موسكو وأنقرة.. تحالف.. عداء.. أم تنافس؟

29.12.2019, 19:42, القاهرة

داليا يسري: روسيا تهتم بليبيا، ولكنها في نفس الإطار لا ترقى لأن تبلغ درجة اهتمامها بالشأن السوري، وعليه فإن أي تدخل عسكري من الجانب الروسي في الشأن الليبي –في حال احتدمت الأمور- على نفس درجة سابق تدخلها في الأزمة السورية هو أمر غير متوقع حدوثه.

مصدر الصورة: سبوتنيك

لطالما حاولت تركيا منذ عهد الإمبراطورية العثمانية الى الحيلولة دون تواجد هام لروسيا في جنوب وشرق البحر المتوسط، واليوم يعتبر هذا التواجد هو ما تفعله روسيا بنشاط على عدة أصعدة، في إطار استراتيجيتها المتعلقة بملفات عدة في منطقة الشرق الأوسط بوجه عام. وفي ظل تواتر الأحداث في الشرق الأوسط، تضع الحدود الجغرافية من ناحية والطموحات الاقتصادية من ناحية أخرى، أطرافًا عدة في إطار تفاعلات مباشرة مع بعضها البعض. ولكن إلى أي مدى يتفق الطموح الإمبراطوري العثماني القديم في الشرق الأوسط مع مصالح أحفاد السوفييت هناك في الوقت الراهن؟!

محطات ومراحل مشهودة في مسار العلاقات بين البلدين

 

يعود تاريخ العلاقات الروسية التركية إلى أكثر من خمسة قرون، عندما أرسل الأمير إيفان الثالث رسالة الى السلطان العثماني بايزيد الثاني في 30 أغسطس 1492 بشأن التجارة البحرية. وافتتحت سفارة الإمبراطورية الروسية في إسطنبول بشكلها الدائم في عام 1701، وتم تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين روسيا الاتحادية السوفيتية والجمهورية التركية في 3 يونيو 1920.

 

وبعد سنوات من التطور المكثف في مسار العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، تدهورت العلاقات بينهما فجأة على خلفية قيام سلاح الجو التركي بتدمير طائرة عسكرية روسية في المجال الجوي الروسي في 24 نوفمبر 2015، أصيبت العلاقات على إثر هذه الخطوة بالجمود الكبير والذي استمر لمدة 7 أشهر متتالية. ترتب عليها أن فرضت روسيا حظرًا على توريد عددًا من المنتجات التركية اعتبارًا من 1 يناير 2016 ردًا على الهجوم التركي، واستمر الحظر حتى بدأ رفعه بالتدريج منذ عام 2016. عندما بدأت العلاقات بعد ذلك تأخذ شكل مسار تصاعدي بمجرد قيام اردوغان بتقديم الاعتذار الى بوتين في 2016. وعلى مدار سنوات بعد ذلك تبادل الجانبان الزيارات الرسمية على مستويات مختلفة وصولاً إلى المحطة الأخرى التي تعتبر وقفة مشهودة في مسار العلاقات بين البلدين، في 2019 بتوقيع البلدان الاتفاق على خط أنابيب الغاز "ترك ستريم" والذي يبدأ من روسيا وينتهي بتركيا، والذي لايزال حتى اللحظة من مسببات الأرق لدى الإدارة الأمريكية التي تخشى من تغلغل النفوذ الروسي في أوروبا.

 

وفي مجال الطاقة النووية، يتعاون الجانبان في تنفيذ أكبر مشروع مشترك لأجل بناء محطة أكويو للطاقة النووية والتي سوف يقوم على بنائها المتخصصون الروس. وتقدر تكلفة المشروع بحوالي 20 مليار دولار، ومن المتوقع إطلاق أولى وحداتها في عام 2023. فيما تأتي صفقة أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز إس-400، والتي قام البلدان بتوقيع عقدها في سبتمبر 2017، باعتبارها إحدى أهم المحطات الفارقة ليس فقط على الصعيد التركي الروسي فحسب، بل أيضًا على الصعيد العالمي لما يرتبط بها من تطورات متعلقة بمسار العلاقات التركية مع واشنطن وحلف الناتو.  

 

موسكو وأنقرة.. بين الصداقة اللحظية والمصالح المتضاربة

 

لا ينفك الجدل حول العقوبات الأمريكية ضد تركيا كلما حاولت التقرب الى روسيا ينتهي حتى يبدأ جدلاً آخر موازي له يدور في سياق مماثل. تارة لوحت واشنطن بعقوباتها ضد تركيا على خلفية قيامها بشراء صفقة أنظمة الصواريخ الروسية "إس -400" التي ما لبثت أن تلاشت أخبارها من على ساحة وسائل الإعلام، حتى لاحت في الأفق انباء جديدة عن العقوبات الأمريكية بحق الشركات بحق الشركات التي تعمل على خطوط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2 " و"السيل التركي"، والتي تقارب فيها كلا الموقفين التركي والروسي الرافض لأي عوائق من شأنها أن تعرقل عمل المشروع.  

 

وفي مفارقة تاريخية.. يُذكر أن التهديد السوفياتي كان هو ما أدى إلى نشوء التحالف التركي الأمريكي في المقام الأول، ذلك بعد أن حاول الرئيس الأمريكي هاري ترومان الحيلولة دون وقوع تركيا واليونان في فلك النفوذ السوفياتي في العام 1947. وهكذا وبشكل ساخر، دارت عجلة الزمان حتى أصبحت روسيا اليوم تبدو أمام الولايات المتحدة كما لو كأنها هي نفس الدولة التي على وشك أن تفض هذا التحالف التركي الأمريكي الذي تسببت هي نفسها بقيامه من قبل!

 

ولكن هنا يبقى السؤال.. هل تعتبر المخاوف الأمريكية من أي ارتباطات تركية روسية في محلها؟ أو بالأحرى هل تحالف آخر على غرار التحالف "التركي الأمريكي" في طريقه الى الانعقاد بين "روسيا وتركيا"؟ وبمعنى آخر هل يعتبر توصل البلدان إلى توافق نسبي فيما يتعلق بالعمليات على المسرح السوري بمثابة مؤشر بارز على مستقبل العلاقات بينهم؟

 

حقيقة الأمر أن النظر الى الإطار الحاكم لطبيعة العلاقات بين البلدين ومستقبلها يجب أن يمر من خلال عدة نقاط محورية بينهما. من ضمنها القضية السورية، والتي تسببت منذ 2015 في وضع الانخراط الروسي على مسرح العمليات السورية، روسيا في تفاعل حقيقي مع تركيا، إن كلا الدولتان منهمكتان في الأزمة السورية، وكلاهما تملكان رغبات متعارضة في المنطقة. روسيا تدعم النظام وتركيا تدعم المقاومة المسلحة له، ولمدة سنوات جاهدت تركيا النظام بقدر الإمكان، حتى تلاشت فكرة اسقاطه بفعل الدعم الروسي القوي له. وبتلاشي هذه الفكرة لدى القيادة التركية أصبح متاحًا أمامها فكرة التوصل الى توافق مع روسيا بشأن سوريا، وبهذه الطريقة طرحت تركيا جانبًا أهدافها بتغيير النظام وسوت علاقاتها مع روسيا وركزت بدلاً عن ذلك على لجم المكاسب التي توصلت لها القوات الكردية في سوريا. وقد أتى هذا الرهان بثماره، لأن تركيا نجحت في اجراء عملياتها العسكرية في شمال غرب سوريا ودحرت وحدات حماية الشعب الكردية الى شرق نهر الفرات بموافقة روسية.

 

ولكن المسألة السورية ليست وحدها من يرسم معالم العلاقات بين البلدان، إذ أن التقارب والتباعد التركي الأمريكي المتفاوت في السنوات الأخيرة، يشكل عاملاً حاسمًا في هذا الأمر كذلك. فقد تبادل الجانبان الاتهامات، تارة وبخت تركيا الولايات المتحدة الأمريكية لدعمها قوات سوريا الديموقراطية، وتارة أخرى لوحت واشنطن بشبح العقوبات المفروضة على تركيا على إثر قيامها بشراء نظام إس -400. وانحدر مستوى الثقة بين البلدين حتى يبلغ أدنى مستوياته على الإطلاق، حتى العلاقات المؤسسية بين البلدين قد أصابها الوهن كذلك، وبات سياسيو تركيا يرون واشنطن باعتبارها قوة تهديدية عليهم. ولكن مع ذلك، لاتزال العلاقات الروسية التركية تتسم بالهشاشة والتخلخل، لأن كلا البلدان تسعيان الى تعزيز وتنامي نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير من ناحية، ومن ناحية أخرى تريد تركيا أن تبقى على مقربة من الغرب ولا تخسر الصديق الروسي في نفس الوقت، حتى يظل هناك دائمًا من بمقدورها أن تتودد إليه كلما شعرت برياح تقلبات سياسية قادمة ضدها من الغرب والولايات المتحدة على حد سواء. بمعنى أن تركيا ترغب بالإحكام على قبضة الغرب باليد الأمامية، وباليد الخلفية تستمر بمصافحة روسيا.

 

والدليل على ذلك أن تركيا رفضت طلب نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس في ابريل 2019، في أن تحتار بين حلف شمال الأطلسي وروسيا ولم ترغب أبدًا أن تتخذ خيارًا كهذا، مفضلة الاستقلالية الاستراتيجية في السياستين الخارجية والأمنية على حد سواء. وهكذا سعت للبحث عن سبل تخول لها الجمع بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها التاريخية مع الغرب من جهة، ومن جهة أخرى مع علاقاتها المتحسنة مع دول مثل روسيا والصين وإيران من جهة أخرى.

 

تكهنات حول مستقبل "التحالف التركي الروسي"

 

إن الطموحات الجيوسياسية لكلا البلدين وكما ذكرنا سالفًا تحول دون الوصول الى ما يُطلق عليه علاقة "تحالف"، إذ أن توافقهما حتى لو بشكل "وقتي" على الساحة السورية، لا يعني بالضرورة أن هذا التوفق قد يمتد ليشمل جميع الأًصعدة. وحتى إذا توافق الطرفان في سوريا، فهذا لا يعني أن مواقف خلافية لن تجمع بينهما على ساحة عربية أخرى بالغة الأهمية مثل ليبيا. وفيما تدعم تركيا بشكل واضح حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، تدعم روسيا بشكل "غير علني" المشير خليفة حفتر قواته.. ولكن في هذا السياق، يطرح سؤالا نفسه.. ما هو تطور التفاعل الروسي التركي على الساحة الليبية؟

 

روسيا تهتم بليبيا، ولكنها في نفس الإطار لا ترقى لأن تبلغ درجة اهتمامها بالشأن السوري، وعليه فإن أي تدخل عسكري من الجانب الروسي في الشأن الليبي –في حال احتدمت الأمور- على نفس درجة سابق تدخلها في الأزمة السورية هو أمر غير متوقع حدوثه. في حين تولي تركيا الشأن الليبي اهتمامًا بالغا لما سوف يوفره لها تواجدها في ليبيا من غطاء يخول لها الوصول الى غاز شرق البحر المتوسط والتنافس مع قوى إقليمية أخرى مثل مصر وقبرص. وفي الوقت الراهن من غير المرجح أن تُعلن روسيا تخليها عن حفتر – مع ملاحظة أنها لم تعلن حتى اللحظة عن دعمها الواضح له- وعليه فإن رحلة التنافس الذي افضى الى توافق التي حدثت في التفاعل بين الجانبين على الساحة السورية من قبل، قد تتكرر مرة أخرى في ليبيا ولكن بسيناريوهات مختلفة، في حالة تطور الأمور بشكل - إيجابي للغاية-  لصالح السراج وتركيا، والذي سوف يقابله من الناحية الأخرى نشوء تواصل روسي جديد مع السراج وحكومته وهو احتمال ضعيف. أو من المرجح أن يستمر السيناريو الحالي على حاله، بحيث تستمر روسيا بدعمها لحفتر ولا تتخلى تركيا كذلك عن السراج، لأن إمكانيات تخلي تركيا عن السراج والانضمام الى كتلة حفتر والداعمين له هو أمر غير مرجح، ويبقى في طي الاحتمالات البعيدة.

 

وفي منأى عن الخلافات بين الجانبان على الساحة الليبية، لايزال من الصعب تصور أن تقوم علاقة تحالفية بين البلدان، إذ أنه لايزال هناك العديد من التناقضات في رؤى آفاق الشرق الأوسط. فعلى الرغم من التوافق الروسي التركي الحالي بشأن سوريا، إلا أن روسيا لم تتوقف يومًا عن دعم بشار الأسد ونظامه في سوريا، وقوات خليفة حفتر في ليبيا، ومنظمة التحرير الفلسطينية. وعلى النقيض تمامًا، لاتزال تركيا تعارض نظام الأسد، وتدين صعود السيسي الى رأس السلطة في مصر، وتدعم حركة حماس في غزة، وبالإضافة الى ذلك تبدي تعاطفًا ودعمًا واضحًا للقوى الإسلامية المسلحة المرفوضة من كل الدول العربية تقريبًا ومحظورة في روسيا كذلك.

 

كما أن ما يجمع البلدان من مصالح اقتصادية متبادلة لا يكفي لأن يرقى لدرجة دفع التعاون الذي يجمعهما إلى مرحلة "التحالف"، إذ أن مصالحهم الاقتصادية يغلب عليها طابع التعارض، لأن روسيا بصفتها مصدر لموارد الطاقة ترغب في أن تصبح أسعار موارد الطاقة مرتفعة، فيما ترغب تركيا باعتبارها مستورد رئيسي لموارد الطاقة بالإبقاء على هذه الأسعار منخفضة. وهكذا يمكن القول إن التعاون بين البلدين سوف يظل محدودًا على بعض الأصعدة وأنهم سوف يصبحون أقرب كلما دفعت الولايات المتحدة تركيا بعيدًا عنها.

داليا يسري- باحثة بالمركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية خاص "رياليست"