مراجعة سياسية قانونية للوضع اللبناني الراهن - لارا رجا الذيب

26.01.2020, 15:29, بيروت

لارا الذيب: تواجه الحكومة الجديدة اليوم برفض شعبي عارم، حيث يؤخذ على التشكيلات الحكومية: أولًا، إستلام معظم الوزراء لحقائب وزارية مخالفة لمجال تخصصهم، وبالتالي لا تعبّر الحكومة إلّا عن روحية التكنوقراط، فلا تستوفي الشروط الواجبة ولا تؤدي الغاية المتوخاة. 

مصدر الصورة: الجنوب اليوم

 

الثورة التي حافظت على صورة التظاهر الحضاري على مدى ثلاثة عشر أسبوعًا، ما لبثت أن انتفضت مع بداية الإسبوع الرابع عشر من سلميّتها، في محاولة منها إلى قلب الموازين السياسية بالقوة، وإعلاء الصوت لإنفاذ كلمة الشعب بعدما اختارت السلطة اللبنانية صمّ الآذان و"النأي بالنفس" عن معاناة اللبنانيين ومعارضتهم لسياسات الحكم المجحفة. ولأن إلتزم "ممثلي الشعب" سياسة الحياد عن الإرادة الشعبية، شهد وسط بيروت التحركات الإحتجاجية الأعنف في محيط المجلس النيابي في مجابهة مع الإجراءات الأمنية القمعية للسلطة.

 

ولمّا كانت الحكومة السابقة - وقد أسقطت عنها شرعيتها بسحب الثقة منها في الشارع - اعترفت صراحةً بالفشل والعجز عن تحمّل مسؤولياتها وتكبّد الإستجابة للمطالب الشعبية المحقّة، بسبب تكبيل صلاحياتها من قبل المكونات الحزبية والطائفية للنظام السياسي القائم. فإن الحكومة الجديدة، والتي أطلقت عليها الثورة لقب "حكومة المحاصصة"، لم تلقى بدورها المباركة الشعبية إن لجهة آلية التكليف أو هيكلية التأليف التي أرست الحكومة على الركائز الطائفية وأوعزت تسمية الوزراء إلى الأحزاب الحاكمة رغم أنف الإعتراض الشعبي.

 

أمّا الإعلام، وبما يمثلّه من سلطة رابعة، فقد كان له الحكم الأبرز على الثورة رغم التفاوت في التزام الدور الموضوعي المتجرّد. فقد تعمّدت الوكالات الإعلامية المنحازة للسلطة والموسومة في ملكيتها وإنتماءها للأحزاب السياسية، غض الطرف عن الدوافع الإنسانية للثورة كما للتحركات الشعبية وبالأخص عملية قطع الطرقات، وانتهاج سياسة التعميم حول أهدافها في محاولة لتسييس الثورة وتعزيز "نظرية المؤامرة" حولها.

 

وعليه، تأثرًا بالوسائل الإعلامية، تحقق إنقسام الرأي العام اللبناني بين من هو مؤيد للثورة وداعم للتحركات الإحتجاجية وإن تطبّعت بالشغب؛ وبين من هو مؤيد للثورة وأحقية المطالب وإنّما معارض لظاهرها العنفي. وفي مقابل هذا التأييد، لاقت الثورة معارضة شريحة شعبية كبرى، لخشية بأن تكون الثورة ضد "حزب الله".

 

يبقى أنّ الحكم العام للشعب يخضع لأمر الواقع الدافع للمضي بالثورة، وهو المتمثّل بالظروف المعيشية القاهرة التي تلمّ باللبنانيين، بدءًا من أزمة سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي وما أنتجته من غلاء معيشي وإنقطاع معظم السلع من السوق؛ مرورًا بالإجراءات المصرفية المجحفة لجهة الحد من نسبة السحوبات إلى مئة دولار أسبوعيًا ومنع التحويلات إلى الخارج، مما يحدث الشلل بالعجلة الإقتصادية ويزيد تفشّي البطالة.

 

في الوقائع الآتية:

 

بالتطلع إلى الوجه المشرق للوضع الراهن، حقق الشعب اللبناني في أشهر ثلاث، ما لم يجرؤ أو يحلم بتحقيقه على مدى ثلاثين سنة مضت. لقد أفسحت الثورة المجال لإحداث تغيير حقيقي يتوائم مع تطلَعات الشعب ويكفل حقّه الأساسي بتقرير المصير، وقد مكّنت - وإن مع التحفظ - ذوي الكفاءة والإختصاص بالوصول إلى الحكم.

 

أما في حيثيات الأزمة:

 

تواجه الحكومة الجديدة اليوم برفض شعبي عارم، حيث يؤخذ على التشكيلات الحكومية: أولًا، إستلام معظم الوزراء لحقائب وزارية مخالفة لمجال تخصصهم، وبالتالي لا تعبّر الحكومة إلّا عن روحية التكنوقراط، فلا تستوفي الشروط الواجبة ولا تؤدي الغاية المتوخاة. ثانيًا، عملية الدمج الحاصلة في ما بين الحقائب الوزارية، على النحو الذي لا يتحقق به التوافق والإنسجام في العمل الوزاري، وهو ما من شأنه أن ينتج سوء في الإدارة. وثالثًا، وهو الأهم الذي يعبّر عن غضب الشارع ورفضه، أن تمّت تسمية الوزراء من قبل أحزاب السلطة نفسها التي تلاقي الإعتراض الشعبي العام، وبالأخص أنّ هذه الحكومة جاءت على إثر إسقاط الحكومة السابقة لهذا السبب عينه، في حين كان يرجى منها أن تلبي المطلب الشعبي الجوهري بالإستقلال عن أحزاب السلطة، فيتم بعدها التهيئة لإنتخابات نيابية مبكرة لإعادة إنتخاب ممثلين جدد عن الشعب خارج القيود الحزبية والطائفية.

 

لقد تحولّت الثورة عن نمطها السلمي إلى العنف - غير المسلّح - مع إستهلال السلطة الإجراءات التمهيدية لتأليف الحكومة الجديدة وفق معايير تناقض الإرادة الشعبية. فقد تجاوزت الثورة ظاهر التعبير عن الرأي بالسبل المشروعة قانونًا إلى التعبير عن الغضب بصور خارجة عن القانون؛ إذ لجأ المتظاهرون إلى التعدي على الأملاك العامة والخاصة والمصارف ومحلات الصيرفة والمراكز التابعة لشركات الإتصالات، ومراشقة القوى الأمنية بالحجارة كما بالمفرقعات، مما أوقع إصابات خطرة في صفوف الأمن، فاستدعى الرد بحزم ولكن بقوة غير مبررة، يخشى في ظل تدهور الوضع الراهن اللاإنساني أن تزيد من التحدي الشعبي للسلطة.

 

وتجابه التحركات الإحتجاجية الغاضبة بإجراءات أمنية قمعيّة، رغم تأكيد كافة السلطات المعنية وفي مقدمتها وزارة الداخلية إحترامها لحق التظاهر والتعبير عن الرأي، بحيث تحاول السلطة تقييد مظاهر الثورة لحفظها في قالب سلمي محدود الفعالية. وقد احتجّت الهيئات المدنية واللجان الحقوقية على استخدام العنف المفرط من قبل الأجهزة الأمنية، بعدما عمدت إلى تفرقة المتظاهرين وردعهم باستخدام قنابل الغاز المسيّل للدموع، وخراطيم المياه والهراوات والرذاذ الحارق والرصاص المطاطي الذي أوقع إصابات حرجة إقترنت بأعطال وضرر دائم. كما وسجّل بحق القوى الأمنية التوقيفات العشوائية، والإنتهاكات أثناء الاعتقال والنقل والتوقيف.

 

الوضع الراهن في ضوء القانون اللبناني والدولي

 

تتأتى الجدلية المثارة اليوم حول قانونية التحركات الإحتجاجية من واقع غياب تعريف قانوني وواضح للثورة، وإرتباط مفهومها بالحق بالتظاهر وممارسة لحق التعبير عن الرأي. وعليه، نعالج فيما يلي الإشكالية حول أعمال العنف والشغب المرتبطة بالثورة؛ فهل تشكل إنتهاكًا للقانون، يُسقط مشروعية الثورة والحق بالتظاهر؟

 

يلحظ رأي قانوني أنّ هناك فارقٌ في المفهوم القانوني ما بين المظاهرة والثورة، لكون الأطر القانونية التي ترعي المظاهرات لا تنطبق في أغلب الأحيان على الثورات. ويمكن لنا في هذا الإطار تعريف الثورة بأنّها تعبير عن رفض شريحة كبرى من الشعب لواقع الدولة بأكمله، بحيث تضم هذه الشريحة مواطنين من مختلف الأعمار بغض النظر عن الجنس أو الإنتماء الحزبي، الديني أو الطائفي/المذهبي؛ وتعبّر عن معاناة مختلف الطبقات الإجتماعية. وغالبًا ما تنطبع الثورة بغضب عارم يدفع بهذه الشريحة للنزول إلى الشوارع والساحات على إمتداد أراضي الدولة بأعداد هائلة، وتقترن بالدعوة لقطع الطرقات، العصيان المدني والإضراب العام، كما يمكن أن يتخللها أعمال العنف وتخرج بالنتيجة عن أي أطر وضوابط قانونية موضوعة.

 

وإن دمجنا مفهوم الثورة بالتظاهر، نتبين أن لا نص قانوني محدّد يفصّل حرية التظاهر في القانون اللبناني، غير أنّ هذه الحرية تتصل بشكل مباشر بالحق في إبداء الرأي والتعبير عنه، وهو الذي كرَّسته المادة 13 من الدستور اللبناني باعتباره من الحقوق الأساسية التي لا يمكن فصلها عن الحريات العامة للإنسان؛ بل وقوننة المادة 50 من قانون العمل الفقرة "د"، بند رقم (5) حرية الأشخاص بممارسة حق التظاهر وحرياته الشخصية. وقد صدر عن وزارة الداخلية بتاريخ 29/3/2006 القرار رقم (1024/2006)، الذي نصّ على أنّ حق التظاهر للتعبير عن الرأي في القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والمهنية والاقتصادية، هو مظهر من مظاهر الديمقراطية، ولا يحدّ من هذا الحق إلّا احترام حقوق وواجبات الغير والتقيد بالقوانين والأنظمة النافذة.

 

وقد كُرّس الحق في التظاهر والإحتجاج في القانون الدولي، باعتباره حق من حقوق الإنسان المصانة في المعاهدات والإعلانات الدولية، والتي تتمتع بالقوة الدستورية بموجب نص الفقرة "ب" من مقدمة الدستور اللبناني، وقرار المجلس الدستوي الصادر بتاريخ 10/5/2008. أما أبرز هذه القواعد، فهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي شارك لبنان في صياغته، وجرى اعتماده من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948؛ وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي انضمّ إليه لبنان في العام 1972

.

 

القيود القانونية على الحق بالتظاهر

 

على الرغم من أنّ التظاهر مكرّس بموجب القانون المحلي كما القانون الدولي بأنه "حق" يدخل ضمن حرية الإنسان بالتعبير عن رأيه، غير أنّ القانون اللبناني يجرّم بموجب المواد 345 إلى 348 من قانون العقوبات اللبناني، تظاهرات وتجمعات الشغب. وبالمثل يمكن لنا الإستدلال إلى تجريم القانون اللبناني لوسائل شتّى قد تلجأ إليها الثورة للتعبير عن غضب الشعب، متى كان من أثر هذه الوسائل الضرر بحقوق الآخرين وواجباتهم.

 

من هنا، نجد أنّ العصيان المدني، وهو المتصل بالتعدي على الحقوق والواجبات المدنية، مجرّم في القانون اللبناني بموجب المادة 329 من قانون العقوبات، ويحدّد بكونه كل فعل من شأنه أن يعوق اللبناني عن ممارسة حقوقه أو واجباته إذا اقترف بالتهديد والشدة، أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الاكراه الجسدي أو المعنوي، معتبرًا هذا الفعل جريمة يعاقب عليها بالحبس. في السياق عينه، يقابل قطع الطرقات وإعلان الإضراب العام، القواعد المجرّمة للتعدي على حرية العمل، حيث يجرّم قانون العقوبات اللبناني بموجب المواد من 340 إلى 344، التوقف عن العمل من قبل المستخدمين أو العمال بقصد الضغط على السلطات العامة، أو إحتجاجًا على قرار أو تدبير صادرين عنها، ويعتبرها جريمة يُعاقب عليها بالحبس أو بالإقامة الجبرية والغرامة.

 

سلوك القوى الأمنية في المنظار القانوني

 

تشكّل مدونة قواعد سلوك عناصر قوى الامن الداخلي، مرجعًا لهيئات انفاذ القانون، بحيث تحدّد وبدقة السلوك الواجب إعتماده خلال تأدية العناصر لمهماتهم، في مراعاة لأحكام الدستور ومعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والإتفاقيات الدولية المعنية إذ تتقدم احكامها على ما دونها من القوانين والمراسيم عملاً بالمادة الثانية من قانون اصول المحاكمات المدنية. وكان لبنان قد وقّع دون تحفظ في العام 2000 "إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، ليعود ويقرّ في العشرين من أكتوبر عام 2017، القانون رقم 65 المتعلق بمعاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة. وإنه بالإنسجام مع هذه القواعد، وفي ضوء الأحداث الراهنة، أصدر معالي رئيس حكومة تصريف الأعمال السابقة سعد الحريري تعميمًا خلال الإسبوع المنصرم، وهو التعميم رقم (1) الصادر بتاريخ الخامس عشر من شهر كانون الثاني لعام 2020، طلب فيه من جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، التعاون والتنسيق مع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، بغية توصل هذه الأخيرة لرسم خطط العمل التي من شأنها تأمين الحماية لحقوق الإنسان ووقايته من التعذيب.

 

دور الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ونقابة المحامين

 

لقد تصدّت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، كما نقابة المحامين و’لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين‘  لكافة الإنتهاكات التي لحقت بحقوق المتظاهرين الإنسانية والمدنية، إن أثناء الأعمال الإحتجاجية أو خلال عمليات التوقيف التي طالت الكثير من الشباب ومنهم القاصرين. وقد عملت النقابة بالتعاون مع الهيئة، على قيد أسماء الموقوفين وحرصت على الإفراج عنهم جميعًا. وقد عمدت كذلك الأمر إلى وضع خطّ ساخن بخدمة جميع المواطنين للإبلاغ عن حالات التوقيف، وقامت بتعميمه على المتظاهرين خلال الإعتصامات؛ كما وزعت مناشير لإعلامهم عن حقوقهم خلال الاحتجاز، وعن الأدلة التي استندت إليها القوى الأمنية لإجراء التوقيفات.

 

ولم يقتصر دور نقابة المحامين بالدفاع عن المتظاهرين الموقوفين والجرحى، بل حرص على حفظ حقوق كل عامل يتعرض لأي تهديد أو صرف تعسّفي من رب العمل، وحماية المواطن اللبناني من الغبن الذي يلحق به جراء الأزمة الإقتصادية التي تشلّ العجلة الإقتصادية، وبالأخص منها الأزمة المصرفية. وفي هذا الإطار، رأى نقيب المحامين ملحم خلف أنّ "الاجراءات المقيدة لحقوق المودعين والمفروضة بإرادة المصارف وحدها في ظل تقاعس مصرف لبنان والهيئات الرقابية وسوء الإدارة الحكومية وضعف الرقابة البرلمانية، أتت بنتيجة معاكسة تمثلت بتراجع الثقة الداخلية والخارجية بالقطاع المصرفي". وقد شدّد النقيب خلف أنّ جمعية المصارف "هي جهاز نقابي للمصارف ولا تشكل سلطة دستورية على المودعين"، وعليه، فإنّ هذه القيود تكون غير دستورية وغير قانونية، حيث أنّ القيود لا يمكن أن توضع إلا بقانون يصدر عن مجلس النواب وفي المضمون على نحو عادل، وبحدود ما تقتضيه المصلحة العامة، وفق مبدأي التناسب والضرورة.

 

بالمنحى عينه، قضى القرار الصادر عن قاضية الأمور المستعجلة في محافظة بيروت، بأن على المصارف الاستجابة لطلبات المودعين بالتصرف بأموالهم لإعتبار أي قيد على حقوق المودعين بمثابة تعدّ واضح عليهم. وبذلك ردّت دفوع المصارف المتمسكة بذريعة وجود أزمة مالية، مع التشديد على أنّ المبرر القانوني الوحيد لعدم الإيفاء بالموجب يكمن باستحالة التنفيذ بسبب قوة قاهرة. وبدوره، أعلن مجلس النقابة الصرافين بالتوافق مع حاكم مصرف لبنان عن سعر شراء الدولار الاميركي بألفي ليرة لبنانية كحد أقصى، وأمر الصرافين المرخصين بالتقيد به تحت طائلة إلحاق العقوبات الادارية والقانونية بالمخالفين من قبل السلطات المعنية.

 

أمّا بالعودة إلى السلطات المعنية بالأزمة اللبنانية الراهنة، نلحظ أنّ الحكومة لم تلقى الثقة أمس في دافوس؛ فهل تنال الثقة بالمجلس النيابي أو فرصة من الشعب؟ ولمّا كان الإعتراض الشعبي على الحكومة منبثقًا عن واقع تأليفها بالمحاصصة ما بين أحزاب السلطة الممثلة نيابيًا، فهل يمكن القول أنّ المجلس النيابي فقد شرعيته؟

 

لارا الذيب- باحثة قانونية إستراتيجية، خاص لوكالة أنباء "رياليست"