إيران وابتلاع الدواء المر .. مقتل "الحاج قاسم" وسيناريوهات المنطقة

05.01.2020, 15:48, إسطنبول

محمد شعبان: إيران ستضطر مؤقتاً إلى ابتلاع الدواء المر، بقتل أبرز رجالاتها العسكريين، لكنها ستضطر من أجل الظهور بدور الوفي أمام شعبها، إلى استخدام أذرعها في اليمن وفي العراق وفي سوريا، لمهاجمة الرياض وبعض الأهداف الإسرائيلية.

مصدر الصورة: وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 

أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على استهداف الرجل "الأخطر" في منطقة الشرق الأوسط وأحد أبرز العسكريين الإيرانيين، قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني بغارة جوية في العراق ومعه رفقاء آخرين كانوا في طريقهم لأحد الاجتماعات الهامة في العراق. تذرعت واشنطن على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقتل قاسم سليماني، المعروف في إيران بالحاج قاسم، بدعوى أنه كان يخطط لقتل المزيد من الجنود الأمريكيين، وأنه مسؤول عن إسقاط آلاف الأمريكيين بين قتيل وجريح على مدى فترة طويلة من الوقت، وترامب بطبيعة الحال محق في ذلك، لمسؤولية سليماني عن نشاط إيران العسكري خارج البلاد طيلة السنوات الماضية سواء في سوريا أو العراق أو لبنان.

 

وقد صنع قاسم سليماني عداوات على مدار سنوات طويلة في العالم العربي، بسبب موقفه من الثورات العربية، حيث وقف داعماً للنظام السوري، وللمصالح الإيرانية في مواجهة الشعب السوري، فضلاً عن محاولاته في الأيام الأخيرة لاحتواء المظاهرات العراقية من خلال لقاءه بمقتدى الصدر في الأسابيع التي سبقت مقتله، فضلا عن باقي الملفات التي تحضر فيها إيران في المنطقة، وهي كافية بطبيعة الحال أن تصنع من الرجل عدواً واضحاً للشعوب في المنطقة.

 

حاشية مهمة بخصوص قاسم سليماني والمقاومة الفلسطينة 

 

على النقيض، كان لقاسم سليماني، دور واضح في دعم المقاومة الفلسطينية بالسلاح الكافي في مواجهة العدوان الإسرائيلي خاصة في حرب 2014 وقد قام بذلك، كجزء من مسؤولياته في هذا الملف المهم للجمهورية الإسلامية التي تنطلق قناعاتها الدينية من دعم لحركات المقاومة في فلسطين لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وهي إشكالية بطبيعة الحال، تدفع بالمتابع إلى استيعاب فلسفة الإنحيازات في السياق السياسي، فرغم موقف البعض من الإيمان بالرفض المطلق للموقف الإيراني في الشرق الأوسط لما تسببت فيه من قتل المئات وتشريد الآلاف وتعطيل مسار وتطلعات شعوب كانت تريد الانطلاق نحو الحرية، وبالتالي فموقفها من دعم المقاومة الفلسطينية مرفوض، ومن المعيب أن تعلن حركات المقاومة تلاقيها السياسي والداعم لمواقف إيران في بعض الملفات في المنطقة.

 

لكن على الجانب الآخر يذهب البعض، وأنا منهم، إلى أن المواقف السياسية يحكم عليها بتفصيلاتها المنفصلة عن باقي المواقف، بحيث أنه من الممكن الثناء على موقف طرف ما، مادام يدعم ما هو متوافق عليه لدى الشعوب من البحث عن الحرية والتحرر، مع إنكار موقف نفس الطرف في مكان آخر وهو يتعارض مع قيم الحرية والعدل والتحرر.

 

وبالتالي، فموقف طهران من المقاومة الفلسطينية لا يمكن إنكاره في خضم تقييم موقفها من مواجهة الثورة السورية أو الحراك العراقي، أو الحراك في لبنان أو دعمها لجماعة الحوثي في اليمن أو حتى تطلعاتها السياسية في أفريقيا على حساب شعوب هذه المناطق. لذلك ووفقا لحالة قاسم سليماني، ظهرت الأصوات المتطرفة التي تنفي عن الإيرانيين أي قيمة إيجابية في مشروعها السياسي في المنطقة، وتستحضر طيلة الوقت جرائمها في المنطقة، وأن الجزاء من جنس العمل.

 

هذه الحاشية الخاصة بالموقف الإيراني من المقاومة الفلسطينية جديرة بالوقوف عندها في ظل تناول مآلات الوضع في الشرق الأوسط بعد اغتيال قاسم سليماني ومستشاره ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية ذات الولاء للإيرانيين أبو مهدي المهندس.

 

توقيت استهداف قاسم سليماني

 

إذا ما بحثنا في أهمية توقيت استهداف قاسم سليماني، علينا إستذكار، الحادث الشهير الذي استهدفت فيه طهران طائرة أمريكية في نهاية يونيو من 2019 وقالت إن الطائرة كانت بغرض التجسس ما دفع الحرس الثوري الإيراني الى استهدافها. هذه الحادثة كانت ضاغطة على إدارة ترامب الذي طُلب منه رد قاسي على الإيرانيين لكنه في اللحظات الأخيرة تراجع عن توجيه ضربة لأهداف إيرانية وقال إنه راعى وتخوف من سقوط مدنيين في الحادث فتراجع قبيل إصدار الأوامر بتوجيه الضربة.

 

تلا ذلك، ما يمكن أن يطلق عليه "عربدة" طهران في مضيق هرمز واحتجازها للسفن ونداءات بعض دول الخليج مثل السعودية بضرورة وقف إيران عن تربصها بحركة الملاحة في المنطقة، وخروج تصريحات من الإدارة الأمريكية بالتهديد والوعيد للإيرانيين. ومع دخول العراق في أتون حراك سياسي جنباً إلى جنب إلى الوضع في لبنان، تصاعدت حدة الأوضاع في المنطقة وكان البطل المحرك لها هي طهران، التي كانت تسعى إلى وأد الحراك الشعبي في العراق ونسف تطلعات الشعب الذي كان يسعى إلى إنجاز ثورة سياسية واجتماعية تعوضه عن حالة الفقر والمعاناة التي يعيشها منذ سنوات.

 

وسعت إيران إلى التلاقي مع مقتدى الصدر لوأد وإيقاف الحراك السياسي، ما كان له الأثر اللحظي بالفعل في إيقاف جذوة الحراك ولو بشكل مؤقت، واستخدام إيران لذراعها العسكري في العراق، الحشد الشعبي لإرسال رسائل طيلة الوقت للإدارة الأمريكية بضرورة ألا تتدخل في الملف العراقي، وإلا ستطالها صواريخ الحشد. كل هذه التفاصيل كانت مقدمة بطبيعة الحال، إلى حصار السفارة الأمريكية في بغداد بعد استهداف الطيران الأمريكي لكتائب حزب الله العراقية وقتل العشرات وهو ما رأته إيران رسالة واضحة من واشنطن أن اليد العليا في العراق ما زالت لأمريكا وعلى إيران الإلتزام بقواعد اللعبة.

 

ومع محاولة الحراك الشعبي العراقي الترفع عن الطائفية وتقديم صورة "مقبولة" من التآلف البعيد عن المطالب الطائفية، وخروج تصريحات أمريكية داعمة بشكل علني لهذه التظاهرات ودعواتها لإيران بالتوقف عن التدخل في الحراك السياسي كان واضحاً لإيران أنها معركة عض أصابع بين الطرفين.

 

الصيد الثمين بوجود أبو مهدي المهندس

 

في ديسمبر من العام المنصرم، طالب وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير بضرورة التصدي لعدوانية إيران، لأنها تهدد المنطقة برمتها ولم يعد من الممكن تحمل عدوانيتها، وذلك على هامش قمة منتدى المتوسط في العاصمة الإيطالية روما، كانت تصريحات الوزير السعودي عقب استهدافات إيرانية "وفق تقارير قالت إنها قادمة من العراق عن طريق الحشد الشعبي"، لشركة أرامكو.

 

المشرف الأول على استهداف أرامكو، والذي كان يشهد بنفسه كل التفاصيل هو نائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، والذي يعتبر العدو الأول والمطلق للسعودية في العراق، هذ ا الرجل والذي كان يعمل مستشاراً لقاسم سليماني، كان له دور كبير في قيادة الحشد الشعبي ضد أهداف سعودية وبطبيعة الحال ضد أهداف أمريكية في العراق، ما جعل استهدافه في الليلة المشهورة برفقة قاسم سليماني مكسباً كبيراً للرياض التي ترى في موته انتقاماً لما قام به من استهداف لأرامكو وتكبيدها مليارات الدولارات خسائر بسبب ذلك.

 

مقتدى الصدر وعودة جيش المهدي

 

تسبب مقتل قاسم سليماني في دعوة مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، فصيله المسلح المعروف باسم "جيش المهدي" وفصائل أخرى "منضبطة"، إلى الاستعداد من أجل حماية العراق. قال الصدر في بيان له "إنني كمسؤول المقاومة العراقية الوطنية، أعطي أمراً بجهوزية المجاهدين لا سيما (جيش الإمام المهدي) و(لواء اليوم الموعود)، ومن يأتمر بأمرنا من الفصائل الوطنية والمنضبطة، لنكون على استعداد تام لحماية العراق".

فصيل جيش المهدي مجمد نشاطه منذ العام 2007، حيث كان يعمل ضد الجنود الأمريكيين لإنهاء الاحتلال للعراق، ولذلك فدعوة مقتدى الصدر لفصيله جيش المهدي بالجهوزية يعني الآتي:

 

1-إن الحراك السياسي العراقي في طريقه للإنهاء ودخول البلاد في شبه "صدام" مسلح جديد بين فصائل شيعية وما تبقى من الجيش الأمريكي في العراق والذي يقدر عددهم بـ 5 آلاف جندي أمريكي.

2-لن تستطيع الحكومة العراقية المقبلة، التعاطي سياسياً مع هذ ا التحول الجديد لموقف مقتدى الصدر، خاصة وأن قتل قاسم سليماني سيخلق حالة من التعبئة الشعبوية التي ستتوافق مع دعوات الصدر للعمل المسلح ضد الوجود الأمريكي في العراق.

3-هذا سيسمح لإيران بطبيعة الحال توظيف الوضع لمحاولة رد الاعتبار والانتقام من أمريكا بسبب قتل قاسم سليماني.

4-ستعود العراق لنقطة الصفر مرة أخرى وتختفي الأحاديث عن ملفات الفساد والمحاصصة في مقابل "لا صوت يعلو فوق صوت الانتقام لسليماني" ما يمهد الباب أمام الإيرانيين لإعادة بسط النفوذ في المشهد السياسي والعسكري في العراق بشكل أعمق.

 

السؤال المهم في هذه الأزمة، كيف سترد إيران على قتل سليماني؟

 

بوضوح ودون الحديث عن تفاصيل قد تشتت الأذهان، فلن تندلع حرب في منطقة الشرق الأوسط بين أمريكا وحلفاءها من جهة وإيران وحلفاءها من جهة أخرى على الاقل في الفترة القريبة للأسباب التالية:

1-تدرك أمريكا جيداً متى تتدخل في الشرق الأوسط لضبط إيقاع الصراع، ومتى تنزوي بعيداً، وبالتالي فقتل سليماني هو محاولة لضبط أداء الصراع في المنطقة ودفع كل الأطراف إلى أن يلزم كل منهم مكانه وحدوده وخطوطه الحمراء دون تعدي فج وواضح ومتبجح.

2-الحالة التي فيها إيران الآن، خاصة تلك المتعلقة بالواقع الاقتصادي جعلها في موقف صعب للغاية لا تقوى معه على تحمل تكلفة حرب كاملة سواء مع أمريكا او حلفاءها، ولا قادرة على تغطية احتياجات أذرعها العسكرية في المنطقة، فترامب نجح في خنق إيران مالياً فباتت تواجه أزمة في توفير الاعتمادات المالية التي تريدها أذرعها بل وقد قلصت المزيد من الميزانيات بسبب العقوبات الأمريكية عليها.

3-لا أرى أن المراقب الدولي وأعني هنا أطراف مثل روسيا والصين وحتى الإتحاد الأوروبي سيقف بموقف المتفرج حال وصول الأمر إلى حتمية الصدام خاصة مع حرص بكين على سبيل المثال على التمدد في الشرق الأوسط في السنوات القليلة ا لماضية وكذلك موسكو، وبروز دعوات للحرب يعكر صفو مسيرتهم الهادئة في المنطقة.

4-رغم حالة الحشد الكبيرة من جانب بعض دول الخليج، لواشنطن من أجل الحرب مع إيران إلا إن بعض دول الخليج يدركون جيداً أنهم هم الذين سيدفعون ثمن هذه الحرب، سواء من خلال ضخ الأموال إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتمويل الحرب، أو تحمل تبعات الهجوم الإيراني على هذه الدول وبالتالي ستحدث خسائر ضخمة في الاقتصاد وضحايا الحرب من المواطنين.

وبناءً عليه فإن إيران ستضطر مؤقتاً إلى ابتلاع الدواء المر، بقتل أبرز رجالاتها العسكريين، لكنها ستضطر من أجل الظهور بدور الوفي أمام شعبها، إلى استخدام أذرعها في اليمن وفي العراق وفي سوريا، لمهاجمة الرياض وبعض الأهداف الإسرائيلية، بالإضافة إلى بعض الأهداف الأمريكية "غير المهمة" في العراق، مع محاولاتها انتهاز فرصة انشغال الإدارة الأمريكية بملفات هامة، مثل انتخابات 2020 وربما ساعتها يكون لها رد ترى فيه أنه يضمد جراح كبرياءها بقتل الحاج قاسم.

 

خاص وكالة "رياليست" – محمود شعبان – باحث مصري في جامعة إسطنبول ايدن.