"التلويح بالنِدية".. عنوان زيارة إردوغان الى أوكرانيا

06.02.2020, 12:43, القاهرة

داليا يسري: يبدو أن التوافقات اللحظية بين الجانبين الروسي والتركي بشأن سوريا، قد بدأت تنقشع عنها غمامة الاستقرار المؤقت وتعود مرة أخرى إلى توتراتها المعهودة.

مصدر الصورة: رويترز

بعبارة "المجد لأوكرانيا"، استهل الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان زيارته الرسمية الى كييف –الاثنين 3 فبراير- بغرض عقد مباحثات مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي. وخلال حضور الرئيسان لمراسم حفل الاستقبال الرسمي بالقرب من قصر ماريانسكي في كييف، استغل اردوغان فرصة وجوده أمام حرس الشرف الأوكراني، واقترب من الميكروفون وردد عبارة "المجد لأوكرانيا" بصوتٍ عالٍ، وتعد هذه العبارة بمثابة الشعار الوطني والتحية الأوكرانية الأشهر، والتي يعود تاريخها الى نحو 200 عام.  والمميز بشأن هذا الشعار، هو أنه لا يستمد مكانته في قلوب الشعب الأوكراني من تاريخه الحافل فحسب، بل أنه يرتبط في الوقت الحالي - لدى الوعي الجماهيري-  بثورة الكرامة والحرب في دونباس، حيث انتشر الشعار بشدة بين أفراد القوات المسلحة والوحدات التطوعية خلال ما يصفه الأوكرانيون بفترات العدوان الروسي المسلح على بلادهم.

 

نتائج الزيارة

خرجت الزيارة بعدة نتائج على أصعدة مختلفة. فقد ذهب إردوغان الى أوكرانيا برفقة عدد من وزرائه، من ضمنهم وزير الخزانة والمالية براءت البيراق، ووزير التجارة روهصار بكجان، والعدل عبد الحميد غل. وشهدت الزيارات لقاءات تجمع الرئيسان مع الوزراء من جهة، ومن جهة أخرى شهدت اجتماعات ثنائية على المستوى الوزاري. وبعد ذلك شارك رؤساء البلدان في منتدى الاعمال الأوكراني التركي. وقام الجانبان بتوقيع عدة بروتوكولات ومواثيق للتعاون من ضمنها (بروتوكول تعاون بشأن تنفيذ المساعدات المالية، اتفاق بشأن الاعتراف المتبادل برخص القيادة الوطنية وتبادلها، مذكرة تفاهم بشأن التعاون في خدمات الطوارئ، مذكرة تفاهم بشأن مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، بروتوكول تعاون فيما يتعلق بخدمات الأرشيف الحكومية). وتابع الجانبان فيما يتعلق بالتعاون على الصعيد الاقتصادي، حيث أعلن الطرفان عن اعتزامهما رفع معدل التجارة الثنائية الى 10 مليارات دولار، كما تجدر الإشارة الى أنه قد تم قبيل زيارة أردوغان الى أوكرانيا الإعلان عن رغبة كييف في رفع مستواها التجاري بأنقرة.

 

كما أنه من المخطط أن يقوم الطرفان بتكثيف التعاون بين أوكرانيا وتركيا في مجال النقل، وفي هذا السياق قال زيلينسكي "اعتقد أن أوكرانيا وتركيا تلعبان دورًا رئيسيًا في تدفقات النقل التي تربط أوروبا الشرقية والشمالية بالشرق الأوسط وآسيا الوسطي". علاوة على ذلك، أشار الرئيس الأوكرانيا أن قضايا تنويع مصادر الطاقة تلعب دورًا هامًا بالنسبة للطرفان، ولهذا السبب نوقشت إمكانية نقل غاز بحر قزوين من خلال الخطوط المناسبة الى أوكرانيا. بالإضافة الى ذلك اتفق الطرفان على الانهماك في مشروعات مشتركة في مجال صناعة الطيران، وعلى وجه التحديد ما يتعلق ببناء وتوريد الطائرات 178-AN.

 

على الصعيد العسكري، تم التوقيع على وثيقة مشتركة يتلقى بموجبها الجيش الأوكراني مساعدات مالية من تركيا. ووفقًا للرئيس الأوكراني، هذا اتفاق بشأن التعاون المالي العسكري، والذي سوف يتلقى بموجبه الجيش الأوكراني مساعدة مالية من –شركائه الأتراك- والتي سوف تقدر بـ 200 مليون ليرة تركية (حوالي 50 مليون دولار)، من المقرر أن يتم تخصيصها لشراء العناصر العسكرية التركية ذات الاستخدام المزدوج والتي من شأنها أن تلبي احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية.

 

وعلى الصعيد السياسي، ناقش الطرفان الأوضاع السياسية –التي تمثل أهمية للطرفان- بما يشتمل على قضية الوصول الى تسوية للنزاع في دونباس. حيث تجدر الإشارة، إلى أن الجانب التركي قد أظهر رغبة قوية في مناقشة الأوضاع السياسية بين روسيا وأوكرانيا، كما أبدت تركيا –وبحكم علاقاتها مع الطرفين- استعدادها للقيام بدور الوسيط في التوصل الى حلول بشأن بعض القضايا العالقة. فيما أولى زيلينسكي اهتمامًا خاصا، بمناقشة الأوضاع في شرق أوكرانيا مع نظيره التركي. وعندها أطلق اردوغان تصريحه الشهير بشأن عدم تأييد تركيا لضم شبه جزيرة القرم، وأعلن اعترافه بالسيادة الأوكرانية عليها.

 

وفيما يتعلق بمسألة استعادة المحتجزون الأوكرانيين في روسيا والأراضي الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية بشكل مؤقت، على حد وصف وسائل الإعلام الأوكرانية. ووفقًا لزيلينسكي، يتم في الوقت الحالي اعداد قائمة بأسماء المحتجزون الأوكرانيون بالتعاون مع مينسك وأنه سوف يتم في المستقبل القريب، اجراء محادثات مع الجانب الروسي بشأن إمكانية اجراء تبادل للمحتجزين. وعن دور تركيا في هذا الأمر، أضاف زيلينسكي مشيرًا إلى أن أوكرانيا تعتمد على مساعدة تركيا في إطلاق سراح السجناء السياسيين بمن فيهم تتار القرم، المحتجزون بشكل غير قانوني في أراضي شبه جزيرة القرم التابعة في الوقت الحالي لروسيا الاتحادية.

 

كما وعد الرئيس زيلينسكي من جانبه، بإيلاء اهتمام خاص بمسألة "مدارس جولن" في أوكرانيا، حيث أصدر تعليمات إلى قيادات إدارة أمن الدولة لأجل دفعهم الى الانخراط بشكل أكبر في المؤسسات التعليمية التابعة لما يصفه أردوغان بـ "شبكة عبد الله جولن الإرهابية". حيث ذكر زيلينسكي، أنه قد تلقى من نظيره التركي ما يكفي من وقائع حتى يتم إحالة الأمر الى إدارة أمن الدولة الأوكرانية، لأجل البحث والتحقيق بشأنه.  وتجدر الإشارة الى أنه من المقرر أن يقوم الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بعمل زيارة رسمية الى أنقرة في أغسطس من العام الجاري.

 

توتر الأوضاع في سوريا

مصدر الصورة: وكالة الأناضول

 

في ماضي ليس ببعيد، بدا للعالم بأسره كيف أن تركيا وروسيا قد نجحتا في التوصل الى توافقات بشأن الأوضاع في سوريا. وبأن تركيا قد بدأت في توفيق طموحاتها في سوريا مع حقيقة سيطرة النفوذ الروسي هناك، وهو في حد ذاته أمر ينطوي على تناقضات بسبب ما يكنه الرئيس السوري بشار الأسد –المدعوم بقوة من موسكو- من عداء للأتراك وأطماعهم في بلاده. وفي الوقت الراهن، يبدو أن التوافقات اللحظية بين الجانبين الروسي والتركي بشأن سوريا، قد بدأت تنقشع عنها غمامة الاستقرار المؤقت وتعود مرة أخرى إلى توتراتها المعهودة. وبدأت فجأة الأمور تخرج عن سيطرة الأتراك، وفي -2فبراير- نشر موقع نداء سوريا الاخباري خبرًا عن قيام روسيا بإغلاق منفذ كانت تركيا قد فتحته في الجدار الحدودي الإسمنتي الفاصل بين سورا وتركيا في شمال الحسكة، وهو منفذ كانت القوات تركيا تستخدمه لأجل تمرير دورياتها الى الأراضي السورية ووضعت بوابة حديدية عنده قبل نحو أسبوع من قيام الشرطة الروسية بإغلاقه باستخدام شرائح اسمنتية ضخمة.

 

وتصاعدت التوترات بعد أن لقى مجموعة من الجنود الأتراك حتفهم على يد هجوم شنته قوات الجيش السوري على نقطة تركية في إدلب، فضلاً عن قصف سوري متكرر سابق لنقاط المراقبة التركية المنتشرة في إدلب. وهكذا تصاعدت الخلافات التركية الروسية خاصة في ظل ما تملكه أنقرة من اعتقاد راسخ بأن الجيش السوري لن يجرؤ أبدًا على القيام بأي خطوة عسكرية ضد القوات التركية بدون أن يحصل على غطاء محكم من روسيا، التي تتهمها تركيا بعدم الوفاء بتوافقاتها المشتركة في سوريا، بما سوف ينعكس بالضرورة ليشمل الوضع في ليبيا. 

 

رسائل أردوغان إلى روسيا عبر كييف

تسير الاحداث في سوريا على غير هواه، فيغضب اردوغان بشدة ويُعلن أنه مصمم على الاستمرار في عملياته العسكرية بسوريا. وما يزيد الأمور سوءًا، هو عدم قدرته على مجابهة السلطة الروسية ذات النفوذ الأوسع على الساحة السورية، والتي تستمر وفي كل خطوة بالتصرف على نحو يشير إلى أنها اليد الحاكمة هناك، على البقعة التي يطمح أبناء سلالة تسعى الى استرداد الأمجاد العثمانية في بسط سيطرة ولو بسيطة هناك. وكلما اقترب اردوغان من أن ينعم بفكرة أنه نجح –ولو بشق تمرة- في تحقيق الطموح العثماني بالتوسع وبسط النفوذ خارج الحدود التركية، أيقظته فجأة ضربة ما.

 

وعليه، يقرر اردوغان أنه سوف يتصرف من منطلق "نِدية" يرغب في اثباتها لروسيا أولاً وللعالم بأسره كذلك. فيزور كييف ويقوم بتوقيع وثيقة تمويل عسكري للقوات الأوكرانية، التي تقع على خط المواجهة الأول مع روسيا. والأكثر من ذلك أنه يستغل الزيارة حتى يعقد لقاء مع زعيم تتار القرم مصطفى عبد الجميل قرم أوغلو، ويحاول بهذه الطريقة أن يبدو في مشهد الرجل صاحب النفوذ الكبير على شريحة القرم التتريينن، والتي تعارض الوجود الروسي في شبه جزيرة القرم.

 

وفي فحوى تحركاته رسائل الى روسيا، وكأنه يشدد ويردد في كل خطوة عبارات من نوعية "أنا موجود وأنا أيضًا قوة عظمى، وأملك نفوذ أستطيع من خلالها أن أمثل تهديدًا بالنسبة لروسيا"، يريد إردوغان أن يشرح لموسكو –ومن خلال الطريقة العملية- كيف أنه لا يقع تحت رحمة الإرادة الروسية على الساحة السورية، لأنه هو أيضًا يستطيع أن يلعب دور مماثل في أوكرانيا لنفس الدور الذي تلعبه روسيا في سوريا. وها هو يقوم بتمويل أنشطة أوكرانيا العسكرية، ولا يعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ومع الوقت يلوح بأن يتحول الى شريك استراتيجي فاعل لأوكرانيا، بما يؤهله لأن يلعب دور الوساطة في النزاعات بينها وبين روسيا.

 

وختامًا، لا يمكن أن تخرج هذه الزيارة عن نطاق ما يطلق عليه –مناكفة سياسية- يسعى من خلالها إردوغان الى خلق أوراق ضغط على موسكو، يمكنه من خلالها أن يحصل على المزيد من المكاسب هناك، أو على الأقل تمكنه من الحفاظ على ما وصل اليه من مكتسبات والحيلولة دون تحولها الى خسائر جمة. والحقيقة أن موسكو –وبعد هذه المرحلة- لن تتخلى أبدًا عن دعمها إلى قوات الجيش السوري، وفي حالة رغب إردوغان بالوصول الى تفاهمات جديدة معها، عليه هو أن يتنازل وأن يدفع الثمن.

 

 

داليا يسري- باحثة بالمركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية خاص "رياليست"