الظهور بمظهر الدولة المحافظة على ثوابت العلاقات المتوازنة بين الدول كتجنب التدخل المباشر في الشؤن الداخلية والاعتماد على القنوات الرسمية في التواصل، تظهر سياسات الحرس الثوري لتقوم على تجاوز الأطر الرسمية وإقامة علاقات مباشرة مع جمعيات وتنظيمات تابعة للدول الإفريقية بدون تنسيق مع الحكومات.

 

هذا التضارب لا يعكس اختلافاً في الرؤى والغايات الكبرى بين الخارجية الإيرانية والحرس الثوري، بقدر ما يعكس اختلافاً في الأولويات، فالتصور الذي تتبناه الخارجية الإيرانية يقوم على بناء قاعدة من العلاقات الاقتصادية والثقافية يمكن استغلالها سياسياً وعسكرياً على المدى الطويل، بينما ينزع الحرس الثوري للانخراط المباشر في الأنشطة النوعية التي تخدم أهدافه العسكرية آنياً في ظل تنامي الضغوط الدولية على الداخل الإيراني. لكن تظل محصلة السياسة الإيرانية في إفريقيا محدودة سواء من حيث بناء شراكات سياسية واقتصادية قوية، أو من حيث إحراز اختراقات مؤثرة على جانب المواجهة العسكرية مع أعدائها، وهو ما يعد أحد الأعراض المتكررة للتناقضات الداخلية الحادة التي تعتري عملية صنع القرار السياسي في إيران.

 

وعلى خلفية كل ما سبق، تأتي التطورات الأخيرة المتسارعة لتحتم منح القارة الإفريقية اهتماماً خاصاً باعتبارها أحد الفضاءات التي يمكن أن تشهد أنشطة إيرانية خطرة في المستقبل القريب، ففي ظل الأوضاع المضطربة في عموم القارة الإفريقية قد تسعى إيران لاستغلال هذه الساحة البديلة في تحقيق مكاسب نوعية، وبخلاف ما تذهب إليه التقارير الغربية فإن الأهداف الأكثر عرضة للتهديد الإيراني في إفريقيا تتعلق بمصالح جيران إيران الإقليميين لا بالمصالح الغربية، الأمر الذي يفرض ضرورة المراقبة الدقيقة لنشاط إيران القائم والمحتمل في مختلف أرجاء القارة.

 

ــــــــــــــــــ

[1] عبدالله عيسي الشريف، “تحدي واشنطن: احتمالات مقاومة القوى الدولية للعقوبات على إيران”، (مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة: دورية اتجاهات الأحداث، العدد 28، 2018)، ص 38.

[2] وزير الخارجية الايراني غادر اوغندا متوجها الي بوروندي، وكالة الأنباء الايرانية (ارنا)، 3 فبراير 2015، متاح على الرابط التالى: https://ar.irna.ir/news/81491858/

[3] رئيس رواندا يؤكد عزم بلاده علي تطوير العلاقات مع ايران، وكالة الأنباء الايرانية (ارنا)، 19 يناير 2018، متاح على الرابط التالى: https://ar.irna.ir/news/82800544/

[4] شريف شعبان مبروك، “السياسة الخارجية الإيرانية في أفريقيا”، (مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية: سلسلة دراسات استراتيجية، عام 2011)، ص ص 12 ـ 18.

[5] محمد علي الحسيني، “نار إيرانية تحت رماد إفريقيا”، 27 مايو 2019، متاح على الرابط التالى:

https://www.alarabiya.net/ar/politics/2019/05/27/

[6] بوزيدي يحيى، إيران في إفريقيا: اختراقات وإخفاقات، 5 يونيو 2014م، متاح على الرابط التالى:

https://www.alburhan.com/Article/index/8186

[7] حوزة “قم” تعقد اجتماعًا لطلاب 30 دولة.. التشيع سلاح إيران للسيطرة على إفريقيا، 12 مايو 2016، متاح على الرابط التالى:

http://www.islamist-movements.com/35546

[8] تأسيس رابطة لشيعة افريقيا وانتخاب ابو جعفر أمينا عام، 6 أغسطس 2016، متاح على الرابط التالى:

https://lebanon.shafaqna.com/news/22889?lang=news&tp=22889

[9] شريف شعبان مبروك، “السياسة الخارجية الإيرانية في أفريقيا”، مرجع سبق ذكره، ص ص 12 ـ 18.

[10] إيران نحو أفريقيا… دلالات التطويق، 29 ديسمبر 2019، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، متاح على الرابط التالى: https://rawabetcenter.com/archives/101518

[11] وكالة أنباء فارس: لاريجاني: إيران وكينيا لديهما رؤى متقاربة جدا لمكافحة الإرهاب،24/9/2016، متاح على الرابط التالى:

http://ar.farsnews.com/iran/news/13950703001147

[12] Press TV Iran: Iran، Kenya call for enhancement of bilateral ties، 25/9/2016

http://www.presstv.ir/Detail/2016/09/25/486317/Iran-Kenya-Rouhani

[13]  McAnenny،Alex: A Tutorial Overview of Iran’s Strategic Influence In Africa، Center for Security Policy 2014, p.7.

[14] STANDARD Digital: Kenya، Iran eye increase in import-export trade ties،19/7/2016

https://www.standardmedia.co.ke/business/article/2000209152/kenya-iran-eye-increase-in-import-export-trade-ties  

[15] معهد أبحاث “ميدل إيست فورام” الأمريكي، متاح على الرابط التالى:

https://www.meforum.org/articles/2018/tehran%E2%80%99s-soft-power-in-africa  

[16] مروان العياصرة، “جامعة “المصطفى”.. أخطر أكاديميات التطرف الإيرانية”، 19 سبتمبر 2018، متاح على الرابط التالى:  https://www.hafryat.com/ar/blog/

[17] دراسة جديدة: كيف تزرع إيران أيديولوجيتها الدينية في إفريقيا؟، 4 سبتمبر 2018، متاح على الرابط التالى:

https://www.qposts.com/2

[18] حسن داي، “طهران تستخدم قوّتها الناعمة للهيمنة على إسلام إفريقيا وتشكيل سياسة القارة السمراء”، 27 سبتمبر 2018، متاح على الرابط التالى: https://www.asswak-alarab.com/archives/16574

[19] في 24  يونيو 2019، نشر موقع صحيفة التليجراف البريطانية تقريراً عن بناء إيران لشبكات من خلايا إرهابية سرية في عمق القارة الأفريقية تخطط لمهاجمة أهداف أمريكية وأوروبية.

[20] Dr. Mohamed Sheikh Alio: Kenyan Shiite Community: A Socio-Historical Perspective، IOSR Journal Of Humanities And Social Science (IOSR-JHSS)، (Volume 19، Issue 5، Ver. IV (May. 2014)، p.14.

[21]  Ibid, p. 15

[22] د. السيد عوض: النفوذ الإيراني الناعم في القارة الأفريقية، سلسلة دراسات دوليات،(القاهرة المركز العربي للدراسات الإنسانية، 2016)، ص 74.

[23] مدني قصري، “إستراتيجية الهيمنة الإيرانية في إفريقيا”، 18 يناير 2018، متاح على الرابط التالى:

https://www.hafryat.com/ar/blog/

[24] نسرين قصاب، “القرن الأفريقي والاستراتيجية الإيرانية”،العرب اللندنية، العدد 9559، 15/5/2014، ص 7.

[25] علي عاطف حسان، “النفوذ الإيراني في أفريقيا وتهديده للأمن القومي المصري”، المركز العربي للبحوث والدراسات، 2 مايو 2018، متاح على الرابط التالى:  http://www.acrseg.org/40722

[26] أحمد عسكر، “السعودية وإيران وتركيا: صراع النفوذ في شرقي أفريقيا”، 04/05/2017، متاح على الرابط التالى:  https://www.ida2at.com/saudi-arabia-iran-and-turkey-influence-in-east-africa/

[27] روحاني: تنزانيا بوابة لدخول ايران الى أسواق افريقيا، وكالة مهر الايرانية للأنباء، 11 اكتوبر 2017، متاح على الرابط التالى:  https://ar.mehrnews.com/news/1876940/

[28] أحمد أمل، “السياسة الإيرانية في أفريقيا.. من القوة الناعمة إلى الخلايا النائمة”، 22 يوليو 2019، متاح على الرابط التالى: https://al-ain.com/article/iran-africa

[29] عبدالله عيسي الشريف، “العقم السياسي.. عائلات بعينها تحكم إيران.. إليك ثلاث منها”، موقع دقائق.نت، 12-11-2019، متاح على الرابط التالى:http://daqaeq.net/

 

المصدر الأصلي للموضوع" المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية"أفايب"- طبقا لبروتوكول تعاون مشترك مع "رياليست" الروسية.